أوروبا المنسية .. أوروبا المشردين والفقراء

الأيام السورية؛  كفاح زعتري

يلحظ كل شخص يزور أوربا، ولو بشكل عابر، أناس، رجال ونساء وأولاد من مختلف الأعمار تتسول بطرق مختلفة، كما يشاهد حرامات وأكياس نوم قرب مدخل مجمع تجاري أو على مقعد في حديقة، هي عدة النوم لشخص لا مسكن له، يعود إليها مساءً ليحتمي من برودة الليل. هذا المشهد يتكرر في برلين وبون وباريس واستوكهولم ومختلف الدول الأوربية. أولئك ليسوا جميعهم مدمنين ومنبوذين اجتماعياً أو أشخاص سيئين. هم باختصار فقراء.

فقراء في أوربا

أوربا ليست كما يتصورها البعض جنة الثراء والرخاء في العالم، بل فيها أيضا من لا يجد قوت يومه، ومن ليس له مأوى يحميه من برد شتاءها.

تشير تقارير الاتحاد الأوربي إلى أن معدلات الفقر في دول الاتحاد وصلت إلى 16% في الشمال، وتصل إلى أدنى مستوى في الدول الإسكندنافية، وترتفع إلى 20% في إسبانيا واليونان، أما الأكثر فقراً فهم الرومان، والمجريون، والبلغار.

في ألمانيا أغنى دولة أوربية وأقوى اقتصاد، بلغت معدلات الفقر 13% من نسبة عدد السكان. وقد ارتفع عدد المشردين منذ عام 2014 بمعدل الثلث، وتوقعت الإحصائية الحكومية أن يبلغ عدد من لا مسكن لديهم، في عام 2019 مليون ومئتي ألف.

فولفغانغ كهل ألماني في الخامسة والستين، صرح لإذاعة صوت ألمانيا، إنه “يعيش حالة التشرد منذ سنوات”، إثر طلاقه من زوجته قبل عشر سنين، والتي أخذت “البيت والأولاد وحسابه البنكي”، كما عطلت الإجراءات الإدارية صرف “منحة التقاعد”، يقف ضمن طابور ينتظر الحصول على وجبة، يقول إنه “يتسول مرات، ويقوم ببعض الخدمات “كتنظيف التواليتات في كازية”، أو “تنظيف القبور” ليحصل على القليل من المال، ومساءً يذهب إلى “مأوى المشردين ليحتمي من البرد القارس”. ويعلّق فولفغانغ آماله على منحة التقاعد التي ستغيّر حياته، وتمكنه أخيراً من “استئجار بيت وطبخ كل ما يشتهيه”.

متسولون في السويد

وفق استطلاع للرأي أعده قسم الأخبار في الإذاعة السويدية (إيكوت) فقد ازداد عدد المشردين في السويد منذ عام 2012، كما انتشرت ظاهرة التسول في الشوارع السويدية في 44 بلدية، أغلبهم مواطنون أوربيون لا يحصلون على تصريح إقامة، لكن تواجدهم شرعي على الأراضي السويدية بموجب قانون حرية التجول داخل الاتحاد الأوربي.

بعض هؤلاء المهاجرين نجحوا في العثور على عمل، بينما الأغلب يكسب رزقه عن طريق التسول أو عزف الآلات الموسيقية في الشوارع وجمع العبوات الفارغة وإعادة بيعها، ينامون في العراء أو في السيارات والخيام، ويرسلون المال الذي يحصلون عليه إلى عائلاتهم. في حين توفر تسع بلديات فقط ملاجئ لهؤلاء المهاجرين.

التسول في السويد- مصدر الصورة: Sveriges Radio

تقارير أوربية

وفقاً لتقرير مشترك بين مؤسسة الأب بيير والفيدرالية الأوروبية للمنظمات العاملة مع المشردين، أشار إلى أن “الأطفال والنساء والعمال الفقراء هم المعنيون أكثر بالتشرد”.

ويضيف التقرير؛ أنّ “تنامي التشرد يزيد من الضغط على خدمات الطوارئ”. وأورد أنه “تبين وجود أوروبا مختلفة، وهي أوروبا المنسية أي أوروبا المشردين”.

ويشير التقرير إنّ “سياسي دول الاتحاد يتجاهلون المشكلة التي تفاقمت، لتشمل أولاد قاصرين انضموا إلى فئة المشردين؛ الذين أصبحوا الفئة الأكبر في مساكن الطوارئ”.

في الواقع التقارير تورد أرقام صادمة حول أعداد المشردين من القاصرين بمختلف دول الاتحاد الأوربي.

تعتبر فنلندا البلد الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي تراجعت نسبة المشردين فيه 10% عام 2016 مقارنة مع العام 2013. والسبب في ذلك يعود إلى اعتبار أن مشكلة التشرد هي في الأساس مشكلة سكن وحق لهم. فأمنت لهم مساكن بأسعار معقولة ودعمتها.

في فرنسا

قبل عدة سنوات نشر كتاب فرنسي مترجم للألمانية بعنوان “دراستي المكلفة” يحكي قصة طالبة فرنسية عمرها 18 عاماً، امتهنت الدعارة حتى تستطيع الإنفاق على نفسها. الكتاب كان صادماً للمجتمعات الأوربية، لكن كشف النقاب عن جانب مغيب من المجتمع الفرنسي.

باحثة فرنسية تدعى إيفا كلاويت اهتمت بظاهرة الفقر بين الطالبات الجامعيات، بعد نشر الكتاب، وقدمت بحثاً ذكرت فيه الكثير من الحقائق حول تلك الظاهرة، مثلاً في فرنسا 40 ألف طالبة تعمل في الدعارة من أصل 2.2 مليون طالبة.

مشردون في فرنسا- مصدر الصورة: العربي

وفي ألمانيا

في ألمانيا؛ أغلب المشردين ينتمون إلى أوربا الشرقية والوسطى، وخاصة من بولونيا، كما ينتمي إلى فئة المشردين الكثير ممن فقد عمله بسبب توقف الشركة التي يعمل بها عن العمل. أو البيروقراطية وتأخر دفع الراتب التقاعدي الذي يمكن أن يقذف بكبار السن إلى الشارع.

تحت جسر في برلين -مصدر الصورة: دوتشيه فيليه

أهم الأسباب

أحد الأسباب الهامة لزيادة نسبة المشردين، هي أزمة السكن وارتفاع أسعارها حتى خارج المدن الكبيرة. ففي سبع مدن ألمانية (ديسلدورف، هامبورغ، برلين، فرانكفورت، مينشن، كولن، وشتوتغارت) لا تستطيع الأسرة متوسطة الدخل أن تستأجر شقة مساحتها 70 م2.

من ناحية ثانية؛ يوجد في ألمانيا مليون مسكن فارغ، وقد أظهر مسح للمساكن في أوربا، أن دول الاتحاد الأوربي فيها أكثر من 11مليون وحدة سكنية فارغة!  يعود ذلك بسبب استخدام المساكن كاستثمارات عقارية وليس للسكن.

لا يوجد أحد من اللاجئين، بكل المدن الكبيرة والصغيرة والقرى النائية، لم يتلوّع بموضوع البحث عن سكن، الآلاف يقطنون بمراكز إيواء منذ عام 2015 حتى الآن، ولم يستطيعوا الحصول على سكن خاص. علماً أن وضع اللاجئين أفضل بكثير من وضع المشردين، كون اللاجئ يحصل على معونة اجتماعية ومكان إقامة مقبول.

غرهارد رودن المسؤول الجهوي عن الاندماج والتأهيل في منظمة “كاريتاس” الخيرية: يقول في لقائه مع DW “أسباب التشرد عديدة وهي؛ اجتماعية بالأساس كالمشاكل العائلية، والزوجية، أو مادية كالعجز عن دفع أجور السكن بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المحدود وهناك أيضا خريجي السجون”.

ويضيف؛ “المجتمع الألماني مجتمع رأسمالي، وبالتالي؛ فإن إمكانية فقدان العمل أو المسكن واردة”، وهو أيضا مجتمع تضامني بما معناه أنه “لا يمكن إلا أن نعتبرهم جزءاً منه وأن نتضامن طبعاً معهم.”

كريستوف بوترفيغة المختص بعلم الاجتماع والباحث بقضايا الفقر بجامعة كولن ومؤلف كتاب “الفقر في بلد ثري” يردّ مشكلة التشرد في ألمانيا إلى “السياسة الاجتماعية التي تقاعست عن توفير سكن اجتماعي يمكن للفقراء دفع آجاره”، ويتابع: “بدلاً من أن تترك السياسة السكنية لمستثمري القطاع الخاص، كان يتعين على الدول أن تحول دون أن يصبح الناس مشردين”، ويؤكد على أن “حياة التشرد والعيش في الشارع، لم تكن خياراً، فيما لو حصل المرء على عرض مقبول ما كان ليرفضه”، ويرى أن “استمرار هذا الوضع وعدم إيجاد حلول فعالة قد يؤدي إلى انهيار المجتمع”.

مشرد في بريطانيا-مصدر الصورة: أخبارك

معايير الفقر في أوربا

الفقر في ألمانيا له معايير أخرى لا تشبه معايير دول العالم الثالث، حيث لا يجد الإنسان ما يسد به رمقه، فهو يتمثل في أشكال أخرى مثل العزلة الاجتماعية للأشخاص الذين هم دون المستوى من الناحية المظهرية، أو التعليمية، أو حتى الثقافية، فهم لا يملكون المال الكافي للإنفاق على مظهرهم أو الحصول على غذاء صحي يساعد في تكوين بناء جسمي سليم أو الحصول على تعليم يؤهلهم لاقتحام أسواق العمل.

في ألمانيا؛ يعتبر فقيراً كل من يقدر دخله الشهري ب 801 يورو ويرعى طفلاً صغيراً، أما الأسرة التي لديها طفلان ودخلها يقل عن 1683 يورو فإنهم يعتبرون من الفقراء.

وفقاً لصحيفة «مدينة آخن» الألمانية، أن عدد من يعيشون في شوارع المدينة، يصل إلى 80 شخصًا، كما يصل عدد من يعيشون في مساكن خاصّة بالفقراء إلى 300 شخص، وهي أعداد ليست بسيطة، بالنسبة لبلد صغيرة ومتواضعة مثل آخن، في دولة قويّة وغنيّة مثل ألمانيا.


كفاح زعتري: محامية سورية من حلب، ناشطة في مجال المرأة وحقوق الإنسان، تقيم في ألمانيا.

مصدر موقع دويتش فيله (إذاعة صوت ألمانيا) / الاذاعة السويدية كتاب الفقر في أوربا/ صلاح سليمان
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.