الحب الشكسبيري

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قبل ستة قرون، رسم شكسبير صورة أزلية للحب من خلال عمله المسرحي، روميو وجولييت، والنهاية التعسة التي كانت مرافقة للحبيبين.

بالطبع هذا الكلام مقبول في زمن كانت صورة الحب تُبنى على أساس المصلحة الطبقيّة، فأتت المسرحية كتدمير للهوية العاطفية السائدة في ذلك الزمن، لكن أن تبقى تلك الصورة سائدة بعد ستة قرون، فهذه طامة وعي لا يمكن احتمالها حقاً.

في عصرنا الحالي، تتحدد الهوية العاطفية من خلال النموذج الجاهز في تربية الوعي والتفكير داخل المجتمعات، لكن هناك أيضاً نمط سائد في الصورة الجندرية الأنثوية، وآلية تعاطيها مع مفهوم الحب.

للأسف ما زالت الصورة الشكسبيرية سائدة من خلال الأبعاد التراجيدية للذة الحب النابعة من الارتهان لألم الفوارق، والسعي للحصول على اللذة المطلقة للعيش بهناء أبدي. هذه الصورة الرومانسية ما زالت أسيرة الوعي الأنثوي بجزء كبير قبل الانخراط في الحياة المباشرة، وما يرسخها فعلياً، الآلة الإعلامية التي تلعب الدور الأبرز في تحديد الهوية العاطفية للبشر، وتقديم الرؤى عن كيف يعيشون ويتعاطفون ويفكرون وحتى يفلسفون منطق الحب.

وربما لشرح هذه الآلية، يجب أن نستعين بصورتين سينمائيتين تساعدنا في فهم المراد. وهما مشهدان من فلمي التايتنك لجيمس كاميرون، والعراب الجزء الثاني لفرانسيس كوبولا.

في فيلم كوبولا، وفي مشهد فيتو كوروليوني (روبيرتو دي نيرو) عندما يكون شاباً، يصطحبه جينغو آبانداندو (فرانك سايفرو) للمسرح كي يُريه حبيبته، وعندما يصعدون إلى الكواليس، يندهش جينغو وكوروليوني بشخصية تمسى فانوتشي، وهو زعيم مافيا إيطالية، يهدد صاحب المسرح بقتل الابنة أمام عيني والدها إذا لم يدفع له مالاً. الفتاة المهددة بالقتل هي حبيبة جينغو آبانداندو. جينغو ببساطة يسحب كوروليوني من ذراعه ويخرجون إلى الشارع لانتظار ما ينجم عن التهديد. وعندما يندهش كوروليوني من موقف جينغو إزاء من يسميها حبيبته، يجيب آبانداندو بأنه غير مستعد للدخول في صراع مع شخص كفانوتشي.

تتحدد الهوية العاطفية من خلال النموذج الجاهز في تربية الوعي والتفكير داخل المجتمعات، لكن هناك أيضاً نمط سائد في الصورة الجندرية الأنثوية، وآلية تعاطيها مع مفهوم الحب

هذا الموقف الانهزامي العاطفي لا يمكن لأحد تذكره، لأنه بالنسبة للوعي الذي يترسّخ في آلة الإعلام، لا يمثل صورة الحبيب البطل، برغم أنّ الموقف هو واقعي وجائز الحصول بنسبة بشرية قد تتعدى التسعين بالمئة. لكن على الجانب الآخر من صورة الإعلام، في فيلم التايتنك، هناك التضحية التي قدمها جاك (ليوناردو ديغابيرو) اتجاه حبيبته روز (كيت وينسلت)، بالموت من أجل أن تبقى هي على قيد الحياة. هذه المشهدية المغرقة في عدم واقعيتها في فيلم التايتنك أخذت حداً إعلامياً وشعبياً ما زال راسخاً بالنسبة لجيل كامل نشأ في كل أصقاع الأرض، إنها صورة التضحية الشكسبيرية.

بالطبع لن نقارن المستوى السينمائي الرفيع بين كوبولا وكاميرون وتعاطي كلا المخرجين في المعالجات الفكرية لأعمالهما، ولا حتى التقنيات الأخلاقية للسينما. لكن هذين المشهدين يمثلان نوعاً ما تياراً في الفهم البشري لمسألة الحب وطريقة الانغماس فيهما وتعاطي الإعلام معها.

لدى كوبولا رؤية قدّمها كصيغة بشرية طبيعية وجائزة الحصول. الإنسان الذي يخشى موته ويريد الحياة. قد تبدو بالنسبة للبعض أنها نظرة أنانية، لكن تختفي وراءها تساؤلات فلسفية لا يمكن لشخص مثل كاميرون أن يطرحها. منها ما الفائدة فعلياً للتضحية بالذات في سبيل من نحب إن كنا لن نستطيع أن نكون معه؟. ابتعاد آبانداندو عن حبيبته في لحظة تهديدها أمام والدها قد يُنجيها لأن الوالد سيدفع المال، أما مغامرة آبانداندو لتخليصها، قد يجعلهما يدفعان الثمن سوياً بموتهما، إذا لم يمت أحدهما دون الآخر في أحسن الأحوال. لا فائدة حقيقية لكليهما سوى بطولة زائفة.

أما في التايتنك، فاسترخص كاميرون الصورة العاطفية المبتذلة في التضحية. جاك مات من أجل روز، لكن بالمقابل؛ روز عاشت طويلاً وتزوجت وأنجبت أطفال واستمتعت بالسفر والجنس والطعام والحب الثاني، والأكثر من ذلك استمتعت بتقديم ذاتها على أنها الفتاة المرغوبة التي تمّ إنقاذها لتعيش، لقد استحوذت حتى على بطولة جاك، هذا باعتبار أنّ الفيلم مبني على قصة حقيقية.

إذاً في المقارنة بين الحالتين، من منهما الأكثر أنانية؟ أهو جينغو آبانداندو الذي لم ينقذ حبيبته لتعيش ويعيش معها فيما بعد سوياً، أم جاك الذي مات من أجل روز كي تتصدر المشهد العاطفي بمفردها؟. مع ذلك لعبت الآلة الإعلامية في ترسيخ صورة عاطفية مثالية للتايتنك بمشهدية خالدة على حساب عقلاني وطبيعي في مشهدية كوبولا.1

الأجندة الإعلامية الثقافية؛ هي من ترسخ صورة على حساب أخرى، وهي أيضاً من تقسّم جندرياً، والأكثر إيلاماً هو استمتاع كلا النوعين البشريين بالصور الاستهلاكية تلك

بالتأكيد؛ المشهدان عبارة عن صورتين سينمائيتين، لكن ترتكز خلفهما رؤية اجتماعية تحدد طريقة الفهم البشري للشكل العاطفي من وراء آلة إعلام توجه الشعور الإنساني بالطريقة التي تناسبها، الطريقة الأكثر ابتذالاً واستهلاكية، وترسّخ ذلك الوعي عميقاً في المخيلة البشرية، وربما للأسف في المخيلة الأكثر أنثوية. الصورة المضحية للذكر في سبيل الحب اتجاه الأنثى.

الأجندة الإعلامية الثقافية؛ هي من ترسخ صورة على حساب أخرى، وهي أيضاً من تقسّم جندرياً، والأكثر إيلاماً هو استمتاع كلا النوعين البشريين بالصور الاستهلاكية تلك، والبحث عميقاً عنها لتخيّل مسبق أنها جائزة الحصول يوماً، حتى تصل بعد أن تتحقق في التصادم المباشر للواقع، بأن تتلاشى وتطفو على السطح حقيقة صورة ما قدمه كوبولا في مشهدية أبانداندو، الذات التي تبحث عن متعتها مع الآخر وليس الانسحاق تحت وطأة الآخر.

لا شيء يستحق أن تضحي من أجله، فالنزعة البشرية بأن تعيش المفاهيم أياً كان نوعها هو الهدف النهائي للمفاهيم ذاتها وليس أن تموت من أجلها. وهنا لا نتحدث عن الحب فقط، بل القياس قائم على أي مفهوم آخر لدى البشر.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.