رياحُ التغيير في ربيع العرب تتخطَّى دمشق

د. محمد عادل شوك: 13/ 4/ 2019م

بغض النظر عن صوابية الحراك الشعبي في سورية، وحجم التدخلات الخارجية فيه، وانحرافه عن مراميه الأولى؛ فإنّ ثمَّة اتفاقًا لا بأس فيه، أن القوى المتنفذة في قرار المنطقة، أرادت أن تجعل من الحدث السوري ثقبًا أسودَ لامتصاص فائض القوة لدى عدد من الدول والجماعات والأشخاص، مثلما أرادت أن تجعل منه درسًا وعظةً لشعوب المنطقة، التي دغدغت مشاعرَها النجاحاتُ الأولى للسوريين.
لقد تواترت الأنباءُ عن تسريبات من اجتماعات عدة، ضمّت مسؤولين في إدارة أوباما مع عدد من مسؤولي المنطقة، طالبوا فيها بضرورة وضوح الموقف الأمريكي من الأحداث في سوريا، وتوجيه دَفَّة السفينة نحو بَرّ الحسم، بغض النظر عن الفاتورة المادية المطلوبة؛ إلَّا أنّ الجواب كان على غير ما تمنّت تلك الدول، وكان ردّ إدارة الرئيس أوباما سريعًا بإقالة الوزيرة هيلاري كلينتون في: 09‏/02‏/2013، بعد أربع سنوات على رأس وزارة الخارجية، وهي التي نُقِلَ عنها تجاوبُها مع رغبات عدد من مسؤولي دول الخليج على وجه الخصوص، في السير بالملف السوريّ بخطا حثيثة.
لقد وجد صناع القرار الأمريكان في ثورات الربيع العربي، وسوريا على وجه الخصوص منها، فرصة لإعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يتفق ورؤيتَهم في إعادة ترتيبها وفق الرؤية التي عبرت عنها الوزيرة كونداليزا رايس بالفوضى الخلاّقة، ولإغراق عدد من الدول في وحول مستنقعات المنطقة: السوريّ منها لروسيا، وتركيا، و إيران، و اليمنيّ لإيران ودول الخليج.
فضلاً على تسديد ضربة أخرى للجماعات الجهادية، بعد سلسلة الضربات التي تلقتها في ساحات أخرى، كانت آخرها في العراق، وهو الأمر الذي تناغم مع رغبات رجال الأمن في عدد من دول المنطقة، التي رأت في ذلك مصلحة لها، في جعلهم يقضون نحبهم في سوريا، بعيدًا عن الإحراج الذي كان ينتظرهم لو فنَوا في سجونهم.
إلى جانب جعل المشروع الإسلامي الذي يحمله هؤلاء، ينازل المشروع الإسلامي الذي يدعو له أتباع الجماعات الإسلامية الأخرى؛ فيتشوّه المشروعان، وتُعطى دفعة أخرى من الحياة للمشروع الذي يبسط سيطرته على عموم دول المنطقة منذ نشوء الدولة الوطنية، كأحد مخرجات سايكس بيكو.
لقد قالها الوزير لافروف في وقت جدّ مبكّر، في: 25/ 3/ 2012، بأنّ هناك مخاوف لدى روسيا من حجم الضغوط في المنطقة، لإقامة نظام سُنّي في حال سقوط النظام في سوريا؛ فهاجمت أغلب القوى العربية والإقليمية تصريحاته تلك، فقال كبير مستشاري الرئيس التركي إرشاد هورموزلو، ردًا على سؤال لــ “الشرق الأوسط ” في: 26/ 3/ 2012، حول ذلك: تعتقد أنّ ما يجري في بلدان النهضة العربية هي مسائل تعبر عن نفسها، وترتبط بمطالب الشعوب من الحرية والكرامة، و ليست قضايا طائفية أو دينية.. فالديمقراطية تحمي الكلَّ.
لقد بلغت الاستهانة بالحراك الشعبي العربي، الذي بات يُعرف بالربيع العربي، مبلغها الذي جعل منه مادة للفتاوى الدينية لدى المؤسسات الدينية الرسمية، والتراشق السياسيّ لدى قادة وزعماء المنطقة، ففي خطاب له في: 22/ 1/ 2015، يقول الرئيس الأسد: “لو كان الربيع العربي حقيقيًا لانطلق من دول التخلف العربي”، في إشارة إلى بعض دول الخليج العربي.
وكان الجامع بين تلك الرغبات أن تكون دمشق هي محطته الأخيرة، وألّا يتخطّاها مهما اقتضى الأمر؛ غير أنّ الأمور قد جاءت على غير ذلك، فكانت له محطات أخرى وصل إليها، فكانت الجزائر التي أعلن فيها عن استقالة بوتفليقة يوم الثلاثاء: 2/ نيسان ـ الجاري، لتعقبها السودان التي أعلن عن إقالة البشير يوم الخميس: 12/ نيسان ـ الجاري أيضًا؛ ليكون سادس رئيس تقتلعه رياح التغيير في ربيع العرب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.