جدران الفصل

الأيام السورية؛ سلام محمد

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية، بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة، وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “دولاند ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى أسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، و التي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

جزء من السور عام ١٨٧٠-المصدر: ويكيبيديا

سور الصين العظيم : تنين الأرض

يعد سور الصين العظيم الأكثر عظمة من غيره من الأسوار التي شيّدتها عمارة الإنسان في التاريخ، لذلك كان مدعاة حكاية لم تثبت علميا، تقول بأنه المكان الوحيد في الأرض الذي تمكن رؤيته من الفضاء.

ويبلغ طول السور حوالي 6400 كلم ممتدة من حدود شبه الجزيرة الكورية حتى صحراء خوبي. ويتراوح معدل سمكه من 5 إلى 7 أمتار، بينما يتراوح معدل ارتفاعه من 5 إلى 17 مترا.

وفي عام 221 قبل الميلاد وحّد الإمبراطور الصيني شي هوانغ دي ما يعرف في التاريخ الصيني بالممالك المتحاربة، مؤسسا أول دولة موحدة ذات سلطة مركزية في تاريخ الصين.

وكانت تلك الممالك قد وضعت أسوارا لحماية أراضيها، فقام الإمبراطور شي هوانغ دي بربط تلك الأسوار التي بنتها تلك الممالك المتحاربة صدّا للعدوان الخارجي، وضبطا للحدود. وقد بلغ السور حينها 5000 كيلومتر. ثم واصلت الأسر الملكية المتعاقبة في الصين بناء السور وزيادته باطراد.

السور عام 1907-المصدر: المعرفة

ويتكون سور الصين العظيم من الحيطان الدفاعية وأبراج المراقبة والممرات الاستراتيجية وثكنات الجنود وأبراج الإنذار، وغيرها من المنشآت الدفاعية. كما ينقسم السور إلى مناطق إدارية عسكرية.

وغالبا ما تكون الحيطان التي بنيت في السهول أو الأماكن الهامة عالية ومتينة للغاية، أما الحيطان المبنية على المواقع الخطرة فوق الجبال فهي منخفضة وضيقة نسبيا، وذلك من أجل توفير القوى العاملة ونفقات البناء.

ووظيفة أبراج الإنذار في الأساس أن تشكل مرافق لإرسال ونقل المعلومات العسكرية. وأسلوب نقل المعلومات سهل وعملي، وهو إطلاق الدخان نهارا وإشعال النار ليلا. وتميز هذا الأسلوب بسرعة نقل المعلومات، كما يُمَكن من معرفة جهة الأعداء من عدد المواقع التي انطلق منها الدخان أو أشعلت فيها النار.

غير أنّ هذه الجهود المبذولة في قيام السور لم تكن من أجل الدور العسكري فقط، إذ يرى المؤرخون بأنّ السور يفصل بشكل طبيعي بين المناخ شبه الرطب والمناخ الجاف في الصين. وقد صار على هذا الأساس فاصلا طبيعيا بين المناطق الزراعية والمناطق البدوية. وهذا ما حدّ من هجمات القبائل البدوية الرعوية على التجمعات الزراعية المستقرة.

فشكّل السور بذلك حماية للإنتاج الزراعي، ومنع نهب البدو للمحاصيل الزراعية، وحماية طريق الحرير، والحفاظ على التواصل التجاري مع غرب الصين، و ظل المزارعون المستقرون يرممون السور باستمرار حماية لحقولهم

السور-المصدر:المرسال

ومن هنا، يمكننا الاستنتاج بأن الفصل بين الطرفين لم يكن عسكريا بحتا، بل ثمّة شعب آخر على الطرف المقابل، آ خر مغاير حضاريا واجتماعيا يجب منعه وصده كي لا يقتسم معه ثمار غناه الاقتصادي، ويدلل كثير من المؤرخين على ذلك حين يؤكدون على أنّ السور لم يقم بالوظيفة التي بني السور من أجلها وهي الحماية، حيث أنّ الصين تعرضت للغزو لأكثر من مرة من قبل الغزاة.

وليست المرة الأخيرة، عام 1211 للميلاد، عندما زحف المغول بقيادة جنكيز خان وعبروا سور الصين، واحتاج الأمر ستين عاماً حتى تسقط الصين كاملة بيد المغول، وذلك على يد كوبلا خان حفيد جنكيز خان، فأعلن نفسه إمبراطوراً للصين عام 1271 وحكمها لمدة مئة عام تقريباً.

لتذهب كل الجهود الكبيرة في بنائه دون جدوى، فكما تذكر موسوعة “كيد” أن 10 ملايين عامل هلكوا في أثناء بناء السور. وقد حددت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة السور الصيني على أنه تراث إنساني منذ عام 1987.

السور -المصدر:المرسال
مصدر الجدران والحواجز، سعيدة أحمد بلمير، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ويكيبيديا الجزيرة نت
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل