البحث عن الأدرنالين

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ السمة الأساسية التي تطبع عالمنا الحالي، هي السعي إلى التأثّر دون استغراق في الأحاسيس. إننا على وجه الدقة نبحث عن الأدرنالين.

نريد أن نشعر بالإثارة الذاتية دون أن نفقد إنسانيتنا. أن نشرب خمراً في حانة، ونساعد البشر بنفس الوقت، أن نمارس شعور الغياب عن العالم الواقعي بتجربة ماريجوانا دون أن نتخلّى عن رغبتنا بالتواصل الاجتماعي، أن نستمتع بالجنس غير المقونن دون أن نخسر الرغبة العميقة بالحب المثالي، أن نرقص بجنون في مكان مغلق ينضح بتجربة موسيقا التكنو دون أن نشعر بفقدان الإصغاء إلى الطبيعة، وأن نعيش تجربة قراءة قصص الخيال والسحر دون أن نفقد الرغبة بالاندماج الكلي في عالم الكلاسيك.

إننا بالضبط نبحث عن هستيريا المشاعر التي تؤمّن لنا حالة التأثر السريع لخلق مشاعر الصدمة دون أن نفقد القدرة والرغبة على التأمّل أحياناً. هذه المتناقضات السلوكية للمشاعر هي التي نتطبّع بها في عصرنا الحالي.

في القرن التاسع عشر، كان بول سيزان وادوارد مونيه يرسمون انطباعاتهم في الطبيعة وهم يتأملون عميقاً جمالها، كان ذلك عصر ينضح بالبطء، لكن الآن نمتلك عصراً يبيح لنا كل شيء، فيجب أن نأخذه بكل ما فيه دون وقوف للتأمل العميق.

إننا نسعى لتجربة راديكالية في الفهم، وهذا التطبّع السريع لا يتوقف عند الممارسة الاجتماعية بل يتعداه إلى ما هو أكثر، إنه يتلازم مع الرؤية الغنيّة للمشروع الحسي بالصدمة والأدرنالين.

إننا بحق نرغب بشعور الخوف والغضب والفرح الهستيري، كمشاعر صدمة، مقارنة بشعور العاطفة والحب والحزن، كمشاعر تأمّل. إننا أكثر التصاقاً مع التأثر السريع الزوال مقابل الإحساس العميق.

إننا بحق نرغب بشعور الخوف والغضب والفرح الهستيري، كمشاعر صدمة، مقارنة بشعور العاطفة والحب والحزن، كمشاعر تأمّل. إننا أكثر التصاقاً مع التأثر السريع الزوال مقابل الإحساس العميق.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل لاكروا، في كتابه عبادة المشاعر: “بما أنّ العالم لا يمنحني الفرصة للتأثير فيه، فإنه لا يبقى لي إلا أن أمارس قدراتي على نفسي. هذه الأخيرة ستتركني على الأقل أنفعل بفعل الاهتزازات التي سأحدثها.”

إنّ أحد أهم أشكال الرغبة البشرية المعاصرة للشعور بالصدمة؛ هو إخفاقاتها الواضحة في تغيير وجه العالم بالمستوى الكلي معرفياً، بل حتى في أثناء تغيراتها المفهوماتية، فالحراكات المدنية أو الثورية في العصر الحالي هي بشكل أو بآخر وليدة هذه الرغبات الضمنية للمشاعر بالصدمة حتى لو كانت نتائجها كارثية، إنها ببساطة ليست نتاج وعي متجذّر بالحرية أو رغبات للخلاص من نير الاستبداد فقط، إن جزءاً كبيراً منها يقوم من جوهر خفي لكسر الرتابة الحسيّة والشعورية لدى الناس.

البحث عن أدرنالين يضرب كل خلايا الجسد، لم يعد بالإمكان للإنسان المعاصر أن يعيش تجربة التأمّل في مستواها الميتافيزيقي. إننا نريد أن نغرق في عالم متناقض يبثّ في دواخلنا مشاعر تأثيرية كبرى حتى لو لم يتبقَ منها في ذاكرتنا أي شيء على المدى الطويل.

إننا نغرق ونستمتع في عالم الألوان، الصخب، الصورة المتحركة، الموسيقا الموجودة في أي مكان وفي كل زمان، من لحظة خروجك من المنزل حتى وأنت تسير في الشارع حتى تواجدك في أي كافتيريا كمحاولة للاسترخاء، دائماً ترافقك، إنها تخضعك لقانونها الشعوري، يجب أن تبقى تحت مقصلة التأثر السريع. لكن بالمقابل؛ هذا الإفراط في الإخضاع قد يؤدي تدريجياً للخلاص نحو عالم أكثر قدماً، عالم يعود إلى الطبيعة والمشاعر التأمليّة.

يقول لاكروا في نفس الكتاب: “إذا كان المجتمع المعاصر يعود للعشائرية فهذا راجع لكوننا لا نريد فقط أن نعيش مجتمعين، بل وننفعل أيضاً مجتمعين”.

بالطبع ليس المقصود بالعشائرية النمط الاقتصادي والاجتماعي الذي يحكم حياة البشر بقوانين تاريخية، بل برغبة التواجد المحتشد للتعبير عن كسر الرتابة المطلقة لذات النوع الإنساني.

وهنا يمكن لنا أن نفهم منطق الحراك الجماعي أو الثورات عندما تطلق تمردها على الأنماط، إنه النزوع البشري للتعبير عن الفرح الموحد أو الغضب الموحد، إنها مشاعر وانفعالات جمعيّة لكنها مشاعر صدمة وليست تأمليّة.

البحث عن أدرنالين يضرب كل خلايا الجسد، لم يعد بالإمكان للإنسان المعاصر أن يعيش تجربة التأمّل في مستواها الميتافيزيقي. إننا نريد أن نغرق في عالم متناقض يبثّ في دواخلنا مشاعر تأثيرية كبرى حتى لو لم يتبقى منها في ذاكرتنا أي شيء على المدى الطويل.

من الصحيح أن جميع الثورات التاريخية تخضع لذات المنطق الحسي بالصدمة والأدرنالين، لكنها بالمقابل لا تمتلك خاصية هذا العصر وهو التأثّر السريع الزوال، وهو ما يبرر الصراعات الجانبية لأي حراك أو ثورة وما ينشأ عنها. انتحار هتلر مثلاً (بعيداً عن موقفنا منه كشخص) يعتبر انتحاراً تأملياً برفض الهزيمة لأنه قد بنى بدقة متناهية مشروعه طوال عشرين عاماً. الثورة الروسية خضعت لذات المنطق التأملي. الإمبراطورية النابوليونية أو الكومونة الباريسية، جميعها خضعت لذات المنطق.

النصف الثاني من القرن العشرين فعل قطيعة معرفية اتجاه علاقتنا بمفهوم المشاعر، وما رسخه هو التسارع التكنولوجي، الكائنات الباحثة عن الإثارة والاحتفاظ قليلاً ببعض إمكانية التأمل لخلق الازدواجية السلوكية والحسية في الذات، دون الاستغراق المطلق في الإحساس.

لا أعرف فعلياً إن كانت هذه الاستباحة الكلية للغرق في التناقض الشعوري هي خاطئة أم لا، لأنها بطبيعة الحال، يمكن أن نفهم من تجربة التاريخ أن التأمليّة لا تمتلك إلا بُعداً واحداً من الأحاسيس ترافق الإنسان حتى النهاية، لكن مشاعر الصدمة والتأثر السريع تعطي انطباعات وتجارب يومية، تستهلك الإنسان حسياً لكنها تُنجزه معرفياً أكثر من خلال الاستغراق في الفعل.

في النهاية؛ بحثنا عن الأدرنالين ليس مسألة سيئة، لكن الاستغراق فيه دون محاولة التساؤل عن أهمية التأمّل للعالم الخارجي، قد يخضعنا لشروط الانتهاء التخيلي الذي هو أحد أهم منجزات إنسانيتنا الحديثة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل