ما زلت صالحة للحب

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

أصدرت الفنانة كارول سماحة آخر الشهر الماضي، أغنية مميزة وجريئة، لم يسبق أن تمّ تناول القضية التي طرحتها في الغناء العربي عبر تاريخه الطويل، وقلّما طرحها الإعلام كموضوع للنقاش والحوار بشكل جدي وعلني.

بعنوان “المطلقة” وخلال ثلاث دقائق فقط قدّمت الأغنية قضية مجتمعية حساسة، وذلك بتسليطها الضوء على موضوع المرأة المطلقة ومعاناتها في المجتمعات العربية الشرقية، واستلابها حقّها في الحب والاختيار.

تقول الأغنية:

حكم عليّ بالوحدة والجريمة مطلّقة..

حاك الناس لي من ألسنتهم مشنقة.. وصار لقبي مطلقة

ممنوعة أن أعشق، للاستعمال السريري فقط مع شهادة خبرة مصدقة.

امرأة مستعملة.. زورق بأشرعة ممزقة،

يراني الرجال سريراً أو كوب رغبة.. يريدون منه ملعقة

وختمت الأغنية بـ “نعم أنا الحرة التي أبت أن تحكمها ورقة. ما زلت صالحة للحب. فالروح عذراء يا حمقى.

تمثّل الأغنية صرخة في وجه النظرة الدونية للمطلّقة في العالم العربي، وتلقي الضوء على معاناة النساء “المنبوذات اجتماعياً”.

الأغنية بعد إذاعتها، تعرّضت لردود فعل متباينة، فهناك من وصفها بالأغنية الجريئة، وبأنها كسرت حاجز الصمت الذي رسمه المجتمع للمرأة المطلقة، في حين اعتبرها آخرون فشلت كأغنية في مناصرة قضية المطلقات كونها قدّمت صورة سطحية عن معاناتهن.

طلب المرأة للطلاق يشكّل حالة متقدمة من حالات التمرد النسوي ضد أي شكل من أشكال الإساءة إليهن، أو ضد واقع أردن تغييره

ليس موضوع هذه الأغنية وردود الفعل حولها هو هدفنا من هذه المادة، ولكننا نرى أنّها تشكّل مدخلاً مناسباً لطرح قضية الطلاق في مجتمعاتنا العربية من زاوية مختلفة بعيداً عن التقييم المجتمعي المسبق.

رغم أنّ حالات الطلاق على مستوى العالم العربي ازدادت في السنوات الأخيرة، بشكل كبير جداً، ولأسباب مختلفة لسنا بصدد التطرق إليها الآن. ولكن النظرة إلى فعل الطلاق بشكل عام، والمطلّقة بشكل خاص، ما زالت محكومة بالعرف المجتمعي الذي يرفض هذا الموضوع.

لا شكّ أنّ طلب المرأة للطلاق يشكّل حالة متقدمة من حالات التمرد النسوي ضد أي شكل من أشكال الإساءة إليهن، أو ضد واقع أردن تغييره، هو حالة تعكس رفض المرأة معاقبة ذاتها إلى الأبد على خيار خاطئ اتخذته بإرادتها، أو على قرار اتخذ نيابة عنها، أو على استمرار الحياة دون حب أو دون تفاهم وحنان أو…، أو….

وسواء كان الطلاق بناء على رغبة الزوجة، أو فُرض عليها، النتيجة واحدة في جميع الحالات، تختصر بعبارة “مطلقة”.

فالمرأة تستطيع اتخاذ قرار شخصي وجريء بطلب الطلاق، وربما تنتظر لفترة طويلة ريثما تنتهي الإجراءات القضائية، وتحصل على “حريتها”، لكنها لا تستطيع تغيير المجتمع أو تغيير نظرته الدونية للمرأة عموماً، وللمطلقة بشكل خاص.

في مجتمع ذكوري، الرجال هم من يرسم أعرافه ويكرّس عاداته، ويسخّر من النساء أنفسهن أدوات قمع للنساء. فالأعراف الذكورية تبيح للرجال أفعال وتشجع عليها، وتستنكر فعلها من قبل النساء.

مجتمع يعتبر جسد المرأة وحريتها ملك العائلة التي تنتمي لها، والمحيط الذي تعيش فيه، الأمر الذي يعطي العائلة حق الوصاية على المرأة، ويعطي المجتمع حق تتبعها ومراقبتها وتوصيفها وتقييمها.

المرأة المطلقة؛ تعتبر بنظر المجتمع نخباً ثانياً، بالعموم لا يرغب الشباب الزواج بها، وإنّ أحبها شاب، ترفضها عائلته، فالبكارة في مجتمعنا تأتي في المرتبة الأولى بخيارات الزواج فهي رمز “العفة والطهر”.

المرأة المطلقة تعتبر بنظر المجتمع نخباً ثانياً، بالعموم لا يرغب الشباب الزواج بها، وإن أحبها شاب، ترفضها عائلته، فالبكارة في مجتمعنا تأتي في المرتبة الأولى بخيارات الزواج فهي رمز العفة والطهر.

والمرأة المطلقة منبوذة اجتماعياً، غير مرغوبة للزواج، تخشاها النساء وتتجنبها، يحوم حولها الرجال بشبق، تراقبها العيون، وتنالها الألسن، وتُنسج حولها قصص مجون، عليها أن تبقى حبيسة نفسها والمجتمع، ممنوع عليها الضحك وحتى التبسم في محيط يظهر به الرجال، يجب ألا تخطئ عينها النظر صدفة لرجل عابرٍ، حذاري أن تتوجه بسؤال أو طلب مساعدة من رجل؛ أو، أو… وإلا فالتهمة جاهزة بأنها امرأة مستهترة وسهلة المنال.

المرأة المطلقة يتتبعها رجال يبحثون عن متعة دون مقابل ودون التزام، وأما المتديّن، فيرغبها زوجة ثانية في الظل بعقد عرفي دون حقوق، هو متصالح مع نفسه جداً، فهو لا يمارس فعل الزنى “من وجهة نظره”.

مجتمعاتنا تستنكر على المرأة المطلقة أن تحب من جديد، وأن تأخذ فرصة أخرى في الحياة، يفرض المجتمع عبر نواميسه القارة عقاباً مجتمعياً، عليها أن تتقوقع على نفسها، وأن تنقطع عن مظاهر الحياة حتى يتقدم للزواج منها كهل يبحث عن ممرضة، أو أب لعدة أطفال، يحتاج مربية لأطفاله، أو لرجل طائش يبحث عن متعة رخيصة تحت مسمى زواج عرفي.

الطلاق ليس جريمة، والمطلقة ليست نخباً ثانياً من النساء، نعم فهي “ما زالت صالحة للحب. فالروح عذراء يا حمقى”.


محامية وكاتبة سورية من حلب، ناشطة في مجال حقوق الإنسان وقضايا المرأة، تُقيم حالياً في ألمانيا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل