وثنيّة الأفكار.. هل نستطيع إنهاء التراتبية التي جبلها التاريخ

الأيام السورية؛ علي الأعرج

رغم مرور ما يقارب القرن إلا قليلاً على الحرب العالمية الثانية، وتجسيداتها الإيديولوجية التي انهارت وزالت بصورة شبه تامة من الحاضر، إلا أنّ الأفكار التصارعية التي نشأت في مضمارها، ما زال صداها يتردد حتى الآن، وتجربتها المؤدلجة ما زالت تحضر في واقعنا المعاصر.

ونقصد بها النموذجين الأكثر إشكالية لدراستهما المعاصرة (الشيوعية والفاشية). إنّ الطروحات الفلسفية الاستثنائية (الماركسية والنتشوية)، التي تولدت عنها فيما بعد تلك الإيديولوجيات الشمولية، قدّمت نفسها كمحاور اكتشافية وتجديدية للفكر المعاصر، وهي كذلك فعلياً، لكن عندما اتخذت طريقها المؤسساتي، أعادت خلق الأفكار إلى مرحلة ما قبل التاريخ، إلى اللحظة الأولى، وهي وثنيّة المفاهيم التي نشأت مع الوعي الأول للإنسان.

فأضحت الشيوعية هي التعبير الأمثل عن صياغة التاريخ العادل؛ بتوزيع الثروات كما كانت في المجتمعات ما قبل الطبقيّة، إنها بالضبط صورة بعث المثال الأصيل من الوثنيات القديمة التي كانت سائدة في الأزمنة البدائية.

تماماً كما فعلت نظم الأفكار الفاشية، في تقديم صورة السيد المطلق كمسيطر معرفي واقتصادي على المجتمع، إنه صورة الأب الخالد، واشتركت أيضاً مع الشيوعية في هذه النقطة. إنّ أهمية تجربة الحرب العالمية الثانية، رغم كل التطورات الفكرية والاجتماعية فيما بعد، تنبع من استمرار هذه الصورة الأبوية، كما مجتمعاتنا، وسادتها المطلقين.

فمفهوم العدالة؛ يقوم من خلال كسر النظام الاجتماعي دون المساس بقانونه الوضعي السائد، فالناس تبحث عن العدالة من خلال قانون يحكم آليات التفكير بما أبيح لها فقط دون التجرؤ على التمرد الكلي عليه

فعلياً؛ ورغم كل ما أحرزناه من تقدّم معرفي واجتماعي حاضر، تكمن إحدى مشكلاتنا الفكرية والسلوكية، هي أننا ما زلنا نناقش تجربة الواقع السياسي والمفاهيم المترتبة عليه من منظور وثني، بما فيها الأديان وسلطاتها القائمة بتجذير العلاقة مع السياسة.

فمفهوم العدالة؛ يقوم من خلال كسر النظام الاجتماعي دون المساس بقانونه الوضعي السائد، فالناس تبحث عن العدالة من خلال قانون يحكم آليات التفكير بما أبيح لها فقط دون التجرؤ على التمرد الكلي عليه، شكل من أشكل منظومة التاريخ الوثني التي تحكم ما يجب أن تفعل أو أن تقول دون أن ترفض. تماماً كما مفهوم الحرية، حالة وثن تاريخي تقوم على آلية إنهاء السلطة لاستبدالها.

فعندما نناقش مثلاً تجربة الأديان في سياقها التاريخي، يحق لنا أن نسأل: ما هو الهدف من وجود هذا العدد الضخم من الرسل والأنبياء (بعيداً عن صورة الميثولوجي وتبريره كرغبة إلهية اختيارية)، إنه ببساطة كسر التجربة الاجتماعية التي اعتادت نمط من الحريات والاقتصاد لم يعد مناسباً للواقع.

فإذا ما أخذنا الأديان السماوية، نلاحظ المستوى المتطور للحريات الاجتماعية، والاقتصادية التي رافقت اليهودية، واتسعت أكثر مع المسيحية، واتسعت بشكل أكبر مع الإسلام. إنه تطور طبيعي للمجتمعات والوعي المتقدّم. لكن هذه الحريات يبقى لها سقف لا يجب تجاوزه، لأنه يرتبط أصلاً من أنساق تصالحية مع مجتمعات أقدم. إنه بالضبط آلية سلوكيات وثنيّة.

فالثالوث المقدس مثلاً في المسيحية، أو الكأس أو العشاء الأخير، ما هي إلا صور أقدم لثقافات كانت سائدة في الأنظمة الوثنيّة، تداولتها المسيحية لتحافظ على كياناتها الجديدة، وتسعى لانتشارها برؤية توافقية اقتصادية لبشر يريدون نمطاً جديداً دون التخلّي عن الشعائر السابقة، كما كانت موجودة في أديان إيران، أو الهند، أو شرق المتوسط. وأيضاً عندما أتى الإسلام ثار على النمط الوثني كعبادات صنميّة لكنه حافظ على سلوكيات تقديسية للممارسة كالصفا والمروة كنوع من أنواع الوفاء لتجربة أقدم في الديانة اليهودية، أو حتى الحفاظ على الكعبة على الرغم أنّ ما قبل الإسلام هي أحد أشكال التعبّد الوثني الاقتصادي.

تكمن إحدى مشكلاتنا الفكرية والسلوكية، هي أننا ما زلنا نناقش تجربة الواقع السياسي والمفاهيم المترتبة عليه من منظور وثني، بما فيها الأديان وسلطاتها القائمة بتجذير العلاقة مع السياسة.

بعيداً عن مناقشة المقدس أو غير المقدس، لكن ما يهمنا في هذه الأمثلة، هو استرسال التاريخ في آليته الوثنية، إن كانت دينية أو حتى ثقافية متطورة. فالإيديولوجيات بأسرها لا تريد إنهاء الفهم العام لنمط الوثن وضرورته في حياتنا.

الإنسان يبحث عن أي شكل من التصنيم والخلود لأي صورة يرغبها من أجل ألا يخضع دماغه للبحث أو التفكير المختلف. هذا الوثن التصنيمي يستمر ليريح فكرة وجود الإنسان أمام عدميته المطلقة في هذا الكون. المسألة هنا ليست دينية، بل هي تتجذّر في كل نمط ثقافي، كما قلنا في الشيوعية، أو الفاشية، أو القومية، أو الاشتراكية، أو حتى الليبرالية كمظهر من مظاهر المصلحة البراغماتية للمؤسسة. إننا نعيش في أنماط وثنيّة تقديسية، لا نريد أن نرى ما هو خارجها لأننا لا نريد أن نخلق شيئاً جديداً سوى ما يحكمنا فعلياً.

قد يبدو الحديث بأسره نوع متطرف من الأفكار، بأننا لا نستطيع إنهاء هذه التراتبية التي جبلها التاريخ، وأضحت جزءاً لا يمكن لوعينا التواجد دونها، لكن بتصوري الأمر أبسط من ذلك، إنه يرتبط تماماً في فهم بأن الإنسان وحياته كسلوك حر ومميز هو؛ الهدف الأسمى أمام كل فعل أو فكرة تربطنا بالتاريخ، إنها بحث عن الخروج من كل التاريخ وصناعة حياة خارج الزمن الذي يحكم تصوراتنا. والخروج من الزمن ليس مسألة مستحيلة عندما نستطيع رفض كل ما تم إنشاؤه في وعينا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل