بين قولين

0
الأيام السورية/ سمير سليمان

لم يطرح مثقفو “الثقافة المتنورة”، والمعترضون على ثقافة الشرائح الشعبية المنتفضة على النظام الأسدي، لم يطرحوا السؤال التالي:

لماذا ارتبطت انتفاضة هؤلاء ” المنحطين ثقافياً ” مع مفهوم الكرامة ومع مطلب الكرامة؟ ولماذا، بالمقابل؛ غاب حس الكرامة، وبالتالي التفكير بها، عند الشرائح المعترضة عليها والرافضة لها باعتبارها تحمل ثقافة “مضادة للثورة”؟

الجواب على هذا السؤال، واستيضاح العلاقة المفارقة بين السوية الثقافية وحس الكرامة الإنساني، هو ما ينير الطريق في التقييم الأخلاقي لجمهور الانتفاضة وجمهور معترضيها.

الجواب واضح وبسيط لمن يريد أن يرى،  وها هو كما أعتقده:

انخرط المجتمع السوري، منذ بدء العهد الأسدي، في عقد تراضٍ غير معلن مع النظام. عقد غير مكتوب يقول: يعطي النظام الشعب السوري “غض نظر” عن الطريقة التي يكسبون بها عيشهم، مقابل تقديم الولاء المطلق عبر طقوس علنيّة واستعراضية كل يوم، وكل لحظة، وكل مناسبة. وهذا يعني: غياب القوانين، وتهتّك السلك القضائي، وتفشي أخلاق الفساد، وشيوع إدانة سلوك معين، ومعنى وقيمة الاعتراض، وفقدان الكرامة في نهاية الأمر عند كل فرد مشارك بهذا العقد.

يعطي النظام الشعب السوري غض نظر عن الطريقة التي يكسبون بها عيشهم، مقابل تقديم الولاء المطلق عبر طقوس علنيّة واستعراضية كل يوم.

هذا العقد، هذه المنظومة الأخلاقية المنحطة، لم تقتصر على العلاقة بين الجمهور العمومي والنظام (الدولة)، بل تفشّى بين الناس أنفسهم، فتكرّست أخلاق وقيم لا تناسب سوى اللصوص وقطاع الطرق. فلسفة “دبر راسك” حوّلت كل معتنقيها إلى لصوص بالقوة عند الشرائح الفقيرة، ولصوص بالفعل عند موظفي الدولة وعموم الطبقات الوسطى والعليا.

لم يسلم العاملين في حقل الثقافة، والفن، والعلوم، بمعظمهم، من إغراء فلسفة اللصوص وتدبير الراس. والمثقف جلّ حلمه أن ينتمي للطبقة الوسطى.

مع بشار الأسد، أصبحت اللصوصية هي الطريقة الرسمية (منطق الدولة) في تقاسم الثروة الوطنية. وما حصل بالنتيجة، أنّ قطاعات واسعة من المجتمع السوري، شرائحها الدنيا، ألقيت على هامش العملية. فحرمت من المشاركة في الحياة العامة وفي الثروة، مع بقاء الطلب منها تقديم طقوس هذه المشاركة: الولاء المعلن والذليل مقابل لا شيء.

المنتفضون قالوا: نريد كرامتنا المسفوحة بلا ثمن.

المعترضون قالوا: ليش الكرامة، كنا عايشين.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!