كيف نفصل بين الحقائق والأكاذيب في أثناء تغطية النزاعات (القسم 2)

0

اعداد: د. كورت بيلدا

ترجمة: ميثاق “شرف” للإعلاميين السوريين

غالباً ما يشكل معاونو أمراء الحرب والضباط ذوو الرتب العالية مصادر أفضل للمعلومات من الأشخاص الذين نجري معهم المقابلة. فهم غالباً ما يجهلون حساسية بعض الأسئلة.

مثلاً في إحدى المرات في سوريا كنت أجري لقاءً مع ضابطٍ كبير في الميليشيا التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية. وفي أثناء تصوير المقابلة، قال أحد المعاونين أن الضابط خضع لسنواتٍ من التدريب العسكري “في الجبال،” في العراق على يد حزب العمال الكردستاني التركي (بي كي كي). وطبعاً يعتبر البي كي كي حزباً إرهابياً من قبل الولايات المتحدة ومعظم الحكومات الأوربية، ولذلك استشاط غضب القائد لأن المعاون أدلى بمعلومات كان يريدها أن تبقى سرية.

لاحقاً رجاني المعاون المسكين الذي أفشى بالسر ألا أضمّن كلامه في تقريري. وبما أن ما قاله ليس له مكان أصلاً في تقريري، فقد أهملته وأرسلت له نسخة من التقرير عند نشره؛ لكي أثبت له أني أوفيت بوعدي. بهذه الطريقة كسبت صديقاً في سوريا، وسوف يفعل كل ما بوسعه كي يساعدني في مهماتي المستقبلية.

ومع ذلك، فالمعلومة التي زودني بها كانت مفيدة لأنها رسّخت قناعتي الشخصية؛ أن الميليشيا الكردية التي تحمل اسم حزب (بي يي دي) السوري ما هي إلا فرع لل (بي كي كي). وأنا أوردت هذه القصة هنا كي أقول؛ إنك كي تكون ناجحاً وآمناً في نفس الوقت فأنت بحاجةٍ لشبكةٍ من الأصدقاء والمصادر التي لا تكتفي بتزويدك بالمعلومات عن التطورات المهمة فحسب، بل وتحذرك من الأخطار المحدقة.

وهكذا فإن بناء الثقة هو عاملٌ مهمٌ جداً هنا. إنه ليس سوى استثمار بعيد المدى في منطقةٍ أنت بأمسّ الحاجة فيها لكي يكون لك أصدقاء ومصادر. فالأصدقاء والمصادر ليسوا فقط مهمين خلال رحلتك إلى مناطق الصراع، وإنما تبرز أهميتهم أيضاً لدى جمعك للمعلومات والتحقق منها عندما تكون بعيداً في بلدك الأم.

الأصدقاء والمصادر ليسوا فقط مهمين خلال رحلتك إلى مناطق الصراع، وإنما تبرز أهميتهم أيضاً لدى جمعك للمعلومات والتحقق منها عندما تكون بعيداً في بلدك الأم.

يعمد كل الأطراف في الصراع على نشر دعايتهم الخاصة، وهم بالطبع يحاولون تضليل الصحفيين لأجل تحقيق مصالحهم. فهم قد يظهرون لك ما يروّج دعايتهم ويحجبون البقية عنك. ترتفع خطورة أن تتعرض للتضليل عندما تمضي إلى خطوط القتال بمرافقة قوة منظمة ومركزية، سواء كانت تلك القوة جيشاً نظامياً أو مجموعة متمردة. فلو كنت تعتمد على مجموعةٍ واحدة من أجل حاجتك للسفر، وتجري مقابلاتك مع أشخاصٍ من نفس توجه تلك المجموعة، فأنت بذلك تصبح عرضةً للتضليل وتصديق معلوماتٍ مزيفة.

فالأشخاص الذين تقابلهم في تلك الحالة قد يكونوا ببساطة جُلبوا من قِبَل المجموعة التي ترافقها أنت لهذا الغرض. لنفترض على سبيل المثال أن مجموعةً مسلحة أو وحدةً من الجيش جلبتك إلى قريةٍ مدمرة قاموا بالسيطرة عليها للتوّ.

ولنهب أن المقاتلين سمحوا لك بمقابلة عائلةٍ تدعي أنها كانت تعيش في القرية قبل أن يتم ذبح السكان، وتهرع تلك العائلة بلفت نظرك إلى الدمار في منازل القرية. لنقل إن العائلة أيضاً قالت؛ أنّ القتلة هم إرهابيون، وأن العائلة تشعر بالأمان مع المقاتلين الذين أتيت أنت برفقتهم. ولنقل إنك شعرت بوجود شيءٍ غريب بالموضوع حيث تتشابه شهادات كل أفراد العائلة مع بعضها البعض، وخصوصاً فيما يتعلق بمدح المقاتلين الذين أتيت أنت برفقتهم.

قد تساعدك تجربتك في تغطية الحروب في فهم أن نوع الدمار الذي أنت إزاءؤه ناجمٌ عن غاراتٍ جوية، بينما لا يمتلك “الإرهابيون”، أي المجموعات المسلحة التي يلومها الشهود، سلاح طيران. وهكذا فمن شأن أسئلةٍ بسيطة من قبيل من إمام القرية؟ أو البقال؟ أو أسئلةٍ عن تاريخ القرية أن تساعدك على اكتشاف أنّ الشهود ما هم سوى أشخاصٌ استُجلبوا استجلاباً من أجل خداعك. فلربما جيء بهم إلى القرية من مكانٍ بعيد فقط من أجل إلقاء اللوم على الطرف الآخر في حصول المجزرة، سواء كان ذلك الطرف العدو، أو الإرهابيون، أو أياً كانت التسمية التي تطلق عليهم.

إن تتبع الأماكن التي ترد في المقابلات على الخريطة، مع نظرةٍ عن كثب لها عبر صور الأقمار الصناعية، والاستماع لشهادات أشخاص مستقلين على درايةٍ بالمنطقة، كل ذلك ممكن أن يساعدك على كشف التزييف الحاصل

لكن أحياناً تكون أنت نفسك جاهلاً بالمنطقة، ومن الصعب عليك أن تتحقق من الإجابات حول جغرافية أو تضاريس المكان. على كلٍّ، اسأل أسئلتك بكل الأحوال، وحاول أن تجد الإجابات الصحيحة لاحقاً. قارن الإجابات التي تتوصل إليها لاحقاً بما قاله لك الشهود.

إن تتبع الأماكن التي ترد في المقابلات على الخريطة، مع نظرةٍ عن كثب لها عبر صور الأقمار الصناعية، والاستماع لشهادات أشخاص مستقلين على درايةٍ بالمنطقة، كل ذلك ممكن أن يساعدك على كشف التزييف الحاصل عندما يتم استجلاب أشخاص لأجل المقابلة أو تقديم أجوبة تهدف لتضليلك.

مرة في أثناء أزمة دارفور في السودان اصطحبتني مجموعةٌ من المتمردين الإفريقيين إلى هضبةٍ كانت تستخدم من قبل كمعسكر عسكري لميليشيا أو للجيش. بعض الخنادق، الفَشَك الفارغ، وعلب الطعام بالإضافة إلى بعض الكتابات العربية على بعض الصخور كانت كلها تشير إلى وجود سابق للجيش السوداني على قمة الهضبة. أخبرني السكان في القرى المجاورة أن الميليشيات الحكومية ساقت القرويين من قراهم وجلبتهم إلى موقع المعسكر حيث استُجوبوا، عذبوا وقتل العديد منهم، ودفنوا في المكان. أراني المتمردون بعض القبور الجماعية المزعومة.

ولكي نتأكد من فحوى تلك المعلومات كان علينا في ذلك اليوم فتح المقابر الجماعية ومعاينة الجثث. لكن لم يكن هناك متسعٌ من الوقت، لذلك أخذت إحداثيات المكان وبعد العودة للبلد ألقيت نظرةً قريبة على صور الأقمار الصناعية لتلك الهضبة. تمكنت على الفور من تحديد أماكن القبور الجماعية المزعومة، وقد كانت في الواقع أكبر بكثيرٍ مقارنةً بما رأيته على الأرض.

لأن كل أطراف النزاع يريدون إمداد الصحفيين بدعايتهم الخاصة، فإن العامل الأكثر أهمية يبقى الفحص البصري. فإن كانت لديك تجربة في تغطية العديد من الحروب، فمن الممكن أن يصبح من الصعب خداعك.


كورت بيلدا: صحفي يعمل في تغطية الحروب منذ ما يربو على ثلاثين سنة. تنقّل بين مناطق النزاع ابتداءً من أفغانستان، مروراً بليبيريا، الصومال، الكونغو وحتى دارفور، ليبيا، سوريا والعراق. عمل لصالح (نيو زرشير زيتنغ) بين عامي 2002 و2010. كما عمل لصالح (فاينانشال تايمز) في نيويورك بين عامي 1999 و2001. حصل على شهاد الدكتوراه من جامعة باسيل عام 1998.


إقرأ المزيد:

كيف نفصل بين الحقائق والأكاذيب في أثناء تغطية النزاعات (القسم 1)

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!