التطرّف ممارسة خيالية

الأيام السورية؛ علي الأعرج

هل يمكن لأحد القبول بعبارة: “التطرّف ليس مشكلة كبرى!”.

في عام 1915، عندما طرح ألبرت أينشتاين نظريته النسبية العامة؛ التي من خلالها قدّم رؤية ممكنة عن الأكوان الأخرى والثقوب السوداء والسفر عبر الزمن. كانت طرحاً غير مجرّب قابلاً للتصديق وقابلاً للتكذيب، لكن ما يهمّ أن نظريته في علم الفيزياء في ذلك الوقت، كانت أشبه بصورة متطرفة للعلم اتجاه الواقع وقوانينه الثابتة. تماماً مثل جميع العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين سبقوه والذين أتوا بعده. لحظة الاكتشاف التي تصدم العقل بحقيقة مغايرة.

من هنا؛ يمكن أن نقول بأنّ التطرّف هو الفعل الذي يتجاوز المعاصر، هو كل فعل لا يخضع للرؤية الثابتة التي يسير عليها الإنسان الواعي، إن كانت ذهنياً أم سلوكاً أخلاقياً. لكن بالمقابل؛ هل كل تطرّف (تجاوز الواقع) يمكن أن يكون مسألة ليست شائكة؟.

إنها بالتأكيد شائكة ومدمّرة، لكن ليست لأنها تحمل وعياً متطرفاً، بل لأنها ترتبط مباشرة بالفعل الواقعي خارج الذهن. تماماً عندما ترتبط بالمؤسسة.

داعش حالة ذهنية ثقافية، تم إنتاجها لظروف كثيرة، لا تهمنا هنا، لو بقي الفكر الداعشي حبيس الذهن وعمل على تطوير إيديولوجيته كنص ذهني وممارسة فردية، ربما لم يكن ليشكّل دماراً اتجاه الواقع، لكن تطرفه ارتبط مباشرة بالأرض، تحوّل إلى فعل مؤسساتي، وهذه إشكالية مفهوم التطرّف.

التطرّف هو الفعل الذي يتجاوز المعاصر، هو كل فعل لا يخضع للرؤية الثابتة التي يسير عليها الإنسان الواعي، إن كانت ذهنياً أم سلوكاً أخلاقياً

قبل أربعة قرون عندما كتب فرانسوا رابليه رائعته غرغانتوا وبانتاغروئيل، هدم منظومة ثقافية بأسلوب كوميدي عندما ولد غرغانتوا من أذن أمه. هذه الصورة الرابيلية، متطرفة لكنها حبيسة ذهن، تشكّل متعة عقلية للقراءة، تصوّر خيالي عن عالم غريب. رابيليه وداعش وأينشتاين، كلهم متطرفون كمفهوم. رابيليه وأينشتاين قدّما للعالم خدمة جليلة، تطورت مع تطرفهما الحياة، لكن داعش قدّمت للعالم بتطرفها الموت.

نستنتج أن التطرّف ليس حالة سيئة كثيراً، لكن شرطها الأساسي هو ألا ترتبط بالمؤسسة على الأرض.

لنفترض أن رابليه بنظريته حول ولادة غرغانتوا من أذن أمه قد ارتبطت مع مؤسسة وأصبحت فعلاً واقعياً وممارساً، وتحولت جميع النساء إلى ذلك الشكل من الولادة، ما الذي يمكن أن يحصل!. ببساطة لن يكون هناك ممارسة جنسية للإناث، سيشربون النِطاف من أفواههنّ ويلدنَ من أذانهنّ. نصف الجنس البشري لن يشعر بالمتعة وسيصبح قانوناً لأنّ المؤسسة افترضته واقعاً. إنها حالة اضطهاد لنصف النوع الإنساني.

رابليه الممتع ذهنياً، أصبح دماراً على الإنسان عندما تحوّل إلى فعل أرضي مرتبط بقانون مؤسساتي. إنّ كل فكرة عندما تخرج من الذهن في تطوير الحياة، وترتبط بالواقع المؤسساتي تصبح موتاً وانقراضاً يُمارس على الجنس البشري.

الخوارزمي، والفارابي، وابن خلدون، والرازي، وابن الهيثم، والكندي، والمتصوفة، والمعتزلة.. الخ، أشخاص عاشوا في كنف الحضارة الإسلامية، ومارسوا تطرفاتهم الذهنية التي أدّت إلى تطوير الحياة والوعي دون أن يحوّلوا ذلك التطرّف العقلي إلى ممارسة مؤسساتية، كان همّهم هو أن يتعاملوا مع النص الإلهي وتطوّيره من أجل تقديم حياة أفضل للإنسان، لم يكترثوا كثيراً بإنزال الله إلى الشارع.

مشكلة التطرّف هي أن المتحكّمين بالذهن الشعبي، يقودون الناس إلى الاندماج الكلّي في المؤسسات، كي يحافظوا عليهم في مستوى الجهل والتخلّف وعدم رؤية ما هو أبعد من الحياة.

من الصحيح أن الحكّام الإسلاميين فيما بعد مارسوا القمع على الفكر والذهن وتعاملاته الحداثية إزاء رؤاهم الإلحادية أو الصوفية، وأنزلوا الله إلى الشارع، لكن ذلك الأمر هو ما انحدر بالمجتمعات الإسلامية فيما بعد إلى مراحل الجهل والتخلّف والاقتتال، وأصبحنا ما نحن عليه الآن. عندما نُخرج الله من المنزل بالعبادة الذاتية اتجاهه، ونطرحه كسلعة مؤسساتية في الشارع، فنحن لا نتاجر باسمه فقط، بل نمارس الموت على الآخرين.

مشكلة التطرّف هي أن المتحكّمين بالذهن الشعبي، يقودون الناس إلى الاندماج الكلّي في المؤسسات، كي يحافظوا عليهم في مستوى الجهل والتخلّف وعدم رؤية ما هو أبعد من الحياة. تماماً مثل الأزهر عندما يُشرّع فقط، ولا يحلل مفهوماتياً أو نصياً. وذات الأمر ينطبق على جميع أشكال التطرّف مثلما ينطبق على المؤسسة الدينية وتطرفاتها، فالاندماج الكلي في النظم الاستهلاكية المتعلمنة تُخضع العقل للقطيعية الاجتماعية والسير في موكب الهتاف الأحمق، تحت بند الحياة المدنيّة، لكنها ليست سوى شكل آخر من أشكال التدمير والموت.

من المهم أن نكون متطرفين، لأنّ التطرّف ممارسة خيالية تؤدي إلى اكتشافات محظورة للعقل تحت واقع القوانين المؤسساتية، لكن لا يجب أن تصبح تلك الرؤى الخيالية والمتطرفة مرتبطة بأي نوع من أنواع المؤسسات، يجب أن تعمل بفردانيتها المطلقة لصناعة حياة أفضل.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.