كان لا بد من الثورة

الأيام السورية؛ هدى عباس

أذكر حينما اندلعت ثورات الربيع العربي في تونس وبعدها مصر، وليبيا التي لحقت بهما، أنني تابعت باهتمام شديد، أخبار هذه الثورات، كنت أشعر بالدهشة والغرابة لانتفاضة الشعوب العربية لمعرفتي بتركيبة الأنظمة التي تحكمنا.

أنا ابنة المرحلة السورية التي ولدت مع حركة التصحيح، وعاشت وترعرعت وهي لا تعرف سوى رئيس واحد، وحزب واحد، تعلمت التصفيق والهتاف لخلود هذا الزعيم، وقيادة ذاك الحزب، شكلتني المنظمات الشعبية بدءًا من طلائع البعث والشبيبة كببغاء أعمى يردد ما يُملى عليه.

الأمر مدهش. في بلدي وقد بلغت الأربعين لم أعرف سوى مسيرات التأييد “للأب الخالد والقائد”، كان فعلاً الأمر مفاجئ، أحسست بالغيرة، كيف يمتلكون الشجاعة لفعل ذلك بينما نحن لا نجرؤ، بررت لنفسي “لديهم ثقافة التظاهر ربما، لم يمروا بتجارب قاسية مع النظام كالتي مررنا بها..”

بعد تهاوي تلك الأنظمة بتأثير الضغط الشعبي والرد العنيف من قبل السلطة الحاكمة وموقف الجيش المصري، تحولت الأفكار النظرية عندي حول إرادة الشعوب بتقرير مصيرها وإرادتها بانتزاع حريتها من مغتصبيها، قدّرت صوتها وشجاعتها بالتغير وصناعة مستقبلها، قدرت النضال السلمي على تحقيق ما يعتقد أنه مستحيل؛ وبدأت أنتظر بشغف اللحظة الحاسمة التي سيرتفع فيها صوت الغضب الشعبي في بلدي ضد حقبة من التسلط والاستبداد.

حتى حصل ذلك وامتد بسرعة كبيرة جدا، كان فعلا أشبه بالبركان الذي لا يمكن سوى لقوى إلهية أن توقفه. كان إحساس هو مزيج من أمل وخوف وقلق؛ من منا لم يختبر بشكل أو آخر شراسة وتوحش النظام والأجهزة الأمنية وعنفهم حتى مع أبسط الأخطاء غير المقصودة التي تنتقد ولو من بعيد أحد رموز النظام، فكيف بالرد سيكون وقد نالت هتافات المتظاهرين رأس النظام.

الإعلام البديل، ابتعد عن المهنية واعتمد على استدرار العطف والتهويل والتضخيم، ففقد مصداقيته وتأثيرها في الرأي العام.

لا شك سيكون الرد عنيفا، ربما وربما ووو؛ ذكرى 1980 حاضرة بالذاكرة، تفاصيل انتفاضة قامشلو عام 2004، ما زالت قريبة وما زلنا نعيش ارتداداتها.

لكن اليوم عصر الاتصالات ووسائل الإعلام والنقل الحي لما يجري في الشارع، هو عصر العولمة فما يجري بشوارع درعا يصل بذات اللحظة إلى المجتمع الدولي، بلدات الحريات والديمقراطيات، اليوم العالم صغير ولا يمكن أن تمر مجازر النظام دون عقاب، ذاك كان لسان حالي والكثيرين.

حتى في هذه لم نحسن التوقع، نعم ساعدت ثورة الاتصالات بنقل ما يجري أولاً بأول، ولكن العالم كأن أصماً وأعمى بنفس الوقت، تسلى بنا لسنوات كمادة غنية لنشرات الأخبار، دون أن يتحرك بشكل فعلي لمساندة السوريين وتخليصهم من الظلم الواقع عليهم.

نعم كان الرد أبشع بكثير من كل تخوفاتنا، أقسى من كل تصوراتنا عن حجم وقساوة الرد المتوقع، قتل النظام مئات الآلاف من السورين نساء وأطفالاً رجالاً وشيوخاً، اعتقل وغيّب أكثر من نصف مليون شخص، تشرّد أكثر من عشرة مليون، خراب عام في البنية التحتية للبلاد، فقر وإذلال، ووووغيرها.

كل ذلك يؤكد أحقية الشعب السوري في مطلبه بالحرية، وأن لا غنى عن الثورة، فهكذا نظام لا يجب أن يبقى.

تتردد أحيانا عبارات سلبية عن الثورة السورية، مثل “فشلت الثورة”، “لم تكن ثورة إنما مؤامرة خارجية تهدف للإطاحة بنظام المقاومة والممانعة”، “قام بها المتطرفون”، “حرب أهلية”.. إلخ من تلك العبارات التي عملت على تشويه الحقائق، روّج لها إعلام النظام والإعلام الداعم له من خلال بربوغاندا إعلامية أجادوا استخدامها وتوظيفها، ساعد بذلك إعلام “المعارضة” أو الإعلام البديل، والتي للأسف ابتعدت عن المهنية واعتمدت بدل ذلك على استدرار العطف والتهويل والتضخيم، ففقدت مصداقيتها وتأثيرها في الرأي العام؛ لكن حققت هدف الممول، فكانت مجرد أداة تنفيذية للجهات الداعمة، التي أرادت لهم العزف على وتر آخر، لا يخدم الثورة بحال.

ما تعرّض له الشعب السوري من عنف وقتل وإفقار وتهجير وتدمير البنى التحتية، وتغير البنية السكانية للعديد من المناطق وغيرها؛ كافية بدون إضافات للتدليل على أحقية وعدالة مطالب الشعب السوري.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.