الحراك الشعبيّ هو، فعليّاً، ثورةٌ سياسيّةٌ

بقلم: د. عبد العزيز الخيّر
د.عبد العزيز الخير-فيسبوك

نحاول في هيئة تحرير الأيام أن نستعيد هذه الأيام معكم وثائق وشهادات لأفراد ومجموعات من فترة بدايات الثورة السورية، لنتذكر فقط كيف كان يفكر السوريون؟؟ وكيف كان يحلم السوريون.

وثيقتنا لهذا اليوم مقال في الذكرى السنوية الأولى للثورة السورية بقلم الدكتور عبد العزيز الخيّر، المعارض العنيد والصلب، والمغيّب قسرياً منذ أن تم اعتقاله في 20 أيلول/ سبتمبر 2012 أثناء عودته من الصين، حيث كانا يمثل هيئة التنسيق في واحدة من الزيارات، وما زال مغيباً حتى هذه اللحظة.

ــ الحراك الشعبيّ هو، فعليّاً، ثورةٌ سياسيّةٌ، حصيلةُ تاريخٍ سياسيٍّ طويل. وقد اجتمعت الظروفُ الموضوعيّة لتنقلَ حركيّةَ هذا التاريخ من الفضاءِ الثقافيِّ السياسيِّ إلى فضاء المجتمع الذي قدّم ما طابقَ توقّعاتنا، وفي الوقتِ نفسه أدهشنا.

هو شيءٌ يشبه ما كنّا نحلم به، وإنْ أتى بصيغةٍ مختلفة تمثّلتْ في أنّ طبيعة الجمهور المتحرّك لا تنطبق عليها تصنيفاتٌ نمطيّةٌ أو تصوّراتٌ سابقة (فهي ليست ثورةَ عمّالٍ أو فلاحين أو قوًى سياسيّةٍ منظّمة…).

وهذا الأمر أربكَ العقلَ التصنيفيّ، ولاسيّما أنّ تاريخَ الحراك السياسيِّ في سوريا؛ هو تاريخُ الحركات المنظّمة لا العفويّة كما هي حال مصر. عفويّةُ الحراك الجديد كانت مفاجئةً للشعب السوريِّ كما للنظام والمعارضة، لأنّ أحدًا من هذه الأطراف لم يمتلك القناعةَ بوجود حركةٍ عفويّةٍ في سوريا: ولذا اعتبره النظامُ مؤامرة، وتعاملتْ بعضُ القوى السياسيّة معه بحذر، وتوجّستْ منه شرائحُ من المجتمع السوريِّ لم تحسم خيارَها بعد.

هي ثورةُ جمهورٍ من طبقاتٍ وسطى وشعبيّة. لكنّ الفراغَ الذي سبّبتْه عقودٌ من القمع، ومن عزلِ المجتمع عن السياسة، أدّى إلى ضعفٍ تنظيميٍّ ملموسٍ للأحزاب، أو لمن صمد منها أمام القمع الطويل (إذ تلاشى بعضُها فعليّاً)؛ كما أدّى إلى جهل الجمهور بهذه الأحزاب وبطروحاتها ونضالاتها. يضاف إلى ذلك غيابُ نقاباتٍ حقيقيّةٍ تعبّر عن مصالح أعضائها ووعيهم؛ فالموجود هو محضُ هياكل نقابيّة تخضع لهيمنة السلطة، تزيِّف إرادة أعضائها ووعيهم، ولا تدافعُ عن مصالحهم نفسها.

وثمة غياب لمنظّماتٍ أهليّةٍ ومدنيّة، مستقلّةٍ وفعّالة، ولو وُجدتْ لأمكن أن تملأ بعض الفراغ الذي نتج من قمع الأحزاب، لكنّ القمعَ منعها هي الأخرى من الوجود بصورةٍ شبه مطلقة.

كلُّ هذا جعل الثورةَ، بالضرورة، ثورةً عفويّةً غيرَ منظّمةٍ، انفجرتْ لأنّ القمعَ عجز عن إلغاء توق السوريين إلى الحريّة (بل عزّزه)، وعجز عن إلغاء حلمهم بسيادةِ العدالة والقانون وإنهاءِ الفساد (بل قوّى إصرارَهم عليه)، رغم نجاحه في تحطيم أو إضعافِ أو منع الأطرِ السياسيّةِ والنقابيّة والمدنيّة المنظّمةِ التي تستطيع حمل ذلك التوق، وهذا الحلمِ، وقيادة نضالهم نحوه.

نحن نرى أنّ المنابعَ العميقة لهذا الحراك تعود إلى سببين تاريخيّين:

1/ ديكتاتوريّة النظام وفساده، بما يعنيه ذلك من قمعٍ معمّمٍ وشديدٍ ضدَّ كلِّ نشاطٍ أو تفكيرٍ سياسيٍّ مستقلٍّ، ومن رعبٍ ينتاب المواطنين كلّما تناولوا القضايا السياسيّة في جلساتهم الخاصّة أو العامّة، ومن ممارسةٍ للحكم على أساسِ مراسيمَ وأعرافٍ وأوامرَ كثيرًا ما تكون شفهيّةً وخرقًا للقانون المكتوبِ أو تحريفًا له أو استثناءً منه، بحيث تَخدم مصالحَ الموالين للنظام، وتضعُ ثرواتِ المجتمع في متناولهم أكثر من متناول غيرهم، أو دون غيرهم في كثيرٍ من الحالات.

وهذا ما خلق حالاتِ تمييزٍ واضحةً بين المواطنين، شملتْ أبسطَ حقوق المواطن، مثل حقِّ العمل أو السكن أو السفر خارج البلاد، على مستوى قاعدة الهرم، ووصلتْ إلى المحاباة الفاضحةِ في الصفقات والاستثماراتِ الكبيرة، على مستوى قمّة الهرم.

2/ السياسات الاقتصاديّة، وتحديدًا السياسات التي تمَّ اتّباعُها منذ بداية التسعينيّات، عندما تسارع تحريرُ نشاط رأس المالِ الخاصِّ، وبدأ فتحُ الأبواب للرأسمال العربيِّ والأجنبيِّ، في تجاوبٍ واضحٍ مع شروط صندوق النقد الدوليِّ ومراكزِ الرأسمال العالميّة الأخرى.

وقد أخذتْ هذه السياساتُ دفعاتٍ قويّةً بعد عام 2000، وظهرتْ تعديلاتٌ قانونيّةٌ وعمليّةٌ للنشاط الاقتصاديِّ في البلاد ولدور الدولة الاقتصاديّ، فتراجع هذا الدورُ لصالح رؤوس الأموال الخاصّةِ والشراكات الجديدة بين النُّخَب المقرّبة من السلطة ورؤوس الأموال العربيّةِ والعالميّة، عبر انفتاحٍ اقتصاديٍّ انتقائيٍّ وأحيانًا عشوائيّ. وبدأ يتراكم تغييرٌ في بنية الاقتصاد، لا يبالي بقطاعات الإنتاج الحقيقيِّ، بل يخنقها ويضعفها.

وهذا ما زاد من وطأة التشوّهات البنيويّة، القائمة أصلاً في الاقتصاد السوريِّ، وزاد من تبعيّته للخارج، ومن تكيّفه مع حاجات السوق العالميّة، لا مع حاجات التنمية والمجتمع السوريِّ، ولاسيّما حاجات الطبقات الشعبيّة والوسطى التي كانت القطاعاتُ الإنتاجيّة وقطاعُ الدولة تؤمّن بعضَها، وبخاصةٍ الحاجةُ إلى العمل.

كلُّ هذا كان بالنتيجة على حساب الطبقات الشعبيّة والوسطى، وبعضِ فئات الرأسماليين غير المقرّبين من السلطة. وقد أدّى تسارعُ الفرزِ الطبقيّ إلى إنتاج نخبٍ ذات ثرواتٍ خياليّةٍ ورفاهيّةٍ غير مسبوقة، بينما انحدر المستوى المعيشيّ والاجتماعيُّ للشرائح الوسطى والدّنيا بشكلٍ قويٍّ، وتوسّعتْ دائرةُ البطالة بسرعةٍ كبيرة.

تضافر مع هذين العاملين عاملٌ آخر، هو العامل المعنويُّ الذي وفّره مناخُ الربيع العربيِّ (تونس، مصر، ليبيا، اليمن،…). هذا المناخ أنعش الأملَ بالتغيير، وقوّى الثقةَ بالنفس في إمكانيّة تحقيقه بقوى الشعب نفسها، وقدّم نماذجَ رغّبَ السوريّين في السير على هديها.

فالشعبُ السوريُّ لا يعتبر نفسَه أقلَّ من غيره من الشعوب، بل على العكس؛ فهو شعبٌ معتدٌّ بنفسه، ويتباهى بتاريخه الحضاريِّ ومدنيّته العريقة ــ وهو محقّ في ذلك.

كان المناخ السوريّ يحوي جميعَ عناصر الانفجار، فجاءت حادثةُ درعا لتُطلقَ الشرارةَ التي فجّرت الثورة. والحقّ أنّ حادثة درعا ليست استثنائيّةً في ظلِّ الديكتاتوريّة؛ لكنّ اجتماعَ العناصر السابقة أدّى إلى غضب المواطنين وانطلاق حركةِ احتجاجٍ واسعةٍ بينهم، تجاوبتْ مناطقُ أخرى معها، وبدأت الحالة الثوريّةُ تعمُّ مختلفَ أنحاء سوريا.

في البداية، تحرّك الجميعُ تحت سقف «الإصلاح،» ولم تكن المطالبُ في بداية الحراك جذريّةً بالطريقة التي نراها اليوم، بل كانت مصحوبةً بالأمل في أن تستجيبَ السلطة لمطالب الإصلاح. لكنّ ما حصل كان عكسَ ذلك تمامًا. فقد واجه النظام هذا الحراكَ مواجهةً أمنيّةً شديدةً، هي طريقته المعهودة في مواجهةِ مثل هذه الحالات، مصحوبةً كالعادة بجملةٍ من الاتّهامات الموجّهة إلى المحتجّين: مجموعات إرهابيّة، سلفيّة، فلسطينيّة، جهاديّة،…

ما طُرح من مطالبَ إصلاحيّة، وشعاراتٍ سياسيّة، اصطدم ببنيةٍ شديدةِ المركزيّة وبديكتاتوريّة يتميّز بها النظامُ السوريُّ حتى تجاه بنيته الداخليّة؛ فهو نظامٌ استبداديٌّ مركزيٌّ ليس فقط تجاه المجتمع، وإنّما تجاه بناه وهيئاته ومؤسّساته نفسها. ذلك لأنّ القرار عادةً محتكرٌ من رأس النظام، والآن يتشارك في صنع القرار مع فئةٍ قليلةٍ من الأفراد، تظلُّ فعليّاً ممسوكةً من قبله.

والحال أنّ عدمَ السماح لجهاتٍ أو مؤسّساتٍ أو اتّجاهاتٍ جديدةٍ بالتفكير في التدخّل ضمن بنيةِ النظام نفسه أفقده الليونةَ والقدرةَ على التكيّف، وجعل تعاملَه مع المستجدّات تقليديّاً وميكانيكيّاً.

وقد ترافق هذا التصلّبُ مع دخول عنصرٍ تاريخيٍّ جديدٍ في البيئة والحياة السياسيّة، ألا وهي؛ وسائلُ الإعلام الحديثة، التي شكّلتْ، من جهةٍ، أدواتِ تواصلٍ بين الناشطين مكّنتْهم من تبادل الأفكار والتنسيق في العملِ فيما بينهم، فعوّضتْ بذلك من آليّات التواصل والتفاعل السياسيِّ التقليديّة المحظورة في سوريا (الصحافة والاجتماعات المباشرة في النقابة أو الحزب)؛ وشكّلتْ، من جهةٍ ثانية، وسيلةَ إعلامٍ بديلٍ عجز النظامُ عن منعها، فأدّت دورًا رئيسًا في كشف ممارسات النظام القمعيّةِ لأوسع الجماهير وقطاعات الرأي العامّ المحليِّ والعالميّ، الأمرُ الذي قوّض تمامًا سياسةَ التعتيم على الجرائم، فأصبحتْ كلُّ ممارسات السلطة تتمُّ تحت أعين الكاميرات، وهو ما أخلَّ في العمق بآليّات عملِ النظام وأجهزة قمعه التي تعتمدُ مثل غيرها على الصمتِ والتعتيم على جرائمها؛ لتضمنَ لنفسها حريّةَ التصرّف وتجنّبَ ردود الفعل.

هكذا أصبحتْ كلُّ عمليةِ قمعٍ تُفتضح محرِّضًا على المزيد من ردود الفعل الغاضبة، ودافعًا إلى رفع سقف المطالب السياسيّةِ للجمهور الغاضب الذي أخذ يشعر بالمزيد من المهانة والغضب لتجاهل مطالبه تمامًا ولمعاملته بالإخضاعِ والإذلالِ وسفكِ الدماء، حتى وصلت الأمورُ إلى المطالبة بإسقاط النظام.

مصدر فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.