ما الذي يمكن أن يحصل في حياتنا إذا غيّرنا المعاني المتحجّرة في وعينا؟

عندما نكسر كل معنى جاهز في عقولنا، حينها نصبح بشراً طبيعيين يبنون عالماً أفضل.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

عبر التاريخ تعددت تعريفات ما يميّز الإنسان عن الكائنات الأخرى التي تعيش على الأرض، لكن يمكن أن نطلق التعريف الأكثر حضوراً، بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع خلق المجردات وإنشاء المفاهيم، وتملّك القدرة على إعطاء معانٍ ومسميّات للأشياء المحيطة به.

ومن هذه الإمكانية العقليّة الفريدة في إنشاء المجردات، بدأت مرحلة تقييد الإنسان بقوانين مجتمعية، أخلاقية، ودينية، وفكرية، أساسها المعاني التي أطلقناها على الأشياء، وأصبح تجاوزها بمثابة تهديد ليس لفكرة وجود الإنسان نفسه، بل تهديد للمفهوم الذي تحجّر داخل الوعي، ولم يعد قادراً على تطوير ذاته.

على هذا النحو نستطيع أن نفهم بأن أي فعل يقوم به الإنسان كصورة أولى، لا معنى له. نحن من نعطيه المُسمّى والمفهوم المجرّد. والأفعال بطبيعتها سابقة عن أي معانٍ، وبالتالي معنى الفعل الذي نصفه ليس سوى وصف وعينا، لكن هذا لا يعني حقيقة الفعل المطلقة.

عندما كان “روبين هود” يسرق من الأثرياء ويعطي الفقراء، كان يمارس ذات الفعل الذي تمارسه المافيا الإيطالية، وهو أيضاً ذات الفعل الذي كانت تمارسه شركة فورد للسيارات، وهو ذات الفعل الذي يمارسه السارق العادي.

إنه فعل اللصوصية. الجميع يأخذ شيئاً ليس من حقه. فورد منظومة إنتاج رأسمالي، يأخذ الجزء الأكبر من جهد الناس؛ الذين ينتجون له مئات الأضعاف من الأرباح، ولا يأخذون سوى القليل. والمافيا تأخذ ضرائب على خدمات حماية البشر دون إنتاج، واللص يسرق جهد الآخرين بشكل مفرد، وروبين هود يسرق من أجل العدالة.

الجميع سارق. الجوهر واحد، لكن نحن من نعطي لروبين هود معنى الثوري، وللسارق معنى الذليل الاجتماعي، ولفورد معنى الذكاء والمثابرة.

كيف نعطي كل هذه المعاني لجوهر واحد! هل نحن شيزوفرينيون؟ بالتأكيد لا، الإنسان كائن أحمق برغم قدرته على خلق المجردات.

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع خلق المجردات وإنشاء المفاهيم، وتملّك القدرة على إعطاء معانٍ ومسميّات للأشياء المحيطة به

هذا التنويع في إعطاء المعنى، يضعنا أمام حقيقة بشرية، أنّ الإنسان يتعامل مع الفعل كصورة براغماتية محضة، لا وجود فيها للأخلاق أو المبادئ، وما الخطابات بالمفاهيم العامة التي يطلقها البشر، من الحرية والعدالة.. الخ، إلا الصورة الأكثر نفعيّة بإطارها العملي.

لن ندخل هنا في الأسباب الفلسفية التي جعلتنا نعطي أكثر من شرح ومعنى لفعل واحد، والظروف الاقتصادية والفكرية التي خضع لها التاريخ الإنساني حتى وصولنا إلى هذه النقطة، لكن ما يمكن أن نتوقف عنده، هو سؤال مشروع:

ما الذي يمكن أن يحصل في حياتنا إذا غيّرنا المعاني المتحجّرة في وعينا؟

ما الذي سنخسره كبشر؟

لماذا يجب علينا أن ننظر إلى فورد كمثابر؟

ولماذا يجب أن نرى روبين هود كثوري؟ لماذا نعتبر اللص العادي صفة وضيعة؟

هل فقط لأنه لا يعطي الفقراء كروبين هود، ويحتفظ بما يسرقه لنفسه؟.

هذا المعنى الموصوف بالأخلاقية فينا اتجاه الفعل، هو ليس أكثر من رؤية براغماتية للفعل نفسه. لو كان ذلك السارق يتقاسم معنا ما يسرقه لكنا أطلقنا عليه صفة الثائر، على الرغم أن لصوصيته لا تصنع له ثروة، بل تطعمه فقط.

أليس من المضحك والساخر لأنفسنا أولاً قبل الآخرين، أن نطلق معنى المثابرة على فورد الذي يبني ثروة على حساب الجياع، ونطلق على اللص الذي يريد ألّا يموت من الجوع صفة الوضاعة؟!.

الآن، من الذي أقنعنا بشكل مطلق وفي الوعي العالمي بأسره بهذه الرؤية الأبدية؟ بهذه المتحجّرة الأخلاقية الجاهزة؟. ومن هو المستفيد فعلياً أن يُبقي معاني الأشياء على حالها؟.

كي نتحدث بصورة عامة، ولعدم الوقوع بالتحديد من أجل بعض المؤدلجين؛ الذين يشعرون بالانزعاج من الصراحة المطلقة، سنقول، هم ببساطة جميع من يجلسون في مكان أعلى منك، عبر التاريخ الإنساني بأسره. وعندما نقول أعلى، فنحن لا نقصد السياسيين فقط، بل جميع الداعمين لهم، سلطات دينية واقتصادية، الذين يرسخون معاني الأفعال دائماً وأبداً.

هم الذين يقنعون مليارات من البشر، بأن اللص لص، وبأن الثائر ثائر، والمثابر مثابر، والذكي ذكي، والحرية هي حرية ضمن ما تعنيه الكلمة كمعنى مطلق في الوعي القائم، وبأن الإيمان هو إيمان لا يجب أن يُناقش.

هم الذين يقنعون مليارات من البشر، بأن اللص لص، وبأن الثائر ثائر، والمثابر مثابر، والذكي ذكي، والحرية هي حرية ضمن ما تعنيه الكلمة كمعنى مطلق في الوعي القائم، وبأن الإيمان هو إيمان لا يجب أن يُناقش.

ونحن المليارات من البشر، عبارة عن حمقى، وإن كان التعبير قاسياً. لا نريد أن نناقش، ومستمتعين بوجود معانٍ جاهزة للأشياء، فلماذا نُتعب أنفسنا في التفكير والتشكيك وإيجاد معانٍ أعمق مما هي موجودة الآن!.

العاهرة هي التي تأخذ مالاً مقابل فعل المتعة، لكن التي لا تسمح لزوجها بالاقتراب منها إلا بهدية نطلق على فعلها اسم غنج أو كيد نسائي أو دلع، لكن لا أحد يجرؤ أن يقول على سلوك زوجته ذاك بأنه عهر، لأن المعنى يجب ألا يخرج من إطاره المحدد له.

وعبد الناصر ديكتاتور وطني، لكن غيفارا ثائر، رغم أنه ديكتاتور وطني أيضاً. (بعيداً عن موقفي الشخصي أن عبد الناصر هو أسوأ من ديكتاتور)، لا يجب أن يصبح المعنى في عقول الناس خارج إطاره المرسوم له.

والله يغضب على الرغم أنه رحيم، لا يجب أن نفهم الله إلا بصورتين، الغضب والرحمة، لا يجب للمعنى اتجاه الله أن يأخذ بعداً ثالثاً، مثلاً أن تبتسم مع الله عندما تكون بمفردك، لأنّ إدراك المرء بأن الله يبتسم معك بشكل مفرد يُسقط عنه الصفتين اللتين حُددتا لله كغضب ورحمة، سيصبح أسهل بالتعامل وبالتالي سيُسقط الخوف الدفين اتجاه فكرة عدم الحصول على الجنة، أو صعوبة الحصول عليها، وسيجعلك أقرب لله من المشروع السياسي بداعمه الديني لحاكميته على الأرض.  لأن المعنى الإلهي لا يجب أن يخرج مما حُدّد له.

كل معنى ومفهوم نعيشه، هو شكل متحجّر لا يجب كسره وتبديله، واكتشاف شيء آخر خلفه. كسر المعاني يعني كسر جميع السلطات، ابتداء بالسياسة وانتهاء بكل قوة تمارس عليك الذل.

عندما نكسر كل معنى جاهز في عقولنا، حينها نصبح بشراً طبيعيين يبنون عالماً أفضل.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل