التأتأة عند الأطفال

الطفل السوري طفل أنهكته حرب الكبار

الأيام السورية؛ خزامى الحموي

ثمة تغيرات تطرأ على المجتمع السوري سواءً على المستوى النفسي أو الاجتماعي، وأمام الصورة المظلمة للأوضاع النفسية في هذه الحرب، يشكّل الأطفال الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً خصوصاً الذين ينشؤون في مناطق الاشتباكات وأعمال القصف والعنف.

يواجه الأطفال ما يحدث بطريقة تختلف عن طرق مواجهة الكبار لها، فظروف الحرب ألقت بظلالها القاتمة على مختلف نواحي الحياة في سوريا، مما جعل الأطفال يدفعون فاتورة باهظة، ويتعرضون لشتى أصناف الاستغلال الجسدي، والنفسي، ويضيع مستقبلهم على مختلف الأصعدة.

ظهرت وبصورة واضحة مجموعة من المشكلات التي تخفي وراءها دائماً مشاعر الخوف والقلق لدى الأطفال مما يشهدونه من أحداث، وإحدى تلك المشكلات «التأتأة».

فالتأتأة؛ مشكلة يعاني منها كثير من الأطفال، وظهرت بنسبة عالية في ظل الحرب والأحداث القتالية الأخيرة، و بالحديث مع الدكتورة النفسية سناء محمد حدثتنا عن المشكلة وأسبابها قائلة: “التأتأة مشكلة في طلاقة الكلام فيكرر المتأتىء كلمات أو مقاطع صوتية بشكل دائم، وهي إما تُشفى بالعلاج أو ترافق مريضها مدى الحياة، لهذه الحالة مظاهر خارجية عديدة كالنقر بالقدم أو ارتعاش الشفتين وحركات في الوجه، وهذه الحركات تدل على توتر وانفعال داخلي يصاب به المتأتىء”.

وأضافت: “سابقاً؛ قليلاً ما نرى هذه الحالة في عياداتنا أو بالأحرى مجتمعنا، ولكن اليوم ظروف الحرب وآثارها أدّت لظهورها بشكل ملحوظ، وخاصة لدى الأطفال ذوي الأعمار الصغيرة لما يعيشون من حالات رعب وهلع يومية؛ فالخوف يعد سبباً رئيسياً لاحتباس النطق لدى الأطفال”.

وعن تبعات هذه المشكلة نوّهت الطبيبة: “هذه المشكلة تأخذ المصابين بها إلى مشاكل عديدة؛ كالشعور بالقلق بشأن المتحدث، وعدم التحدث، وفقدان المشاركة، وفقدان الثقة بالنفس، الابتعاد عن الآخرين وتفضيل العزلة مما تأخذ بالأطفال لأسوأ حال”.

وتضيف: “هذه المشكلة لها آثار كثيرة، ويعد علاجها المباشر “الحالة النفسية” فإن ارتاحت حالة الطفل نفسياً يصبح لديه فرصة كبيرة بالشفاء، وهذا ليس سهلاً”

وعن دور الأهل تقول: “يجب على الأهل عند ظهور التأتأة لدى أطفالهم معالجة الموضوع بأسرع وقت، وعدم تجاهله لأنها تعتبر مشكلة نمائية؛ أي أنّ أضرارها ومشاكلها تزداد مع تقدم العمر، وهنا يصعب علاجها”.

وفي نهاية حديثها تمنت التعاون من الجميع الأسرة والمجتمع المحيط: “ّ المشكلة إن لم يتمّ علاجها ستؤثر على مشاعر الطفل ومشاعرمن حوله. وأتمنى الشفاء العاجل لكل من ابتلي بالتأتأة. كلنا ندرك أن جميع الآباء والأمهات ينتظرون أن يكبر أطفالهم أمام أعينهم؛ يراقبونهم بنظرات حانية بكافة مراحلهم العمرية من بزوغ أول سن مروراً بالحبو، وصولاً لنطق أول كلماتهم، وترددها على مسامعهم”.

لا شك أن فرحة سماع الحرف الأول لا يمكن أن يضاهيها شيء آخر، لكن الكثير من السوريين انعكست فرحتهم إلى قهر ومعناه؛ عندما تحوّلت لهجة أطفالهم من نطق سليم إلى نطق متعثر، قد يكون لديهم فرصة للشفاء، ولكن الظروف الصعبة التي يمرّ بها السوريون تجعل من العلاج أمراً ليس بالسهل، فالكثير غير قادر على تحمّل تكاليف العلاج؛ ممّا يجعل المعاناة أكبر.

أم علاء؛ روت سطوراً من المعاناة التي يعيشها ابنها الأكبر علاء الذي بلغ من العمر اثني عشر عاماً، تقول: “ابني لم يعاني سابقاً من أي مشكلة، ولكن بسبب العوامل النفسية والتوتر الذي عشناه في مدينة إدلب عقب خروجها عن سلطة النظام، انهالت الغارات علينا وتواصل القصف الهمجي والعشوائي، حتى إنّ إحدى الغارات استهدفت البناء الذي نسكن فيه ليلاً حينها كان علاء نائماً، واستيقظ إثر القصف يصرخ من هول الحادثة، والحمد لله لم نتأذّ ولكن علاء من ذلك اليوم ابتليَّ بمشكلة في نطقه ولم يعد قادراً على نطق الكلمات بسهولة”.

وتستمر أم علاء ببث شكواها: “أشعر بالقهر والعجز عندما أرى أطفالاً بعمره يغردون بكلماتهم، وولدي الذي هو ضحية لعنة الحرب يتلعثم بحروفه”.

تقول وهي تذرف الدمع: “أطفال سورية اليوم ببراءتهم حُرموا من أبسط حقوقهم وسط حرب لا ذنب لهم فيها سوى أنهم ولدوا في زمن يفتقر أدنى مستوى من الإنسانية، إنّ الطفل السوري طفل أنهكته حرب الكبار، حرب لا وتر له فيها ولا لون، وبحجة محاربة الإرهاب لم يعد بوسع الكثير منهم حتى النطق والتعبير عن مشاعرهم، ولكن سيأتي اليوم وتنطق شفاههم بما حلّ بهم من إجرام وعنف، فعلى الرغم من هذا الموت الذي تناثر بين ألعابهم القطنية، فلا يزالون يحتفظون ببصيص الأمل الذي افتقده الكثير من الكبار”

توقفت كلمات أم علاء والغصة والحزن والدموع يسيطران عليها.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل