راديكالية الفعل الأنثوي

“الذين لا يعرفون كيف يمارسون الحب، يصنعون الحرب”.

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما يتم الحديث عن المجتمعات البطريركية، فليس المقصود أبعادها السياسية والاقتصادية وسيطرتها الدينية المباشرة فقط، بل الخلفيّة الثقافية التي تتحكم في صناعة العالم ذهنياً، بشكل غير مباشر من خلال آلية المعلومة التي تخلق قطيعيات اجتماعية إزاء بعضها. حالة خلق متناقضات تؤدي إلى تصارعية طبقيّة بين الجنس الواحد الرجال، وتفوّق غير معرفي اتجاه الجنس الآخر النساء. هذا النظام رغم تقدّم العالم الحديث وانكساره التدريجي في المعنى السياسي والاقتصادي، لكنه ما زال يحافظ على خاميتّه في البعد الثقافي والممارسة الذهنيّة، ليس من الرجل إزاء الجنس الآخر، بل اضطهاد الجنس النسوي لنفسه، ودورانه في حلقة تاريخية لم تنته بعد.

حالة المشاركة والانجاز الاجتماعي من المرأة، لم تحررها بعد من الرؤية القمعيّة اتجاه نفسها، ويمكننا أن نطلق ذلك المعنى من خلال مزج التاريخ الذي نشأت عليه في مساره الأبوي إلى اليوم، واقتناعها الكلّي بصورتها القائمة عليها دون تحليل، إن كان من طبيعتها الفيزيولوجية التي تفترض بأنها طبيعة خاضعة للمعنى الجنسي التاريخي، أو رؤيتها العميقة بالمعنى العاطفي والوجداني والروحي، التي تقوم على الحب بصورتها الدفينة للمجتمعات الأولى الأسطورية كصورة تخصيبية.

هذه الصورة المرتكزة دائماً وأبداً في العقل النسوي، لا يمكن أن تتحرر منه إلا بإسقاطه، مع الاعتبار أن هذه الصورة القمعيّة اتجاه الذات، هي بشكل أو بآخر ما زالت تحمي العالم من السقوط الكلي، في هاوية الدمار.

يقول الروائي الأفغاني عتيق رحيمي في روايته حجر الصبر: “الذين لا يعرفون كيف يمارسون الحب، يصنعون الحرب”.

حالة المشاركة والانجاز الاجتماعي من المرأة، لم تحررها بعد من الرؤية القمعيّة اتجاه نفسها، ويمكننا أن نطلق ذلك المعنى من خلال مزج التاريخ الذي نشأت عليه في مساره الأبوي إلى اليوم

الأمر بسيط إلى درجة أن نفهم تماماً، رغم اعتراضنا على السلوك الأنثوي بالعام أنه لا يتجاوز المنجز الحركي والعقلي الذكوري، الذي استمد قدرته التحليلية من تاريخ انقسامي جندري متحكّم بتفاصيل العالم، بأن المرأة لا تصنع حرباً بالمعنى المباشر، رغم أنها تصنع حرباً بالمعنى الأسطوري. صراع جلجامش وموت أنكيدو بسبب عاهرة، واحتراق طروادة بسبب هيلين. أو خروجنا من الفردوس بسبب حواء وقيام حروب لا تنتهي. تلك الصيغ نشأت في أنظمة أبوية، ورُسِّخت كنصوص ما زال فعلها النفسي حاضراً بالنسبة للمرأة قبل الذكر. مع ذلك ما زالت المرأة تحمل قيمة الوجود التخصيبي المباشر، والعاطفي الذي لا ينتهي في عمل موازنات إزاء الجنون الذكوري في تدمير العالم.

لا نريد أن نتحدث برومانسية الشعراء الحمقى الذين يمارسون كناياتهم واستعاراتهم البليدة بوصف النساء كحمامات وأغصان زيتون، فشخصياً أكره الحمامات وأغصان الزيتون بالمعنى الجمالي وليس المفهوماتي.

لكن المرأة فعلياً حالة هدوء جمالي وسكينة إزاء التسارع الذهني في الفعل الأحمق غير المدروس عند الرجال، كيان يبثّ الاستقرار في الخبل الذكوري، تواجد أثير يمارس الصمت في أشد لحظات الاحتراق الضمني والإحساس بالهزيمة الذكورية اتجاه العالم الخارجي. إنها تمارس الطمأنينة التي يحتاجها الجنون الذكوري كي يهدأ قليلاً.

قد يُعاب أن دور المرأة النفسي محصور في هذا الشكل التوافقي والداعم الروحي، لأنها بالمقابل مطالبة بما هو أكثر من أعمال تشاركية مع الذكر، أو ممارسات ذهنية تخضع لمنطق البنود الجاهزة في مفاهيم العدالة والمساواة، إنها مطالبة بالجنون المشترك، وفوضى العالم الذي يؤدي إلى كسر كل التابوهات الفكرية المؤدلجة والثقافات العقيمة، ليس بالمعنى السياسي أو الاقتصادي كما تحدثنا، بل بالمعنى الراديكالي في جعل العالم يقف على قدم واحدة. إنها حالة كسر المفهوم التقليدي الذي نشأت عليه.

لا أعلم حقاً إن كان الدور العاطفي كافياً لتحريرها من قبضة السلطة الذهنيّة البطريركية، لكن الواضح أن ممارسة الحرية كفعل هي أبعد من تقليد اجتماعي لمفهوم الديمقراطية السياسية أو تسامحية منطقية لفكرة الاستعباد والالتفاف عليها

مشكلة المرأة وحتى الأكثر تحرراً أنها ما زالت تمارس دورها التاريخي الذي انتقل ثقافياً من معنى المجتمع الأمومي كمفاهيم تخصيبية عاطفية، وما زالت لليوم أسيرة هذه الرؤية رغم أنها كأنماط موجودة في الطبيعة هي شكل بيئي تراكمي وليست فطرة. ما زالت تعشق حالة أدلجتها في هذا الدور الحتمي الذي يوقفها عن أي تمرّد خارج نطاق المجتمع. عملية حصر تمردها في معناه السياسي والاجتماعي البسيط وليس الإنتاجي ذهنياً.

لا أعلم حقاً إن كان الدور العاطفي كافياً لتحريرها من قبضة السلطة الذهنيّة البطريركية، لكن الواضح أن ممارسة الحرية كفعل هي أبعد من تقليد اجتماعي لمفهوم الديمقراطية السياسية أو تسامحية منطقية لفكرة الاستعباد والالتفاف عليها، أو بالمعنى الدقيق قبول الواقع لنعيش كيانات أدنى نظن أنفسنا أكثر أهميّة.

الأنهار تحت الأقدام لا تصنع حضارة، والأمومة لا تؤدي غاية بمعناها الفلسفي سوى لموت قادم، والمشاركة السياسية وميادين الاقتصاد وحتى العلوم لا تفعل فارقاً في تغيير وجه العالم والذات. إنها ممارسات روتينية لتاريخ لم نتحرر منه. إننا نحتاج إلى مجهود متطرف في ابتكار الذهن وليس أن نخضع له تحت مسمى الموازنة والتآلف.

رغم هذا الكلام، وبعيداً عن الصورة التحليلية، إن وافقنا عليها أم لا بالنسبة لمعنى وجود المرأة، يبقى حضورها في جنون هذا العالم آسراً. ذبولها يصيب القلب بالغمّ، ضحكها ينعش العقل، وابتسامتها تفرض صمتاً لتجعلك تتأمّل المعنى الذي يجب كشفه في وجودنا البشري. رغم أن تلك اللحظات يمكن أن تكون قليلة، لكنها ضرورية لتحقيق نوع من الهدوء النفسي اتجاه هذا الخراب الذي صنعناه ذكوراً مطلقين. وهذه حقيقة حمقاء يجب الاعتراف بها قطعاً.

المرآة آسرة لكننا نحتاج لكسر الصنم التاريخي ذهنياً.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!