المطلوب من المرأة السورية حراك نسائي وطني ناهض يعي التحديات

الأيام السورية؛ بقلم: د. سماح هدايا

صحيح أن الثورة السورية أتاحت للمرأة كسر الأدوار التقليدية، والخروج ضد قوى الاستبداد والقهر وراء مطالب التحرر؛ لكنّ هذه الفرصة الذهبية للتحرّر، لم تحظ بالدعم الحقيقي المجدي من القوى الحقوقية الدولية، بل حصل العكس، استمرار طغيان نظام الأسد، الذي مارس أشد أشكال العنف، وارتكب جرائم ضد الإنسانيّة، وأتاح المجال لتطور حالة الإرهاب التي تؤذي بشدة الطفل، والشيخ، والعاجز، والمرأة، بالإضافة للرجل.

صحيح أنّ منظمات دولية إنسانيّة، وحقوقيّة، وتمكينية، نهضت وشاركت لتساعد المرأة في سوريا على مكافحة العنف الجنسي والجنوسي، والحقوقي، ولكن ذلك حصل ضمن رؤيتها وأهدافها ورسائلها الخيرية أو السياسية؛ وليس ضمن رؤية أصيلة لحل مشاكلنا، ولم تضع يدها على الجرح الحقيقي لتعالجه، وعملت سطحيا وجزئيا، ونفّذت إجراءات نفسية، واجتماعية، وسياسية مهمة؛ لكنّها ظلّت هامشية، تتعامل مع العوارض، لا الأسباب الجوهرية والعلل المتمثلة في منظومة القهر والاستبداد السياسي التي تقمع المرأة.

فأين الحلول والنتائج من عمل هذه المنظمات الدولية في تحقيق رفع الاعتداء والعنف عن المرأة، وعبر سبع سنوات خلت ما زالت تتدفق أعداد كبيرة من نساء سوريا وأطفالها إلى مخيمات النزوح وإلى بلدان اللجوء، وما زالوا عرضة للاستغلال والاسترقاق الجنسي؟

ألم تفقد شعارات مكافحة العنف ضد المرأة كثيرا من مصداقيتها، باستمرار بقاء آلاف النساء معتقلات ومغيبات في سجون الأسد وفروع الأمن والتشبيح في ظروف مخيفة لانتهاك وحشي نفسي، وجسدي، وفي غياب لأدنى الحقوق؟

وماذا عن قضية الرعاية النفسية، والصحية للاجئات في عشرات المخيمات داخل سوريا وخارجها؟

وماذا عن الاسترقاق الجنسي، واستغلال النساء والأطفال مع اتساع الحاجة والجهل؟

وماذا بشأن أمن النساء والأطفال اللاجئين الذين يضطرون لخوض أهوال البحار ومخاطر الغرق هربا من البطش والاعتقال؟.

ألم تفقد شعارات مكافحة العنف ضد المرأة كثيرا من مصداقيتها، باستمرار بقاء آلاف النساء معتقلات ومغيبات في سجون الأسد وفروع الأمن والتشبيح في ظروف مخيفة لانتهاك وحشي نفسي، وجسدي، وفي غياب لأدنى الحقوق؟

صحيح أن المشكلة السورية حلولها عالمية، لكن حلولها الجوهرية بيد السوريين، أولاً؛ لذلك على المرأة الاعتماد على ذاتها وعلى قوتها كحراك نسائي وطني ناهض، ينبغي أن يعي التحديات؛ مثل:

ـ كسر القالب الجامد للتفكير

كسر القالب الجامد للتفكير المتمثل في النظر لقضايا المرأة من الخارج، شكليا، وبمضمون سطحي، وبإجراءات مجزوءة مقطوعة عن سياقها الإنساني والمجتمعي، بشعارات جاهزة لا ديمومة لها، ولا تحمل حلولا جذرية لمشاكل المرأة.

وإعادة النظر بالمرأة، كإنسان كامل متكامل، له حقوقه وعليه واجبات؛ لديه طاقة عاطفية، وذهنية عالية يمكن استثمارها بإيجابية فاعلة.

المرأة لها تجارب وأحاسيس وطموحات وضمير وعقل، ويثمر عملها، واقعيا، عندما يلتصق بسياق مجتمع ووطن وباستحقاقات إنسانية.

ـ عدم الانجرار للتبسيط الساذج لقضايا المرأة 

عدم الانجرار للتبسيط الساذج لقضايا المرأة وللتصورات الذهنية النمطية والجاهزة؛ مثل الصور النمطية للحجاب، بين ظلامية ارتدائه وتحررية خلعه، وما يرافق ذلك من خطاب غير منطقي بين أصولية دينية متشددة، وأصولية استشراقية متشددة.. فأساس الحركة النسائية التحررية، ليس التدين أو عدمه وإنما حقوق الإنسان والمرأة.

ـ إنتاج المرأة يحتاجه المجتمع وتحتاجه المرأة؛ ومثلما التربية داخل البيت في غاية الأهمية؛ فإن إنتاج المرأة الاجتماعي والمجتمعي والفكري والاقتصادي والسياسي في غاية الأهمية.

وهذا لا يتحقق إلا بالنضال الفردي، والجماعي، والاجتماعي، والمجتمعي، وتتكلل الجهود النسوية التحررية بالنجاح عندما يكون العمل جديا ومنهجيا وجماعيا، مرتبطا بالاستحقاقات التاريخية.

الجهود التحررية المجتمعية

الجهود التحررية مطلوبة من المجتمع كله؛ لكن الجهود التي ستبذلها المرأة أعلى؛ لأن التحديات أمامها أشد بسبب معركة اجتماعية عامة ضد الجهل والقهر ومعركة خاصة لنيل حقوقها كامرأة.

ثقة المرأة بدورها الإنساني والقيادي

عدم الانجرار للتبسيط الساذج لقضايا المرأة وللتصورات الذهنية النمطية والجاهزة؛ مثل الصور النمطية للحجاب، بين ظلامية ارتدائه وتحررية خلعه، وما يرافق ذلك من خطاب غير منطقي بين أصولية دينية متشددة، وأصولية استشراقية متشددة.

التحدي الأكبر أن تثق المرأة بدورها الإنساني وبدورها القيادي وقدراتها، مهما قيل من أن المرأة أنقص وأقل عقلا ورشادا؛ فما يجعل المرأة أنقص هو رأيها بأن الرجل أرفع شأنا وهي أقل منزلة.

مقاومة التحيّز

عليها أن تقاوم التحيّز ضدها في العمل وفي التعلم وفي الإدارة والسياسة والتشريع. والعمل ضد هذا التحيز شأن عالمي؛ لأن ظاهرة التحيز لا تقتصر على بلادنا. لكنْ، في بلادنا ما زالت النسوة، في الأغلب، غير فاعلات في التغلّب عليه وعلى ذهنية الاستئثار الذكوري، نتيجة الصراعات السياسية التحررية التي يخوضها المجتمع والصراعات الثقافية، والاجتماعية.

والرهان هنا على قدرة المرأة التنظيمية، والنفسية، والفكرية، وعلى عملية التنمية والتمكين للخروج بتغيير حقيقي مستفيدة من واقع الثورة.

الفاعلية بالشأن السياسي

الاستحقاق التاريخي الذي تواجهه المرأة السورية أن تكون حاضرة في الشأن السياسي وفاعلة فيه. هذا يتطلب آليات عمل مكثّف لنضال مستمر في سياق تمكين سياسي، كيلا يبقى تمثيل المرأة ضعيفا، وحتى لا تبقى تجربة مشاركتها في البرلمانات والمؤسسات التشريعية والتنفيذية هزيلة وشكلية، وذلك ينطبق على الشؤون غير السياسية، بسعي المرأة لتحقيق كفاءة كبيرة من أجل تقلّد المناصب العليا المؤّثرة في الإدارات المختلفة للمؤسسات التعليمية والبحثية والاقتصادية وغير ذلك.

تعديل القوانين والحقوق المتساوية في الدستور

النضال الفكري والقانوني لتعديل الحقوق المتساوية في الدستور، وتعديل القوانين بما يضمن حقوق المرأة. صحيح أن العالم قطع أشواطا في موضوع حقوق المرأة، وإننا ما زلنا نسير ببطء، لكن خوض هذه العملية الطويلة لتحقيق إنجاز ومكتسب حقيقي، لا ينفصل عن مكافحة اجتماعية لجور العادات والتقاليد البالية الجائرة التي يجري شرعنتها بالمقدس الديني.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.