نظرية النسوية ودراسات الجندرة

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

عالمة الأحياء والأكاديمية النسوية “آني فاستو ستيرلنغ” ترفض الخطاب البيولوجي في مواجهة الحتمية الاجتماعية وتدعو إلى تحليل أعمق لكيفية التفاعل بين الكائن البيولوجي والبيئة الاجتماعية التي تؤثر على قدرات الفرد.[1] الفيلسوفة والنسوية “سيمون دي بوفوار” طبقت الوجودية على تجربة النساء في الحياة: “الشخص لا يولد كامرأة، إنما يصبح كذلك”. بيولوجياً يجب أن تصل الفتاة لسن البلوغ حتى تصبح امرأة، وفي علم الاجتماع، أن تصل لدرجة كبيرة من النضج في السياق الاجتماعي، هو ما يتم اكتسابه ولا يأتي غريزياً[2].

ومن خلال النظرية النسوية، فإن المصطلحات المتعلقة بالقضايا الجندرية تطورت منذ سبعينات القرن الماضي. في طبعة عام 1974 من “مذكر/مؤنث أم إنسان”، يستخدم الكاتب “الجندرة الفطرية” و “أدوار الجنس المتعَلمة”[3]. ولك في طبعة عام 1978 تم استخدام الجنس والجندرة بشكل معاكس[4]. ومع حلول عام 1980، وافقت معظم الكتابات النسوية على استعمال الجندرة فقط للإشارة إلى السمات المكيفة اجتماعيا وثقافياً.

في دراسات الجندرة، يشير مصطلح الجندرة إلى البناء الثقافي والاجتماعي المقترح للذكورة والأنوثة. في هذا السياق، تستثني الجندرة صراحة معايير الاختلافات البيولوجية، وتركز على الاختلافات الثقافية[5]. وظهر هذا في عدد من المجالات المختلفة: في علم الاجتماع خلال خمسينات القرن الماضي، من نظريات المحلل النفسي جاك لاكان، وفي أعمال المحللين النفسيين الفرنسيين مثل جوليا كرستيفيا ولوسي إيريغاري، والنسويات الأميركيات مثل جوديث بيتلر. وهؤلاء الذين اتبعوا “بيتلر” اعتبروا أدوار الجندرة كممارسة، وأشاروا إليها أحيانا بـ “الأدائي”[6].

يشير مصطلح الجندرة إلى البناء الثقافي والاجتماعي المقترح للذكورة والأنوثة. في هذا السياق، تستثني الجندرة صراحة معايير الاختلافات البيولوجية، وتركز على الاختلافات الثقافية

يقول “تشارلز هيرست” أن بعض الناس يعتقدون أن الجنس سوف يحدد تلقائياً تصرف جندر الشخص ودوره (المجتمع) كما يحدد اتجاهات الشخص الجنسية (الانجذابات والشخصية الجنسية)[7] . علماء اجتماع الجندرة يعتقدون أن الناس لديهم أصول ثقافية وعادات في التعامل مع الجندرة. على سبيل المثال، يعتقد “مايكل شفالبيه” أنه يجب تعليم الناس كيف يتصرفوا بشكل مناسب في جندرهم المحدد ليقوموا بدورهم بشكل صحيح، وبهذه الطريقة يتصرف الناس كذكور أو إناث متفاعلين مع التوقعات الاجتماعية. ويعلق “شفالبيه” أن البشر “هم نتاج عدة أشخاص متضمنين ومتفاعلين على أفكار متماثلة”[8]. يقوم الناس بذلك من خلال كل شيء، من الملابس وتسريحة الشعر إلى العلاقات وخيارات العمل. ويعتقد “شفالبيه” أن هذه الفروقات مهمة، لأن المجتمع يريد تحديد وتصنيف الأشخاص حالما نراهم، وهو بحاجة لوضع الناس ضمن فئات محددة لمعرفة كيف يمكن أن يكون شعورنا تجاههم.

يقول “هيرست” بأنه في المجتمع حيث نقدم الجندرة بشكل صريح، يمكن أن يكون هناك في غالباً عواقب وخيمة على كسر هذه المعايير الثقافية. العديد من هذه العواقب تعود جذورها إلى التمييز على أساس التوجه الجنسي. حيث يتم التمييز ضد المثليين والمثليات في نظامنا القانوني بسبب التحيزات الاجتماعية. ويصف “هيرست” كيف يعمل هذا التمييز ضد الأشخاص لكسر معايير الجندرة، بغض النظر عن ميولهم الجنسية. ويقول: “غالباً ما تخلط المحاكم بين الجنس والجندرة والتوجه الجنسي، هذا الخلط لا ينتج فقط إنكار حقوق المثليين والمثليات، وإنما أيضاً هؤلاء الذين لا يريدون أن يقدموا أنفسهم أو يتصرفوا بالطريقة التقليدية المتوقعة لجنسهم”[9]. هذا الخلل يلعب دوره في النظام القضائي عند الحكم على شخص بشكل مختلف لأنه لم يقدم نفسه كما هو جندره الحقيقي.

وتصرح “أندريا دوركين” بـ : “مطلبها بتدمير هيمنة الرجل والجندرة بحد ذاتها” بينما تفصح عن إيمانها بالراديكالية النسوية[10].

تناولت العالمة السياسية “ماري هاوكيثوورث” الجندرة والنظرية النسوية، مشيرة إلى أنه ومنذ سبعينيات القرن الماضي تبدل مفهوم الجندرة، واستخدم بطرق مختلفة كثيراً في البحوث النسوية. وأشارت إلى التحول الذي حدث عندما بدأ العديد من الباحثين النسويين مثل “ساندرا هاردينغ” و ” جوان سكوت” بتصوير الجندرة “كفئة تحليلية ضمن ما يعتقده البشر وتنظيم نشاطهم الاجتماعي”. الباحثون النسويين في العلوم السياسية بدأوا بتوظيف الجندرة كفئة تحليلية، سلطت الضوء على “العلاقات السياسية والاجتماعي المهملة من قبل حسابات الاتجاهات السائدة”. وتصرح “هاوكيثوورث” بأن “العلوم السياسية النسوية لم تصبح النموذج المهيمن ضمن النظام”[11].

على الرغم من أن الجنس يحدد بيولوجياً، فإن الطرق التي يعبر فيها الناس عن جندرهم ليست كذلك. الجندرة عملية بناء اجتماعي ترتكز على الثقافة

تتناول الباحثة السياسية الأميركية “كارين بيكويث” مفهوم الجندرة في العلوم السياسية بأن “اللغة المشتركة للجندرة” موجودة ويجب أن تفصل بشكل صريح من أجل الاستفادة منها ضمن نظم العلوم السياسية. وتصف “بيكويث” طريقتين يمكن للعالم السياسي من خلالهما توظيف الجندرة عند إجراء البحوث التجريبية: “الجندرة كفئة والجندرة كعملية”. فتوظيف الجندرة كفئة يسمح للعلماء السياسيين “تحديد سياقات محددة حيث السلوكيات والأفعال والمواقف والتفضيلات تعتبر بخاصة نتيجة التذكير والتأنيث نتائج سياسية “. ويمكن أيضاً أن تظهر الاختلافات في الجندرة، ليس بالضرورة أن يكون متجانس بدقة مع الجنس ويمكن “أن يقيد أو يسهل عمل” الجهات الفاعلة سياسياً. الجندرة كعملية لديها اثنين من التجليات الجوهرية في البحوث العلمية السياسية. الأول يكمن في تحديد “التأثيرات المختلفة للبنى والسياسيات عل الرجال والنساء”. والثاني، طريقة الجهات الفاعلة سياسياً المذكرة والمؤنثة “تعمل بنشاط لتحقيق نتائج جندرية ملائمة”[12].

وفيما يتعلق بالدراسات الجندرية، تقول (جاكويتا نيومان) بأنه على الرغم من أن الجنس يحدد بيولوجياً، فإن الطرق التي يعبر فيها الناس عن جندرهم ليست كذلك. الجندرة عملية بناء اجتماعي ترتكز على الثقافة، بالرغم من أن التوقعات الثقافية حول الرجل والمرأة غالباً ما ترتبط مباشرة لتكوينهم البيولوجي. ونتيجة لذلك تقول “نيومان” الكثير من الامتيازات بالجنس تكون نتيجة للظلم، حيث تتجاهل قضايا أخرى مثل العرق والقدرة والفقر … الخ. تسعى الدراسات الحالية للجندرة للابتعاد عن ذلك، وتفحص تقاطع هذه العوامل في تحديد حياة الناس. وتشير أيضاً إلى أن الثقافات الأخرى الغير غربية ليس بالضرورة أن يكون لديها نفس وجهات النظر للجندرة وأدوارها[13]. تناقش “نيومان” أيضاً معنى المساواة، والتي غالباً ما تعتبر هدف الحركة النسوية، وتعتقد أن المساواة مصطلح اشكالي لأنها يمكن أن تعني أشياء كثيرة مختلفة، مثل الأشخاص الذين يعاملون بشكل متماثل أو مختلف أو بإنصاف بالاعتماد على جندرهم. وتعتقد “نيومان” أنه هذه إشكالية لأنه لا يوجد تعريف موحد أو متشابه للمساواة، وأن ذلك يمكن أن يكون مهماً جداً في مجالات مثل السياسة العامة[14].


الهوامش:

[1] Anne Fausto-Sterling  (أساطير الجندرة: النظريات البيولوجية حول الرجال والنساء) 1992

[2] Fausto-Sterling (الجندرة والأعضاء التناسلية ـ الفصل الثالث) 2000

[3] Chafetz, JS (مذكر/مؤنث أم إنسان ؟ نظرة علم الاجتماع على أدوار الجنس) 1974

[4] Chafetz, JS (مذكر/مؤنث أم إنسان ؟ نظرة علم الاجتماع على أدوار الجنس) 1978

[5] Garrett, Stephanie (الجندرة) 1992

[6] Butler 1990

[7] Hurst, C. (اللامساواة الاجتماعية : الأشكال، الأسباب، العواقب) 2007

[8] Schwalbe, M (الحياة المختبرة بعلم الاجتماع: أجزاء من المحادثة) 2005

[9] Hurst, C. (اللامساواة الاجتماعية : الأشكال، الأسباب، العواقب) 2007

[10] Dworkin, Andrea (حياتي ككاتبة) 1995

[11] Hawkesworth, Mary (جندرة العلوم السياسية: مقترح جريء) 2005

[12] Karen, Beckwith (اللغة المشتركة للجندر) 2005

[13] White, Linda (المرأة، السياسيات، السياسية العامة: الصراعات السياسية للمرأة الكندية) 1964

[14] نفس المرجع السابق

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!