المرأة في الأدب.. من المُدوَّن إلى المدوِّن

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد يبدو تعبير “الأدب منجز ذكوري” تعبيراً جندرياً قليلاً. لكنه لا يخلو من صحة إذا ما نظرنا إلى ذلك التاريخ بعين المُعطى الفكري، قبل أن يدخل في قرنه الحالي، فلم تحظَ المرأة في التاريخ الأدبي عبر مساراته، بالكثير من الاهتمام لا على مستوى الإنجاز، مقارنة بالإنجاز الذكوري، ولا على مستوى النص، مقارنة بالمواضيع الأكثر شمولية من ناحية المعالجات الفكرية والفلسفية.

لقد كانت المرأة عبر ذلك التاريخ عبارة عن آلية مساعدة للبحث مثلما كانت على مستوى المجتمع آلية للاقتصاد والمتعة. ولهذا ما يبرره ضمن السياقات التطورية للمجتمعات.

العالم الحديث الذي تخلص جزئياً من الأشكال التي تحكمه بمعيارها اللاهوتي والسياسي، لم يتجاوز عمره الثلاثة قرون، وخلال هذه الفترة أصبحت المرأة حاضرة بشكل أقوى ولو أنها بقيت حبيسة آلية مساعدة لتفسيرات العالم وليس كحالة مستقلة، وهذا ما نشاهده في أغلب الأعمال العالمية.

بالطبع تاريخ الأدب لا يقتصر في حضور المرأة على القرون الأخيرة، فأعظم كلاسيكيات العالم القديم كان للمرأة دور حاسم بها، من خلال إنشاء منظومة الأسطورة الأدبية، فعندما نتحدث عن ملحمة جلجامش لا يمكننا نسيان ذلك الحضور النسائي المتجسد بالتعليم الجنسي (ضمن معيارها التاريخي) ومهمتها الأساسية بترويض انكيدو:

ـ طرحت ثوبها، انبطح عليها، علّمت الرجل الوحش وظيفة المرأة، وها هو واقع في حبها.

وإن كان العالم القديم نظر إلى المرأة بهذه المهمة الجمالية والجنسية، إلا أنه قدمها على درجة مساواة في صناعة الأسطورة، وهذا ما سيجري أثناء رغبة عشتار لخلق ثور وقتل جلجامش، فرغم آلوهية عشتار، لكنها تمتلك الجانب البشري في الحب والغيرة والانتقام. هذه المساواة كانت تقدمية في زمن بدائي، وستتلاشى مع تطور المجتمعات.

بالطبع تاريخ الأدب لا يقتصر في حضور المرأة على القرون الأخيرة، فأعظم كلاسيكيات العالم القديم كان للمرأة دور حاسم بها، من خلال إنشاء منظومة الأسطورة الأدبية.

ذات الأمر نشاهده في إلياذة هوميروس بعد قرون، فالملحمة الحربية لعشر سنوات كان سببها هيلين الطروادية، وهي أول امرأة بشرية (نصف إلهية) في تاريخ الأدب لا تمت للألوهية المطلقة بصلة في صناعة تاريخ أدبي ومحرك للأحداث بشكل مباشر.

وبرغم هذا الحضور النسائي في الأدب إلا أن الدور في هذه النصوص بقي ضعيفاً، لأنها لم تتجلَ كعنصر بشري حقيقي له مفرزاته الذاتية ونمطيات تطور الشخصية التي تتأثر بالفعل ورد الفعل، بل اقتصرت على تجسيد المرأة بثوابت محددة في السلطة والقوة والغيرة والخيانة. واستمر هذا النمط الأدبي إلى القرن السادس عشر الأوروبي وما يليه ليتحدد دور المرأة أدبياً بشكل مختلف وكبير.

لكن قبل الوصول إلى هذه الفترة الأوروبية بعدة قرون، ظهر إلى العالم اثنين من أعظم النصوص التي كانت وما زالت تحدد صياغة أدبية مختلفة لدور المرأة تاريخياً، وهي كوميديا دانتي في القرون الوسطى، وفيها عالج منطق الخلود بحسب المسيحية، ونشاهد الأثر الذي تركه دانتي في شخصية بياتريس التي تعمل كمرشدة له في الجنة، وهذا ما يتعارض مع منطق المسيحية الوسطى في النظرة للمرأة كشيء مشين، فبياتريس تعلم جغرافية الجنة بينما رجال الدين يقضون خلودهم في الجحيم والمطهر والدوار الأولى من الفردوس. فأضحت بياتريس نموذجاً روحياً للحكمة والتبصّر والأخلاق، على حساب ذكورة اللاهوت.

أما العمل الثاني فكانت قصص ألف ليلة وليلة التي ظهرت في الشرق بفترة أقل من ظهور الكوميديا، ومن خلالها نشاهد دور المرأة الفاعل، ليس على مستواها الإنساني والأخلاقي فقط، بل دورها السياسي والفكري والجنسي، كقائدة متحررة لهذه العمليات بأسرها وليست عنصر مساعد، بداية بشخصية شهرزاد مروراً بكل الشخصيات النسائية في القصص اللاحقة.

هذه التجربة الأدبية الخاصة جداً بقيت حتى اليوم تُضاهي أعظم الأعمال الكبرى لتقديمها المرأة بأشكال مستقلة ولها حواراتها وفلسفاتها.

لكن كل ذلك لم يحرر المرأة خارج إطار الشخصية الورقية، إنها أشبه بمرحلة المخاض الذي سيلد. لقد كانت عبارة عن صورة الفئة المتحررة ورغباتهم الضمنية عما يجب أن تكون عليه المرأة.

مع بدايات نهوض أوروبا وعصر التنوير والثورات اللاحقة، اتخذ الأدب معايير نقدية وأصبحت المرأة حاضرة في كل عمل تقريباً، لكن اقتصر دورها على نمط المساعد وبالأخص في الأعمال المسرحية، باستثناء الملك لير وبناته الثلاث.

مع نشوء فن الرواية بعد فترة الثورات الأوروبية، أصبحت المرأة حاضرة كقوة شاملة على طول العمل، ورسّخت شخصيات فاعلة ما زالت حتى اليوم، كمدام بوفاري وآنا كارنينا وكاتيوشا وآزميرالدا والنساء الصغيرات للويزا ألكوت وحتى أغلب العناصر النسائية في شخوص دوستويفسكي. لكن هذه الشخصيات تمت معالجتها من المنطق الأخلاقي، فلم يكن دورهم فاعلاً بمعناه القيادي أو الفكري، بقدر ما هو أشكال ذاتية تتطور ضمن بنية الشخصية نفسها تؤدي إلى هلاكها أو انتصارها. لقد حُصرت المرأة بهذا الدور الأخلاقي.

في ملحمة جلجامش لا يمكننا نسيان ذلك الحضور النسائي المتجسد بالتعليم الجنسي، ومهمتها الأساسية بترويض انكيدو:

مع اتساع رقعة الأدب وآلياته في القرن العشرين وظهور المدارس الفلسفية ونهوض الحراك النسوي في العالم، بدأت المرأة بالظهور بشكل تأثيري مباشر في الفكر والأدب، وكانت بداياتها مع الشخصية الورقية ميس ماربل التي أنتجتها مخيلة أجاثا كريستي، والتي طرحت المرأة بإطار قدرة فائقة على التحليل والاستنتاج ودورها في صناعة الخير البشري والعالم الحديث.

ما فعلته أجاثا وميس ماربل مجتمعتين هو كسر التابوهات الأدبية التي قولبت المرأة (كشخصية ورقية وكمنجز واقعي) ضمن حدود خاصة على مرّ التاريخ، وفتحت الباب لأعداد هائلة من الأديبات في القرن الماضي اللواتي رافقن فترة أجاثا، فأضحت فرجينا وولف وسيغريد اوندست وغابريلا ميسترال وسلمى لاغرلوف أوائل أديبات العالم الحديث، وحصول ثلاثة منهن على نوبل للآداب.

وتحوّل هذا التدفق النوعي للأدب إلى تدفق كمي وأحد أشكال الحياة الطبيعية، لكنه لم يكتفِ عند هذا الشكل الأدبي المجرد، بل أصبح مزيجاً فلسفياً، وهذا ما قدّمته سيمون دو بوفوار الشخصية الفكرية الفلسفية ذات التأثيرات الوجودية على أجيال كاملة، إضافة لكاتبات أخريات، أناييس نن وسوزان سونتاغ وبولين رياج وإريس مردوخ، ليُلحق بهنّ كاتبات مميزات، ألفريدة يلينيك وإيزابيل الليندي وتوني موريسون وأميلي نوثومب، وآلاف من الكاتبات اللواتي اشتهرن في القرن الماضي حتى اليوم. ولم يقتصر هذا التوسع على دول العالم الغربي، بل رافقه على المستوى الشرقي والعربي عشرات المئات من الكاتبات الذين صاغوا تاريخ البلاد من وجهة نظر نسائية، في اليابان وكوريا وإيران والهند والصين وتركيا والوطن العربي بأكمله.

هذا الاجتياح الضخم في القرن العشرين ليس سوى ولادة عسيرة وردة فعل لتاريخ أدبي ذكوري قولب المرأة ضمن أشكال محددة ورسم لها مهماتها الورقية على مدار خمسة آلاف عام، تحوّلت فيها من مُدوَّن ورقي إلى مُدوِّن واقعي ومشارك بصناعة التاريخ والفكر.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل