مرام معتوق.. اللوحة كفعل مضاد للثرثرة

0
الأيام السورية؛ حسين برو

يقول الفنان تشالز لالو “الفن انضباط واتزان، في الفن كما في الأخلاق، لا يحدث الإلهام بأعجوبة فجائية وإنما هو رأس مال يتجمع تدريجيا”.

هكذا تبدو تجربة الفنانة السورية مرام معتوق، وهي تتشكل بهدوء، بعيداً عن ضجيج الترويج، وبعيداً عن التسويق عبر العلاقات الاجتماعية والشللية، تطور أدواتها مع تطور تجربتها، لا تقلّد أحداً، ولا تبحث كثيراً عن فكرة الشهرة المجانية، ولا عن كثرة المعارض الفردية، يهمها فقط أن تنجز ما تريد قوله عبر اللوحة بفنية عالية، ولغة بصرية تعرف ماذا تريد أن تقول. وكأنها تقول مع هربرت ماركوزه “يحتوي الفن، سواء كان طقسياً أم لا، على عقلانية النفي. إنه في مواقفه القصوى الرفض الأكبر والاحتجاج على ما هو كائن. فالأنماط التي يجعل بها الإنسان يظهر ويغنّي ويتكلم والتي يجعل بها الأشياء تكون على ما هي عليه، إنّما هي أنماط من الرفض، من المقاطعة، من إعادة الخلق لوجودها الواقعي”.

منذ العام 2011 سنة تخرجت الفنانة مرام معتوق من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، وهي تحاول مع كل لوحة جديدة أن تكرّس تجربتها الخاصة باعتمادها على الجسد الإنساني لغة للتواصل بينها وبين المتلقي، والجسد هنا ليس محض جسد، بقدر ما نراه يتحول إلى أداة للتعبير والتواصل مع الآخرين.

منذ طفولتها الأولى بدأ اهتمامها بالتشكيل، وتقول عن هذه النقطة “بدأتُ كما بدأت معظم التجارب بسن صغيرة، والتي عرفت فيما بعد أنها ميزة عند جميع الأطفال تقريباً إلى ان تُنمى أو تدفن مع الزمن”. ومعتوق استطاعت أن تنمي هذه الموهبة، وأن تهتم بها، لتكون خيارها المهني في الحياة، فاختارت أن تتابع دراستها الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة، وعن هذا الخيار تقول: “فضلت الدراسة الأكاديمية لسببين، الأهم هو ممارسة ما أحب فعله دائماً وهو الرسم، والثاني هو الهروب فعلياً من أساليب التعليم الجامدة المفروضة في مجتمعاتنا، وبيروقراطية التحفيظ والتلقين التي كانت تمارس في مناهج التعليم، والتي طالما كرهتها بشدة ولم أتقنها إطلاقاً”.

اختارت معتوق الفن درباً للتعبير عن الذات، في عالم مضطرب، مشوش، وفي زمن كانت فيه المؤسسات الفنية الرسمية تروج للمصفِّق والباحث عن فرصة للظهور ولو حتى على حساب ما يريد قوله، لذلك بدت كمتمردة على الجو السائد، متمردة على تقليد من سبقها، متمردة على اختيار السهل والعادي طريقاً للتعبير عن مكنونات أحاسيسها وانفعالاتها وخيالاتها على كل ما هو سائد وما تريد قوله في لوحتها، فهي ترى أن” الفن أحد طرق التعبير عن الذات وأكثرها حدة وتأثيراً بالمجتمع المحيط بالفنان”.

لا نجد في أعمال معتوق الكثير من التفاصيل، تعتمد على الاختزال، والسطوح الواضحة، عبر لغة لونية هادئة تميل إلى استعمال الألوان الشفافة، التي ترى أنها أقرب لشخصيتها ولعلاقتها مع التشكيل

نرى العنصر الإنساني متجلياً من خلال جسد المرأة عبر أوضاع مختلفة وملامح غير واضحة أو بارزة، تسيطر على أغلب أعمال معتوق، حيث يحتل الجسد الأنثوي كامل اللوحة عبر كتل لونية هادئة تفتقر إلى الخطوط الحادة، وربما يأتي غياب هذه الخطوط لاشتغال الفنانة على الكتلة وجمالياتها ومدلولاتها، أكثر من اشتغالها على التفاصيل الصغيرة والبارزة، تقول: “غياب الملامح فرضه سطوة الجسد والكتلة، فأصبحت هنا أقل أهمية من سواها، وهذا ليس مقصوداً طبعاً”.

غالباً ما يكون الجسد الأنثوي يحتل المساحة الأكبر في اللوحة، ودائماً ما تكون هناك كتلة ما للحيوان، فمرة يكون سمكة، وفي أخرى البوم، وفي ثالثة القطة، تقول: “لا أجد مكملاً لكتلة الجسد أجمل وأكثر إلفة من كتلة الحيوان، روحياً وبصرياً، لذلك يتكرر هذا التشكيل غالباً في لوحاتي وأستمتع باستحضاره بأشكال متعددة”. ونجدها حينما تستحضر البوم في أعمالها، تستحضره كحامل لدلالات إيجابية، عكس ما يتم تداوله بين الأغلبية على أنه مصدر للشؤم، فحين يتحول إلى عنصر جمالي يحمل قدراً كبيراً من الترميز ويجمع بشكل فني بين حالتين متناقضتين والجمع كالتفاؤل والتشاؤم. وهنا ربما تستحضرنا مقولة الفنان الفرنسي ماتيس الذي يرى أن “وظيفة الفنان ليس أن يرسم ما يراه ولكن أن يعبر عن الدهشة التي يسببها ما يراه وينجح في التعبير عنها بقوة”.

تقول الكاتبة بسمة شيخو في صحيفة “القدس العربي” عن نساء معتوق: “نساء مرام يظهرن دون ملامح واضحة، هل هن كذلك! أم أن الأيام مسحت تفاصيلهن؟ هل غسلن وجوههن بالحسرة حتى ذابت؟ أم خبّأن الملامح لحياةٍ أخرى تحمل من الجمال ما غاب…؟ نساء عاجزات، فأقدامهن متشابكة لا يستطعن الحراك، وأيديهن مكتفة تارة وتارةً أخرى تغطي وجوههن البائسة، لا طاقة للأصابع الصغيرة على كتابة الحكاية، ولا قدرة للأرجل على إكمال المشوار؛ يحتضن دميةً أحياناً، طفلٌ من قطنٍ وقماش يرتمي من أيديهن، وأخريات يحضن أطفالهن وحيدات وقويات، وهو احتضان يمنع حتى الموت من الوصول إليهم”.

يلاحظ المتابع لأعمال معتوق غياب الرجل في لوحتها بشكا واضح وجلي، وعندما تسألها: يغيب الرجل تقريباً عن أغلب أعمالك، هل هذا موقف ضد ثقافة الذكورة المهيمنة على مجتمعاتنا، أم تكريس لمقولة أن المرأة أساس الحياة؟ تقول: “لا أفكر في إضفاء معنى أدبي على اللوحة. إن وجد الرجل فقد وجد، وإن لم يوجد فهذا لأسباب لم أخطط لها تشكيلياً.. الجسد وجمال جسد المرأة وقوة حضوره بكامل تعابيره وإيماءاته هو ما يشغل لوحتي تحديداً، بإرادتي أو بدونها، وهذا يعجبني، الرجل ليس موجوداً وحسب وهذا كل شيء”.

الجسد الأنثوي يحتل المساحة الأكبر في اللوحة، ودائماً ما تكون هناك كتلة ما للحيوان، فمرة يكون سمكة، وفي أخرى البوم، وفي ثالثة القطة

لا تجد في أعمال معتوق الكثير من التفاصيل، تعتمد على الاختزال، والسطوح الواضحة، عبر لغة لونية هادئة تميل إلى استعمال الألوان الشفافة، التي ترى أنها أقرب لشخصيتها ولعلاقتها مع التشكيل، إذ تقول عن بدايات تجربتها: “كان الرسم والتخطيطات هي ما تشدني أكثر، أما علاقتي مع اللون كانت باردة جداً أو باهتة.. وما زالت إلى حد ما” وتضيف: “أبتعد عن الإيحاء بالفكرة والشكل، أحاول الاختزال في الشكل لتخرج اللوحة بالشكل الذي أريده، وأنا سعيدة بعملي وبالانتقال التدريجي من العام إلى الخاص، من تكثيف الفكرة إلى اختزالها المباشر مع الإحساس المطلق، لأن يكون هناك حضور لمعاناة الفنان وعلاقته بمجتمعه، وهناك مخزون فكري وبصري سيصدر على اللوحة عاجلاً أم آجلاً”.

نلمح في لوحات معتوق، وخاصة المرسومة بالفحم أو اللون الأسود، ملامح للحرب الدائرة في بلدها سوريا، حيث الموت هو سيد اللحظة هناك، والذي يتجلى في لوحاتها بصور الأجساد البشرية وهي تتكدس فوق بعضها البعض بلا ملامح، وبلا تراجيديات فاقعة، صورة مختزلة للموت الإنساني حينما يدافع المستبد عن كرسيه باستباحة البلاد ببشرها وحجرها.

هذه الحرب التي جعلت معتوق تترك سوريا وتنتقل للعيش في تركيا، وحين تسألها أين حلب من ذاكرتك، تجيب: “حلب مدينة قاسية بجمالها وهندسة حجارتها وأبنائها.. أعتقد أن هذا أكثر ما أثرت بي هذه المدينة.. إذ لم تكن الطبيعة موجودة في ذاكرتي إلى زمن قريب.. غالباً الأشخاص والوجوه والأجسام والكتل هم أصحاب الحيّز الأكبر من ذاكرتي البصرية”. وعن حلب وكيف تتذكرها في المنفى البعيد، تقول: في المغترب تتحول المدن التي كبرنا بها إلى كائنات حيّة من لحم ودم نفتقدها، بينما تختلط الذكريات مع الأحداث في خلفية الأمكنة القديمة. حلب مشهد خلفي ساحر لأي مسرحية إنسانية مهما كانت بسيطة وعادية والزمن كفيل بجعلها مشهداً خالداً”.

الفنانة مرام معتوق لم تنجز حتى اليوم معرضها الفردي، وبمعنى أدق لم تسعَ لإنجازه، ولم تجعل من ذاتها وتجربتها أسيرة العرض والتسويق، شاركت في العديد من المعارض المشتركة في حلب ودمشق وإسطنبول.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!