إرهاصات أولى في قضية تحرير المرأة

يبرر أمين أسباب فقدها لحريتها ويضع اللوم على الرجال الذين وجدوا في جهل النساء تفوقاً وسلطة لا متناهية، وإن لم تكن المشكلة الأساسية في الرجل بالذات بقدر ما هي نظام المؤسسة الاقتصادية البطريركية.

الكاتب: قاسم أمين

قراءة: علياء الويسي

ينطلق قاسم أمين في كتابه لمعالجة مسألة المرأة عموماً والمصرية خصوصاً، من بديهية نقدية وتاريخية، هي سيطرة الاجتماعي “الأعراف” على المدني، ويحاول مخاطبة الناس من هذه الزاوية بإطارها الديني التراثي.

في أربعة بحوث رئيسية، ومحورها هو المرأة “تربية المرأة، حجاب النساء، المرأة والأمّة، العائلة”، عالج أمين بذكاء الباحث والمصلح، قبل قرن من الآن، الأسباب التي دعت لحصر المرأة بأدوار معينة، وتفنيده للأخطاء الاجتماعية والثقافية السائدة في ذلك العصر.

فتحدث عن أسباب تفوق الرجل على المرأة ويُعيد ذلك لمسألة اشتغال الرجال بينما تم إقصاء المرأة من العمل، ما عدا المنزلي، ويُركّز على ضرورة تعلّم النساء كي يكون لهنّ دور أكبر من مسألة خدمة الذكر، هو دور التنشئة والمعرفة والمساهمة بالتطور، ويفسّر ذلك، بأنه إن كان للمرأة نسبة تشكيل أي مجتمع بنصفه، فمن المؤذي بقاء النصف دون إنتاج، وهي لن تكون قادرة على الإنتاج إن لم تدرك أبسط العلوم. وحتى في المستوى الاجتماعي، أنه إن كان للمرأة ضرورة وجود كيان ذكري يُعيلها، فما هو الحال الذي ستصير عليه في لحظة موته، أو إذا تطلّقت، أو كان لها أبناء صغار! فيأتي تعليم المرأة كحماية لها. وحتى ليحميها من أشراك النصابين الذين يجعلون النساء يوقعنّ على أوراق تنازل عن حقوقهنّ دون قدرتها على فهم ما تفعل.

ويبرر أمين أسباب فقدها لحريتها ويضع اللوم على الرجال الذين وجدوا في جهل النساء تفوقاً وسلطة لا متناهية، وإن لم تكن المشكلة الأساسية في الرجل بالذات بقدر ما هي نظام المؤسسة الاقتصادية البطريركية.

ولا يميز أمين بين الغنى والفقر، فالمرأة متساوية بجهلها ولا تختلف إلا من ناحية الملبس، وهذا الدور الذي يحصرها كي تكون أداة متعة للرجل. ويُعيب على الطبقات الغنية والوسطى من الرجال، أن تطورهم ودراساتهم وتعلمهم كان لهم وحدهم ولم تتماشى النساء مع ذلك التطور، وهذا أحد أهم أسباب الشقاء الاجتماعي، لكنه سيؤثر سلباً على مستوى الإدراك والتفاهم العقلي، حتى وإن كانت المرأة صالحة والرجل طيباً.

مسألة الحجاب اتقاء الفتنة، فهي تتعلق بقلوب الرجال الخائفين الذين تمت مطالبتهم بغض البصر وليس على المرأة تقديره ولا هنّ مطالبات بمعرفته.

وينطلق بحديث مطول عن اكتشاف الحب وتاريخيته وفطرته التي زرعها الله في الإنسان، وهي بدورها يجب أن تكون سبباً كافياً للمساواة، فكيف يمكن لرجل يستحقر امرأته ويعنفها ويفرح لجهلها ثم في لحظة الحب تصبح ملاكه الأثير. هذا التناقض النفسي والعقلي الذي يمتاز به الذكور، هو دليل على اضطراب اجتماعي وثقافي وحتى ديني. واستخدام الرجل تخويف المرأة حول عدم طاعته في الحب، لا يبقى حبيساً بينهما، بل سينتقل ليكون جزءً من تربية على الأبناء، تنقلها الأم تدريجياً. ويأتي أمين باستشهاد النبي محمد في حديثه: “خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء” وقصد بها زوجته عائشة، وهي امرأة لم تؤيد بوحي ولا معجزة، وإنما سمعت فوعت، وعلمت فتعلّمت. وهو الدليل الذي يورده أمين أن المرأة كيان قاد على التعلّم والتعليم بحسب المنهج الديني الذي يعيش المجتمع تخلفه في كنفه، ويعيد أعرافه البالية إليه.

ثم يناقش موضوع الحجاب باعتباره يجب أن يكون منطبقاً للشريعة الإسلامية، وأنّ ما يمارسه الناس من حجاب ليس سوى تناقل الأمم الأخرى له إلينا، فهو موجود لدى المسيحيين واليونان، والخمار كان يستخدم في القرون الوسطى، وعليه يكون الحجاب الموجود في البلاد ليس خاصاً بمجتمعاتنا ولا استحدثه المسلمون. ويتحدث عن الأعراف التي جعلت من المرأة بأكملها عورة وفي النص الديني ليست كذلك، وإنما عبارة عن اجتهادات فقهية في أزمان سياسية خضعت لها بلاد الإسلام، وهي باطلة شرعاً. والدليل الأكبر بما يورده، أن المرأة لا تقبل لها شهادة ولا يتحقق زواجها إن لم يُرى الوجه والكفين. فالمرأة تدير أموالها وتجارتها بنفسها، وما خديجة بنت خويلد سوى مثالها الأبرز.

وأن مسألة الحجاب اتقاء الفتنة، فهي تتعلق بقلوب الرجال الخائفين الذين تمت مطالبتهم بغض البصر وليس على المرأة تقديره ولا هنّ مطالبات بمعرفته. وعليه يصبح الحجاب عائق أمام التنوير العقلي، لأن المرأة يصبح همها الأوحد وتفكيرها محاولة حفظ وجهها كي لا تقع في معصية. وينحاز هذا التفكر إلى الغرق في مستنقع يرسّخه الرجل كون المرأة أداة منزلية. لكن في هذا الجانب يعود أمين للقول، أن نظام الطبيعة الإلهية الذي فُرض على المرأة أن تكون مثل جميع الإناث تحمل وتنجب هو عمل بسيط ومادي وتشترك فيه مع الحيوانات، فلا يحتاج إلا إلى بنية سليمة، أما العمل الثاني وهو التربية، فهو عمل عقلي امتاز به النوع الإنساني وهو محتاج في تأديته إلى تربة واسعة، واختبار عظيم ومعارف مختلفة. وهذا هو الدور الذي يجب للمرأة أن تلعبه لتكوين عائلة، وهي لن تستطيع إليه سبيلاً دون تحرير بنيتها العقلية أولاً.

والعائلة هي جزء من تكوين المجتمع الذي بدوره يشارك في تكوين الأمم، وعليه تصبح مهمة المرأة أعظم من مهمة الرجل التي تحتاج الوعي اللازم والكفاءة العقلية التي لا تفقدها أصلاً، إنما تحتاج إلى قوانين تحررها لتطلق إمكانياتها في البناء.

حاول قاسم أمين في كتابه تقديم حال المرأة في مصر، بتناول بعض المواضيع المهمة، وأهمها التركيز على مسألة العلم، والفهم الخاطئ للمعتقدات على حساب الدين، وانتشار آفة الأعراف التي تحط من شأن المجتمعات ولا تسمح برقيها.

وإن كان الكتاب كلاسيكياً في إطاره العام نتيجة كتابته قبل قرن من الآن، لكنه لا يخلو من ثورة حقيقة على أنظمة اجتماعية بائدة، حاول فيه تحرير المرأة من الجهل والظلمة التي عاشتها على مدار التاريخ الإنساني.


علياء الويسي: ناشطة نسوية، تهتم بقضايا المرأة، تقيم في سوريا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.