الحركة النسوية.. مراحل مضطربة ونضالات شاقة

الأيام السورية؛ بقلم: هدى عباس

البدايات:

أرسى عصر التنوير الأوروبي القواعد الإنسانية الحديثة بحقوق البشر في الحرية والمساواة، مُنتهجاً، ضمن أسسه، القطيعة مع التاريخ القديم بكل مؤسساته وأشكاله، منذ اللحظة التي أطلق فيها فولتير عبارته التي ما زال يتردد صداها حتى اليوم: “قد اختلف معك في الرأي، لكني مستعد لأدفع حياتي ثمناً لحقك في قول رأيك”. ليتبعها بعد ذلك جان جاك روسو في كتابه “العقد الاجتماعي” ويحدد التفسير الواقعي لعبودية الإنسان وطرق خلاصه.

منذ ذلك الوقت أضحى العالم أمام تغيير جديد وجذري سيساهم بخلق بذور التوعية الشاملة في كافة مناحي الحياة، فمع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر، اجتاحت أوروبا الثورات الشعبية التي ستعيد صياغة المفاهيم القديمة حول الإنسان وأهدافه وطريقة حياته.

ومن أهم تلك الصيغ، الوثيقة التي نصّت على إعطاء المرأة حقوقها ومواطنتها عام 1791. ومنذ ذلك التاريخ وضعت المرأة خطوتها الأولى في الطريق المشترك الذي سيصنع الحياة والمستقبل، فأضحت المرأة عنصراً فاعلاً في الحياة البشرية، وانطلقت من كونها أداة تنفيذية للمنهج الذكوري إلى كيان مشارك بكل التفاصيل.

لم تكن الحقوق في ذلك الزمن على المستوى المطلوب لمعنى التحرر الذي يتمتع به المجتمع الذكوري، لكن مع ذلك كان بادرة أولى في طريق سيؤدي إلى نضال تحرري.

تشكّل الحراك النسوي في العالم بعد إعلان الوثيقة الفرنسية حول مشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي، فبعد عام من إعلان الوثيقة، أصدرت ماري كرافت، كتابها “حقوق النساء” وفيه عاينت مشاكل المرأة حول الطغيان المنزلي، وإنكار الحقوق السياسية، وفرص التعليم والعمل، ونقدت مؤسسة الزواج باعتبارها دعارة قانونية.

كان الكتاب بمثابة محرك لتوعية المرأة بخطورة واقعها، ومن خلاله اتسعت رقعة الحراك النسوي في العالم، داخل فرنسا وبريطانيا وامتد إلى أمريكا، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

أن الأنوثة التقليدية كانت وستظل تمثل مرضاً عضالاً، وأن تغيير العالم يجب أن يتم بشكل راديكالي مرهون بتغيير وضع النساء في العالم بشكل راديكالي أيضاً

لكن تلك الفترة كانت أضعف من تحقيق شيء واقعي، لاعتمادها في الدرجة الأولى على الطروحات العامة التي انتهجتها الثورات الأوروبية في التحرر دون التوقف والتركيز على تفاصيل المعاناة وإيجاد أهداف واضحة للمرأة، والسبب الثاني هو قيادة الطبقة البرجوازية من النساء لذلك الحراك الذي اكتفى بالمسائل العامة.

النصف الثاني من القرن التاسع عشر

لكن مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اتخذ الحراك طابعاً مُختلفاً، وبدأ يتشعّب بين عدة تيارات، رغم نيلها حق التصويت السياسي في بريطانيا وأمريكا وكندا وألمانيا والسويد، وانتشار الحركات النسوية في كل أصقاع الأرض وصولاً إلى الهند واندونيسيا واليابان.

اتخذ الحراك النسوي عدة تيارات، سيطرت من خلالها على الأفكار العامة حول موضوع المرأة:

ـ التيار الأول كان هو الليبرالي الذي تمثّل في هيلينا لانغ وجرترود باومير، حيث أتت طروحاته من خلال التحرر المطلق من السلطة الاجتماعية والاقتصادية في الدرجة الأولى المحكومة بالنظام البطريركي.

ـ والثاني كان ذو الطبيعة الراديكالية المتمثل في جوستافا هيمان وأنيتا أوغسبورغ وجوزفين بتلر، والذي اتخذ موقفاً جذرياً من أن الاقتصاديات الجنسية هي سبب خضوع المرأة، وتم طرح قانون الزواج الحر بشكل كامل غير منقوص، حيث كان فعالاً جزئياً، على حساب الزواج الأبوي الساري، وانتشار دعوات مقاطعة الزواج.

كلارا زيتكن-ويكيبيديا

ـ والتيار الثالث كان ذو الطبيعة الاشتراكية المتمثل في ليلي براون وكلارا زيتكن وألكسندرا كولنتاي، الذي اعتمد المنهج الماركسي في معالجة قضية المرأة باعتبارها جزء من نظم العلاقات الاقتصادية وأن تحررها يقوم على إنهاء الاستغلال الاقتصادي وليس محاربة الذكر أو دعوات للتحرر المطلق من المجتمع.

تلك التيارات الرئيسية الثلاث التي سادت في الموجة الأولى من تاريخ الحراك النسوي. وفيه حددت المرأة وبدأت تعي طبيعة تشكيل العالم اقتصادياً وسياسياً وعليه أصبحت المعطيات أكثر وضوحاً والأهداف أكثر تحديداً.

ففي خطاب زيتكن التي ألقته في مؤتمر غوته للحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1896، حددت الصورة الأولى لمهمة المرأة: “لا يوجد شيء يمكن وصفه “بالحركة النسائية” قائم بذاته. توجد الحركة النسائية فقط في سياق التطور التاريخي، ومن ثم هناك حركة نسائية برجوازية وأخرى عمالية، وليس بين هاتين ارتباط أكثر مما هنالك بين الاشتراكية الديمقراطية والمجتمع البرجوازي”.

ولم تكتفِ الحركة النسوية بتيارها الاشتراكي، نتيجة اتساعه على حساب التيارين الليبرالي والراديكالي، عند التفسير النظري، بل دعت إلى التحرر في قضايا العمل والمساواة في الأجر، والإجازة المدفوعة لرعاية الأطفال وحق التعليم، في ذات الخطاب تكمل زيتكن: “إن النشاط النسائي صعب، فهو يتطلب عملا كثيراً وتفانياً كبيراً وتضحيات ضخمة، لكنها تضحيات ستثمر ولا مفر منها، فالطبقة العاملة لا تستطيع بلوغ انعتاقها إلا إذا ناضل كل أبنائها معاً، دون تمييز حسب الجنس”.

أواسط القرن العشرين

سيمون دي بوفوار-المصدر:إنترنت

وحينها بدأت المرأة تكتسب حقوقها تدريجياً ضمن الشكل الاقتصادي مع ظهور الموجة الثانية للحركة النسوية والتي بدأت مع أواسط القرن العشرين، حيث بدأ الحراك النسوي بالتقهقر نتيجة الحربين العالميتين، وبدأت المرأة تعود إلى وضعها التاريخي المنزلي.

في تلك الفترة أصدرت سيمون دي بوفوار كتابها الجنس الآخر، الذي تبنى مقولة “رقي الوعي” لكنه كان أشبه بصرخة في الفراغ، رغم التفاف الكثير من الناشطات النسويات حول بوفوار وطروحاتها في ذلك الوقت، والتي وجدن فيها تقاطعاً بُني على طرح، “أن الأنوثة التقليدية كانت وستظل تمثل مرضاً عضالاً، وأن تغيير العالم يجب أن يتم بشكل راديكالي مرهون بتغيير وضع النساء في العالم بشكل راديكالي أيضاً”. وكان من دعاة ذلك الطرح، روسي بريدوتي، وكيلي أوليفر، وإليزابيث غروش، وتوريل موي، وتيريسا برينن. لكن رغم الجهود المبذولة كان الانحسار حليف الحركة.

لكن مع ستينيات القرن العشرين، وانتشار حرب العصابات في أمريكا اللاتينية والحراك الطلابي في أوروبا وصراعات التحرير في أفريقيا وثورات أسيا ضد الأنظمة القديمة وهجمة البيض في أمريكا على العرق الأسود، عادت النسوية للحراك العالمي، وساهمت بدور أساسي في هذه النضالات.

لم تكن الحقوق في ذلك الزمن على المستوى المطلوب لمعنى التحرر الذي يتمتع به المجتمع الذكوري، لكن مع ذلك كان بادرة أولى في طريق سيؤدي إلى نضال تحرري.

لكن في هذه الفترة عاد الحراك النسوي لتياراته القديمة نسبياً، واعتمادها بشكل أساسي على الطروحات الفلسفية لبوفوار من جديد، فعادت النسوية الراديكالية للظهور بشكل أعنف وأكثر تحيزاً، والتي طالبت بمحاربة السلطة الأبوية وكل المؤسسات الذكورية بما فيها النقابات العالمية.

وتم طرح مبدأ النساء طبقة اجتماعية والرجال طبقة أخرى. وبالمقابل انتشرت حركة النساء الاشتراكيات، حيث عقدن تحالفات مع الجماعات والطبقات المقموعة الأخرى، حركة معاداة الإمبريالية، منظمات العمال، أحزاب سياسية يسارية، وخضن نقاشات مضنية مع الرجال المقموعين في تلك المؤسسات عن أهمية النضال النسوي، وكيف ينعكس القمع ضد النوع على العلاقات الأسرية والشخصية وفي بنية حركات وأحزاب التحرير ذاتها.

لكن تلك الصراعات الديمقراطية للمرأة ونضالها عادت للتلاشي مع ظهور ديكتاتوريات العالم الثالث ووصول تاتشر في بريطانيا وريغن في أمريكا لسدة الحكم. حيث بدأت سياسة الحط من المجتمع والخصخصة، فقد تم تخفيض الخدمات العامة التي تعتمد عليها النساء، وتم محو المكاسب المحدودة للمرأة في حركة نقابة العمال.

وتولدت طبقة تحتية جديدة معدمة من الفقراء والعاطلين عن العمل 65 % منهم من النساء، والعديد منهن أمهات غير متزوجات. وتم تقليل الإعانة الاجتماعية، وأدى خفض الدعم للصحة والتعليم إلى كارثة للمرأة التي تحتاج للخدمات الصحية أكثر من الرجل في الحمل والولادة ورعاية الأطفال.

أدى ذلك أيضاً في عهد ريغان إلى تصاعد العنصرية والعنف ضد المرأة من قبل الرجال الذين هبطوا إلى أحط درجة في السلم الاجتماعي، ودفعهم يأسهم إلى صب جام غضبهم على النساء والأقليات العرقية.

ذلك التاريخ للحركة النسوية بمراحل اضطراباته ونضالاته وانشقاقاته ما زال مستمراً حتى اليوم في كل أصقاع العالم الحديث، وأصبح خارج نطاق التحديد الاجتماعي والسياسي، وتحول بشكله العام إلى جانب راديكالي، يفسر صورة القمع النسائي إلى الذكورة الاجتماعية وليس لبنية الاقتصاد العالمي.


المراجع

  • كتاب الحركة النسوية، واتكنز رويدا.
  • كلارا زيتكن: الكلمة التي ألقيت في مؤتمر غوته للحزب الاشتراكي الديمقراطي عام 1896.
  • أليس جاردن What Feminism ? مقال نُشر في مجلة French politics، Culture & socity العدد الثاني 2010. وتمت ترجمة المقال د. محمد السيد، ونشرت الترجمة في مجلة الثقافة العالمية يوليو 2015.
  • ويكبيديا، النسوية وبيوغرافي النسوية في التاريخ.
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل