أخلاقيات الصحافة.. ما هي ومن أين أتت؟

0

اعداد: أيدان وايت.

مقال مترجم عن شبكة الصحافة الأخلاقية.

ترجمة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين.

بُذلت أولى المحاولات من أجل إقرار حقوق ومسؤوليات الصحفيين؛ التي تشكل الأساس بالنسبة لمبادئ الصحافة الأخلاقية المعاصرة قبل أكثر من مئةٍ وخمسين عاماً, في وقتٍ كانت المواجهة فيه قائمة بين صحيفة التايمز اللندنية والحكومة البريطانية.

فقد وضع جون تادو, محرر الصحيفة, من خلال ردّه على انتقادات الحكومة فلسفةً كاملة وحزمة مبادئ في الإرشاد الصحفي. ففي مقالتين رئيسيتين كتبهما في شهر شباط (فبراير) عام 1852, شدد تادو على المبدأ الأولي المتعلق بقول الحقيقة: “إنّ واجب الصحفي مشابهٌ لواجب المؤرّخ, وهو أن يسعى وراء الحقيقة, فوق كل شيء, وأن يقدمها لقرائه بالحدّ الذي تمكّن من بلوغه”.

وأصرّ على أنّ واجب الصحافة أن تكون مستقلة عن الحكومة: “لتتمكن من أداء واجباتها باستقلالٍ تام, لا ينبغي للصحافة أن تدخل بعلاقاتٍ ملزِمة مع رجال السياسة المعاصرين, ولا أن تبادل مصالحها العليا بمصالح سلطات أية حكومة”.

ولكي تحقق هذه الغايات, يقول تادو, الصحافة يجب أن تكون حرة في “تقصي الحقيقة وتطبيقها عبر مبادئ ثابتة على الشؤون الحياتية المختلفة”.

تطبيقاً لهذه المبادئ, انتقدت صحيفة مانشستر غارديان حكومتها, وغامرت بفقدان دعم الرأي العام لها عبر تغطيتها لحرب البوير نهاية القرن التاسع عشر. فقد كان محررها الرئيس سي بي سكوت ومالكها جون إدوارد تيلور على استعدادٍ للتضحية بالنجاح التجاري للجريدة مقابل الحفاظ على الأمانة الصحفية, حيث فضّلا, حسب ما قالا, الاندثار على الفشل في المبادئ.

بُذلت أولى المحاولات من أجل إقرار حقوق ومسؤوليات الصحفيين؛ التي تشكل الأساس بالنسبة لمبادئ الصحافة الأخلاقية المعاصرة قبل أكثر من مئةٍ وخمسين عاماً, في وقتٍ كانت المواجهة فيه قائمة بين صحيفة التايمز اللندنية والحكومة البريطانية.

لقد كتب سكوت معظم الأشياء العظيمة التي قيلت عن الصحف. إحدى الرسائل التي كتبها ما يزال يسمع صداها اليوم لدى الحديث عن حرية التعبير والإنترنت. تلك الرسالة هي مقالته المئوية التي كتبها عام 1921, وأورد فيها: “التعليق مسموح به لكن الحقائق مقدسة… أصوات الخصوم لها الحق أن تُسمع تماماً كما أصوات الأصدقاء. من باب العدل, يخضع التعليق لقيودٍ ذات منبع ذاتي. من الجيد أن يكون صريحاً, ومن الأفضل أن يكون منصفاً”.

انطلاقاً من هذه الجهود النبيلة, تمّ تطوير مبادئ ومعايير من قبل الصحفيين, المحررين, الناشرين وآخرين غيرهم من أجل حماية مبدأ استقلال الخط التحريري وصحافة “السلطة الرابعة”. يوجد اليوم أكثر من 400 إعلان مبادئ ومواثيق شرف إعلامية تمّ تطويرها حول العالم على امتداد المئة عام الماضية. معظم تلك المواثيق تطوعية, وتزود إطاراً واعداً لممارسة الصحافة.

تمّ تطوير تلك المواثيق على مستوياتٍ وطنية، ودولية، من قبل جماعات من محترفي الإعلام تشاوروا على الغالب مع محامين, أكاديميين في الإعلام, ومجموعات من المجتمع المدني. طوّرت العديد من المنظمات الإعلامية وتجمعات الصحفيين مواثيقاً خاصةً بهم, وبعضها ضمن تلك المواثيق في عقود توظيف الصحفيين وأعضاء هيئة التحرير الآخرين. وبينما يجهل الكثير من الصحفيين المضمون الحرفي للمواثيق وبالكاد يتلون بدقة عناصر مواثيقهم الوطنية، أو المواثيق الدولية, أو حتى مواثيق مؤسساتهم, فإن المبادئ الأولية التي تغلّف عمل الصحافة الأخلاقية مفهومةٌ جيداً. فهذه المبادئ سرعان ما يتعرف عليها العاملون في الإعلام حول العالم بوصفها أسس مشتركة ومعروفة للعمل التحريري. هذه القيم الأساسية هي:

ـ الدقة وتقديم المعلومات القائمة على الحقائق

قد لا يتمكن الصحفيون دائماً من ضمان تقديم “الحقيقة”, لكن محاولة الوصول للحقائق على ما هي عليه هو المبدأ الأول للصحافة. على الصحفيين أن يناضلوا دوماً من أجل الدقة, فيقدموا كل المعلومات ذات الصلة بالموضوع, ويتأكدوا من التثبت من كل المعلومات.

ـ الاستقلالية

على الصحفيين أن يكونوا أصواتاً مستقلة, فلا يتصرفوا سواء بطريقةٍ رسمية أم خلاف ذلك, باسم مصالح خاصة سواء كانت سياسية, اعتبارية, أو ثقافية. عليهم أن يكشفوا لمحرريهم ـ أو حتى بشكلٍ مباشر لجمهورهم ـ عن أي معلومات ذات صلة حول الصلات السياسية, الترتيبات المالية أو أية علاقات شخصية أخرى ممكن أن تتسبب بصراع مصالح.

ـ الإنصاف والحياد

معظم القصص الصحفية لها على الأقل وجهان. وليس من الضرورة أن يقدم الصحفي كل جانب في كل جزء من القصة, فإن عليه أن يعمل لتحقيق الموازنة في قصصه وتقديم السياق. الموضوعية ليست ممكنة دائماً, وقد لا تكون مرغوبة في كل الأوقات, لكن التغطية الحيادية تبني الثقة والمصداقية.

المبادئ الأولية التي تغلّف عمل الصحافة الأخلاقية مفهومةٌ جيداً. فهذه المبادئ سرعان ما يتعرف عليها العاملون في الإعلام حول العالم بوصفها أسس مشتركة ومعروفة للعمل التحريري.

ـ الإنسانية

غير خليقٍ بالصحفيين أن يتسببوا بالأذى. عليهم أن يظهروا الحساسية والاهتمام في أثناء عملهم فيدركون أن ما ينشرونه أو يبثّونه قد يكون مؤذياً. ليس من الممكن أن يقوم الصحفي بعمله بحرية من أجل مصلحة العامة من دون أن يتسبب بين الفينة والأخرى بالأذى أو الإزعاج, لكن الصحفيين عليهم أن يكونوا دوماً على درايةٍ بتأثير الكلمات والصور على حياة الآخرين. يصبح هذا المبدأ مهماً على نحو خاص لدى تغطية قصص تخصّ الأقليات, الأطفال, ضحايا العنف, والأشخاص المعرضين للخطر.

ـ المسؤولية والشفافية

من المبادئ المفتاحية للصحافة المسؤولة، المقدرة على تقبل المحاسبة. على الصحفيين أن يكونوا دائماً منفتحين وشفافين في عملهم باستثناء الظروف الحرجة جداً. عندما يرتكبون أخطاءً عليهم الاعتراف بها, ويعبرون عن أسفهم بطريقةٍ صادقة. إنهم يستمعون لجمهورهم ويقدمون العلاج لأولئك الذين تعاملوا معهم بلا إنصاف.

على الرغم من أن هذه المبادئ مفهومةٌ عموماً داخل مهنة الصحافة, إلا أنها كي تكون مفيدة لا بد أن تطبّق داخل عالم التغطية الإخبارية الحقيقية. معظم وسائل الإعلام تقدم نصائح مفصلة لمحرريها, مراسليها وأعضاء هيئة الإنتاج لتوضيح كيف يعملون على أرض الواقع. تأتي هذه النصائح على شكل “دليل أسلوب” أو شروحات عرضية, أو عبر خطوط عريضة مفصلة للتحرير والإنتاج.

مصدر تم النشر بالتنسيق مع ميثاق “شرف للإعلاميين السوريين.
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!