التلذذ بالغباء

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في لهجة أهل حلب، هناك مصطلح عاميّ يستخدم لتوصيف الشخص السمج، والبليد، والفضولي، والمتثاقف اجتماعياً بطريقة نظرية دون تطبيقها عملياً، يُقال عنه (معلاق).

هذا المصطلح يمكن أن نحدده في الأشخاص ببعض الأمثلة التالية:

أن يأتي أحد ما ويقول لك: بأن أكثر ما يزعجه، هو أن يكون في مكان ما، منزل أو مكتب عمل، ويدخل عليه شخص دون أن يطرق الباب. لكن هذا الشخص المنزعج نفسه من السلوك، يدخل على أي مكان دون أن يطرق الباب. أو مثلاً، أن يتساءل شخص عن مسألة واضحة جداً، بأن يشاهد أحداً يرسم شجرة على ورقة، فيمدّ رأسه بعينين جاحظتين ويقول: ماذا ترسم؟. ثم يستطرد متعجباً: ترسم شجرة!.

إنك ككيان طبيعي، تحاول أن تكون متزناً، وأن تصمت، كي تتقي خلافاً تافهاً، على الرغم بأن دمك يغلي وترغب أن تطيح وجهه بصفعة من ظاهر يدك على هذا المستوى من التساؤلات الحمقاء أو السلوكيات الغبيّة.

بكل تأكيد جميعنا يمارس هذه السلوكيات والأقوال، وهي حالة لا بأس بها إن مورِست بشكل مُتقصَّد لإغاظة صديق كنوع من الفكاهة وفي فترات متباعدة، لكن أن تتحول هذه السلوكيات إلى أفعال يومية، فهذا قطعاً أصبح شيئاً أقرب لتنميط التفكير البشري. أن يتحوّل إلى معنى كامل للحياة.

كثير من الطباع الثقافية كانت بالنسبة للسوري حالة نظرة فوقية اتجاه جهل الناس ليحظوا بكلمة من قبيل (مرحبا أستاذ، تماماً كما رجل يذكر الله في كل مكان، ويطلق بعض الفتاوي، ليتحول إلى شكل لغوي من قبيل (بركاتك شيخنا.

هذه الممارسة الدائمة تهبط بالتفكير وروح الدعابة إلى مستوى غبي جداً، يصبح الإنسان معها غير قادر على التمييز بين ما يُزعج وبين ما يظنه فكاهة، وهو عبارة عن سماجة منقطعة النظير.

ونلاحظ أنّ هذه التساؤلات لا تتوقف عند تلك الأمثلة السابقة، بل تصبح جزءاً من طبيعة الحوار اليومي الذي يدور في فلك من الاستهلاك المعلوماتي الذي لا يحمل أي قيمة أو فائدة، وقد يستمر ساعات، تحت اسم (أهمية التواصل الاجتماعي). منها أن تعود إلى المنزل، فيأتيك صوت متسائلاً: (جيت؟)، فتجيب بشكل طبيعي ببلاهة أيضاً، بأنك نعم قد وصلت، دون أن تدرك بأنّ العقل يجب أن يفهم الصورة البصرية أو السمعية وألا يتساءل، لأن هذا التساؤل سيفتح مجالاً لأكثر أنواع النقاشات التي لا معنى لها، وقد تتحول إلى خلافات مبطنّة تتركز في اللاوعي.

في سوريا، كانت هذه الأنماط التواصلية هي جوهر الحياة، التساؤلات البليدة من أجل الشعور بأنك كشخص مهتمّ على المستوى المباشر في المعنى الحسي، لا وجود فيه لأي نمط عقلي أو ثقافي. لأنّ التصور الثقافي اتجاه تراثنا وفهمنا له حول معنى الحياة لا يتعدى شكلها المادي، وما الروحانية فيها إلا بالعلاقة التي نكتسب الجنة فيها من خلال الفرض التعبّدي مع الله.

نتناقش حول ماذا سنأكل، كيف نتزوج، كيف نصلّي، وحتى الفكاهة بالنسبة لنا تتخذ طابعاً (تمعلقياً) يصل إلى حدود الإزعاج. وحتى الفئات الأكثر تحرراً وتفكيراً ثقافياً، تمارس في كثير من الأحيان ذات الصيغ، لأن طبيعة الحياة محكومة بقوانين قديمة وسلطات سياسية من مصلحتها أن يبقى الإنسان يدور في هذا الفلك الروتيني من الحياة والبلادة.

المشكلة أنه بعد الثورة السورية، ارتفعت نسبة عالية من المفاهيم اتجاه الحرية والإيمان والعلاقات، وتغيرت نوعاً ما الكثير من الأشكال الثقافية وطرق تواصلها، لكن بقي الحيز (التمعلقي) حاضراً وبقوة في نفوسنا. كثير من الطباع الثقافية كانت بالنسبة للسوري هي حالة نظرة فوقية اتجاه جهل الناس ليحظوا بكلمة من قبيل (مرحبا أستاذ)، يشعر معها المتثاقف بأنه قد أتم منجزه التاريخي اتجاه العالم، تماماً كما رجل يذكر الله في كل مكان، ويطلق بعض الفتاوي، ليتحول إلى شكل لغوي من قبيل (بركاتك شيخنا).

على من يجب أن نضع اللوم، هل على السلطة السياسية، أم على بعض تراثنا الذي أفصح عن مكنوناته التي بقيت ملازمة لعقولنا كل هذه العقود، وجعلتنا نتلذذ بممارسات وأشكال ومفاهيم غريبة؟.

في سوريا اليمين يُدخل الجنة على هواه، واليسار لم يضيّع البوصلة الثورية. حتى حالة الثقافة هذه لم تغيّر من التلذذ بالغباء اتجاه (التمعلق) وممارسته. وبعد ما جرى في سوريا ما زال اليمين يُدخل الجنة على هواه، واليسار لم يضيّع البوصلة الثورية. أي كارثة عقلية كنا نعيشها، وما زلنا نعيشها، ونظن بأننا مرتقين في أعمالنا الإنسانية اتجاه أنفسنا وأفكارنا، وحتى أرواحنا التي نظنها دعابات وهي ليست سوى نماذج من السماجة المتوارثة.

بكل تأكيد لا أعرف على من يجب أن نضع اللوم، هل على السلطة السياسية، أم على بعض تراثنا الذي أفصح عن مكنوناته التي بقيت ملازمة لعقولنا كل هذه العقود، وجعلتنا نتلذذ بممارسات وأشكال ومفاهيم غريبة؟.

لكن المهم هو ألّا نترك أنفسنا، أفواهنا وأفكارنا تسوقنا بشكل اعتباطي. أن نمتلك قليلاً من التحكّم إزاء ما يجب أن يُقال، ومتى يُقال، وأن ننظر إلى أي فكرة بعين الريبة، على الأقل كي نصبح بعد كل ما جرى في سوريا، قادرين على تغيير الشكل الذاتي لعقولنا وأرواحنا. لم يعد مهماً أن نغيّر المستوى السياسي، لكن من المهم أن نغيّر المستوى الاجتماعي وآلياته. وربما كان هذا التغيير الاجتماعي المفهوماتي، هو الثورة المخفيّة الحقيقية.

وإن كان لا بُدّ من (تعملق)، فليس اتجاه أنفسنا البائسة، بل اتجاه من يتحكّمون بمصائرنا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.