رؤية تحليلية حول إعادة إعمار سوريا وتمويله ومعوقاته

الأيام السورية؛ جمال قارصلي ـ طلال عبد الله جاسم

هذه دراسة جديدة حول إعادة إعمار سوريا؛ والتي نعمل عليها منذ السنة الماضية، حيث ركزنا على الإمكانات والقدرات التي نمتلكها نحن كسوريين من أجل إعادة بناء وطننا، وسلّطنا الضوء على واقعنا الراهن، لتحديد العقبات والصعوبات التي ستواجهنا في أثناء هذه العملية. نهدف من وراء هذه الدراسة إلى المساعدة في الوصول إلى الحلول المناسبة، حيث أننا لم نغفل التعقيدات الدولية والمحلية في هذا الأمر.

عندما تنتهي الحروب المدمرة، تاركة خلفها الكثير من الخراب والجروح الغائرة في ضمائر ونفوس البشر، تبدو للوهلة الأولى أنه لا توجد فرصة للبدء في إعادة بناء أي شيء كان، ولكن الأمم العريقة سرعان ما تنبعث من جديد من تحت الركام لتبدأ بحقبة جديدة، ساعية إلى مستقبل أفضل، متجاوزة كل مآسيها، ومتحاشية كل أسباب ما حلّ بها من خراب ودمار.

الأمم الحية تسعى من خلال مفكريها وخبرائها وعلمائها إلى وضع خطط صحيحة ودراسات بنّاءة من أجل مستقبل جديد متجاوزة لماضيها الأليم. أول ما يجب بناؤه في المجتمع هو الإنسان، وذلك على مبدأ المثل الصيني القائل: “إذا أردت أن تزرع لسنة فازرع قمحا، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تزرع لمئة سنة فازرع إنسانا”، لأن الإنسان هو أغلى ثروة، وهو العنصر الأهم في دعم عجلة التطور والتقدم، وهو الذي يقع على عاتقه وضع الخطط وتنفيذها ودفع تكاليفها من جهده وعمله.

نحن نعلم بأنّ الأزمة السورية ليست مشكلة اقتصادية، وإنّما هي سياسية بامتياز. وأول ما يحتاجه بلد منكوب مثل سوريا هو الاستقرار السياسي، والذي يشكّل القاعدة الأساسية لإعادة الإعمار وللانتعاش الاقتصادي الذي يحتاج إلى قوانين واضحة وهيكلية تنظيمية صحيحة، ولو في أُطر متواضعة مبدئيا، وكذلك قضاء نزيه تلجأ إليه الشركات، والمستثمرون، ورجال الأعمال، والعاملين في مجال إعادة البناء أو في القطاع المالي والاقتصادي، واللذان يشكلان العماد الساسي لإعادة البناء. ولا بد من أن يتوفر مناخ آمن يشجّع على القيام بمثل هذه الأعمال، وإلا ستكون كل الأعمال والجهود في مهب الريح.

إنّ تجارب الأمم في إعادة البناء تشير بوضوح إلى أننا كسوريين سنتحمل كل أعباء إعادة بناء وطننا وسندفع تكاليفه، وربما لبعض الدول التي دمّرت بلدنا، وستظل هذه الدول تملي علينا ما تريده لسنين طويلة، وذلك من خلال اتفاقات وقعت معها وأعطتها امتيازات لا يمكن التراجع عنها بسهولة. ولكن ورغم ذلك، نرى أنّه يتوجب علينا العمل الجاد والصادق من أجل إعادة إعمار بلدنا، وأن يقوم كلا منا بواجبه، حتى لا تفرض علينا مشاريع وأجندات خارجية لا تراعي مصالح شعبنا، ولا تسمح بتحقيق آماله حتى مستقبلاً.

بنظرة واقعية وحيادية نرى بأنه من الصعب جدا إحلال السلام في سوريا، إن لم تؤخذ بعين الاعتبار الاتفاقات الاقتصادية مع الدول المتدخلة في الشأن السوري ولو إلى حين

إن إعادة إعمار كل ما أصابه الضرر بسبب الكارثة التي حلّت على سوريا يحتاج إلى تظافر جهود وخبرات وتقنيات وطنية وإقليمية ودولية. ما حصل في سوريا من خلال السنوات الثمانية الماضية من دمار وخراب ومآسي إنسانية واقتصادية تجاوزت كل التصورات. فالدولار في عام 2011 كان يساوي تقريبا 50 ليرة سورية، أما الآن فهو بحدود ال 500 ليرة، ويصل إلى 600 في بعض الأحيان. وميزانية الدولة تدهورت مما يقارب 18 مليار دولار إلى ما يقل عن 4 مليار دولار في السنوات الأخيرة. والناتج المحلي الآن، وفي أحسن الأحوال، لا يتجاوز 5 مليار دولار، بعد أن كان قد وصل إلى حدود 60 مليار دولار. وتشير الأرقام الدولية إلى أنّ أكثر من 80% من شبكات المياه والكهرباء مدمرة، إضافة إلى البنى التحتية، أما الدمار الكبير فقد لحق بقطاع التعليم والصحة. وأخطر ما حصل في سوريا هو في “قطاع الإنسان”، حيث هاجرت أكثر من 70% من العقول والكفاءات إلى خارج البلاد، إضافة إلى مقتل مئات الآلاف من الشباب، والملايين منهم غادر البلاد وربما بلا رجعة تصعب عودتهم ولأسباب عديدة ومن أهمها الخوف من تجنيدهم بشكل إجباري من قبل القوى المسيطرة.

إن أردنا أن نعرف فقط حجم الكارثة الاقتصادية التي حلّت على سوريا، علينا ألا ننسى تكاليف إزالة الآثار البيئية لتكرير النفط بالطرق البدائية، وإزالة آثار المواد المستخدمة في الحرب وتأثيرها الكارثي على الصحة والزراعة والبيئة. إضافة إلى ذلك لو أخذنا بعين الاعتبار تكاليف إصلاح البنى الأساسية لصناعة النفط والغاز والتي تضررت بشكل كبير، وكذلك ضرر الاستجرار الجائر لحقول النفط والذي سيؤدي إلى انخفاض حاد في إنتاج أغلب الحقول.

أما الكارثة التي حلّت على المساكن والبنية التحية فهي كبيرة جدا، وهي تشكل عائقا كبيرا لرجوع الكثير من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، لأنهم فقدوا مساكنهم ولم يبق لديهم أي مكان يمكنهم اللجوء إليه، إضافة إلى الأضرار الجسيمة التي أصابت النظم وشبكات الطرق والمدارس والمستشفيات وكل المرافق الاقتصادية، ومنها النفطية والسياحية والصحية والزراعية، حيث أن البنية التحية في بعض المحافظات تدمرت بشكل كامل وفي محافظات أخرى بشكل جزئي. إن أردنا فقط إزالة الكمية الهائلة من الأنقاض والركام التي تشكلت بسبب الحرب فإننا سنحتاج إلى معدات خاصة لا يمكن الحصول عليها إلا إذا تمّ رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا والسماح باستيراد هكذا أجهزة ومعدات متطورة.

ما ذكرناه يشكل جزءا بسيطا من الأضرار المادية، أما إذا أخذنا الأضرار البشرية بعين الاعتبار ومنها القتل والإعاقات الجسدية والتهجير والتعذيب والإهانة، وما يتبع ذلك من معاناة نفسية واجتماعية وغيرها، أو تكاليف العلاج والرعاية الصحية لمصابي الحرب، لوصلنا إلى مبالغ تتجاوز كل التوقعات. إن بعض الأطراف المختصة تقدر فقط الأضرار المادية التي لحقت في البنية التحية بحوالي 250 مليار دولار، ومنها من يصل إلى أكثر من 500 مليار دولار. كما أنّ الناتج القومي السوري انخفض بشكل مرعب، وتشكلت تشوهات اقتصادية عميقة من الصعب التغلب عليها أو التعايش معها.

ويجب على السوريين أن يعلموا بأنّ تكاليف إعادة الإعمار هم وأبنائهم وأحفادهم من سيدفع ثمنها، لأن آليات الدعم وتقديم القروض والمنحات من الدول، في غالبيتها تعود بالفائدة على مانحيها وتحقق مصالحهم

بنظرة واقعية وحيادية نرى بأنه من الصعب جدا إحلال السلام في سوريا، إن لم تؤخذ بعين الاعتبار الاتفاقات الاقتصادية مع الدول المتدخلة في الشأن السوري ولو إلى حين، وهذا يعني بأن العقود التي تم إبرامها والأفضليات التي أعطيت لروسيا في مجالات اقتصادية واستثمارية عديدة، ستظل سوريا ملتزمة بها مستقبلا على الأقل في المدى القريب، وهذا الأمر ينسحب كذلك على مصالح إيران الاقتصادية والاستثمارية في سوريا، حيث يمكن التفاوض مع هذه الدول من أجل إحلال الأفضليات الاقتصادية بدلا عن التدخل العسكري السافر المباشر وغير المباشر عبر ميليشيات تابعة لها. ولتركيا كذلك اتفاقات تفضيلية مع سوريا مما هو قبل عام 2011، إضافة لما استجد لها من مصالح في السنوات الثمانية الأخيرة، فهي لابد من أن تحافظ على مصالحها، وهي تملك أطول حدود لها مع سوريا، وأمنها القومي يتأثر كثيرا في الاستقرار في سوريا، وإضافة إلى ذلك احتضانها لأكثر من 3،5 مليون لاجئ سوري، بينما الدول الأخرى بعيدة جغرافيا عن سوريا.

إنّ كل هذه الاتفاقيات قد لا تنسجم مع مصالح الشعب السوري، ومنها ما سيتم تطبيقه مع دول سببت الأذى الكثير والبالغ للشعب السوري، ولكن القبول بها أمرٌ لا مفر منه، وهذا بالتأكيد لا يعني عدم محاولة تحسينها أو إلغائها حينما تتهيأ الظروف التي تمكّن السوريين من ذلك.

ويجب على السوريين أن يعلموا بأنّ تكاليف إعادة الإعمار هم وأبنائهم وأحفادهم من سيدفع ثمنها، لأن آليات الدعم وتقديم القروض والمنحات من الدول، في غالبيتها تعود بالفائدة على مانحيها وتحقق مصالحهم، وطبعا هذا لا يعني أنها لن تكون في صالح السوريين في أجزاء منها. فلذلك ليس أمام السوريين إلا العمل الجاد ووضع الخطط الصحيحة والطويلة الأمد؛ والتي تراعي مصالح السوريين، وتعطيهم الفرصة في المستقبل لامتلاك زمام المبادرة. الوضع الراهن لا يبشر بالخير، ولا يشير إلى تغير جوهري يؤدي إلى تحقيق أهداف السوريين في الاستقلالية والسيادة. فمن أجل تغيير ذلك يجب أن تجتمع كل القوى الوطنية السورية، وتوحّد عملها وتنظمه على مستوى عالي من أجل تحقيق مستقبل مشرق لبلدهم.

الدعوة للتعامل مع الواقع بعقلانية ليس هزيمة، وكذلك الاعتراف بخسارة جولة أو جولات ليس هزيمة، وإنّما الهزيمة الحقيقية هي عدم الاعتراف بالواقع، وترك السوريين للمجهول دون حماية. وانطلاقا من هذا علينا العمل على مسارين.

المسار الأول: العمل على حماية السوريين في كل مكان، وإبعادهم عن التجاذبات السياسية والمحصصات وعن المتاجرة بهم بين الأطراف المتنازعة والدول المتدخلة، لأنهم يعيشون مأساة كبيرة ولا يملكون رفاهية الانتظار.

المسار الثاني: العمل المنظّم والجاد على تحقيق الحرية والكرامة للشعب السوري في مجتمع تسوده الديمقراطية والمساواة ولو بخطوات صغيرة وبسيطة، لكنها تأخذنا إلى هدف واضح وجلي يقرره الشعب السوري بنفسه.

ومن هنا ندعو كل المختصين والخبراء السوريين على العمل الجاد من أجل إنجاز دراسات متخصصة في هذا الشأن خدمة لبلدهم ومجتمعهم.


جمال قارصلي نائب ألماني سابق من أصل سوري.

 

 

 

طلال عبد الله جاسم باحث وسياسي سوري.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.