النوستالجيا فعل ذهني منكسر أم فعل ثوري؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

تُعرّف النوستالجيا بأنها حنين إلى ماضٍ مثالي. ويصفها الخبراء النفسيون، بأنّها آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية. ضمن هذا التعريف الواضح نستطيع القول، بأن ما يدفعنا للعودة إلى الماضي والشعور العميق اتجاهه، سببه الرئيسي هو الابتعاد عن العلاقات المباشرة وازدياد نسبة الوحدة والاغتراب، إنها حالة إدراك تجاه لا عقلانية الواقع، والابتعاد الكلي عن البيئة التي نشأ الوعي فيها، وتعامل مع كياناتها مكانياً وزمانياً، وبمختلف مستوياتها الروحية والمادية، بخلاف قبولنا أو رفضنا لتلك البيئة.

وبالطبع نسبة النوستالجيا ترتفع كلما تقدم الإنسان في العمر، لأنها تصبح آلية استذكار للحظات ممتعة في التاريخ من أجل أن يستمر الإنسان في الحياة، أو ربما أحياناً محاولة اختفاء عن حقيقة صادمة، وهي الانتهاء الكلي من الوجود، وهنا نتحدث عن اغتراب زماني يخضع له الإنسان القريب من مفهوم الموت. لكن في جانب آخر ترتفع النوستالجيا عندما تصبح حالة اغتراب مكاني بحت. وهي تتمظهر بشكل علني عندما تُجبر على مغادرة البيئة التي نشأت فيها، لذلك فهي ملاحظة بشكل أكبر عند الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات أخرى. ولهذه الحالة جانبان، الأول يرتبط بالقيمة الأخلاقية المجتمعية، والثاني يرتبط بإدراك العالم الخارجي واتساع معرفيته.

نلاحظ كثيراً حالات الحديث عن تاريخ أو مواقف معينة للنسبة الأكبر التي تعيش في مجتمعات أخرى، حيث تكون مختلفة مفهوماتياً وثقافياً عن الشخص المغترب. في تلك المرحلة، يصبح حضور الموقف الأخلاقي للبيئة التي نشأ فيها، تشكّل لديه حالة عاطفيّة ورفضيّة للمجتمع الجديد، فالنوستالجيا هنا لا تكون إلا كحالة رفض قيمة لم يعتد عليها، فبالنسبة إليه تصبح بيئته القديمة هي؛ حضور سهل مقارنة بالمجتمع المتقدّم، لكن هذا الشخص قد يتآلف مع التربية الجديدة وقوانينها الوضعيّة عندما يمارس الاندماج ويصبح جزءاً منه، وبالتالي تصبح النوستالجيا بالنسبة إليه حالة ترف يمكن إظهارها في تجمعات معينة لحياة تاريخية بسيطة ومنغلقة، لأنّه أصلاً مستعد نفسياً للخضوع الاجتماعي الجديد مثلما كان خاضعاً سابقاً لقانون بيئته.

النوستالجيا حالة إدراك تجاه لا عقلانية الواقع، والابتعاد الكلي عن البيئة التي نشأ الوعي فيها، وتعامل مع كياناتها مكانياً وزمانياً، وبمختلف مستوياتها الروحية والمادية، بخلاف قبولنا أو رفضنا لتلك البيئة.

لكن النوستالجيا التي تأتي نتيجة إدراك العالم الخارجي والتواصل مع ثقافاته، هي أشدّ قسوة على الإنسان، لأنه أصلاً رافض لقوانين البيئة القديمة، وبذات الوقت يرغب بمعاصرة البيئة الجديدة وثقافتها دون أن يخضع لقانونها، لأنه منذ أن كان يحيا في بيئته القديمة هو رافض لفكرة أي قانون يحكم عقل الإنسان. إنه يبحث عن علاقة مجردة مع المنجز وليس مع الخضوع المجتمعي، تماماً مثلما كانت علاقته مع بيئته القديمة هي علاقة أقرب للمفهوماتية منها للواقعية.

بمثال بسيط وتقريبي، الصنف الأول، تتجسد النوستالجيا لديه بالتجمهرات العائلية الكبيرة، الطعام، الدعابات المنغلقة ببذاءة جندرية، الإحساس المشبع بالحشمة والتربية، العبادة في دور العبادة كتضرع.. الخ. أما الصنف الثاني فالنوستالجيا لديه تتجسد بالمكان، المدينة كانطباعات ذهنية تاريخية وجمالية، بالعلاقات البسيطة والمحدودة، بالتراث الثقافي، حتى دور العبادة بالنسبة لديه ليست مجالاً للتعبد بمقدار ما هي مجال حيوي للتأمل الجمالي المتصوّف. إنّها نوستالجيا معرفية.

لذلك يكون الإنسان في الحالة الثانية أكثر قلقاً اتجاه نوستالجيته، لأنّها ليست محدودة بقيمة أخلاقية متجسّدة واقعياً. إنّها تتشكل كشعور مسؤول عن تاريخ وتراث يجب أن يستمرّ كمنجز معرفي، وليس كارتباط سياسي أو واقعي.

الفرق الاجتماعي للماضي ضخم جداً، ولا يمكن تحديده بمجال خاص، وهو ما دعاني فعلياً للتفكير بالكتابة عن النوستالجيا. في حديث مع أحد الأشخاص حول الحياة السابقة، تذكرنا سوياً بعض الحكايات القديمة. فحدّثني عن لحظة حنينه عندما كان جده يسلخ خروفاً ويشويه بعد صلاة يوم جمعة، وتجمهر العائلة وضحكاتهم ولعبهم صغاراً مع أبناء عمومته، وفرحه المسيطر عليه في تلك الأثناء. وحدثته بالمقابل عن شعوري المندهش والممتع مع جدتي عندما كانت تقصّ عليّ أسطورتها الشعبية، لماذا على العذراء أن تجمع شعرها المُتساقط بعد الاستحمام ثم تحرقه!، لأنها إذا ما تركته عرضة للرياح أو رمته بمكان عام، ووقع بين يديّ سكان الجن فربما يعشقونها ثم يتزوجونها دون استئذان منها.

كيف يمكن لوعينا وحريتنا أن يحققا ما هو أبعد من اليومي، إذا ما كانت ذاكرتنا وحنينا أصلاً لا يخرج من دائرة المتعة الحسيّة!. وكيف يمكن أن نحقق عدالتنا إذا ما كانت رؤانا وماضينا المقونن لا تتعدى حدود الواقع المادي!.

في أثناء الحديث، وكلانا مغتربان مكانياً، ونشعر بالنوستالجيا، شعرت بالمرارة، وأدركت الفارق بين أن يكون الماضي بالنسبة لنا شكل حسيّ، وبين أن يكون خيالاً ممتعاً، بين أن يكون قيمة تتجسد مادياً وبين أن يكون سحراً غرائبياً.

بالتأكيد؛ لكل شخص رؤيته الخاصة تجاه الحنين، وهو حق طبيعي لكل كيان، لكن الغريب والمؤلم عندما تصبح النوستالجيا شعوراً مجرداً من كل خيال، شعوراً بمتعة ذهنية مبنيّة على واقع حسي فقط. هنا تصبح النوستالجيا جريمة اتجاه ذاتها واتجاه الآخر، لأنها تتخلى عن المعيار الأهم للحياة، بأننا ننتمي إلى ما هو أبعد من المادي المباشر، أو حتى الروحي المصنّم. إننا ننتمي إلى ذاكرة ثقافيّة وتراثيّة دون ربطها بالأرض، ننتمي إلى شكلها الروحي، عوالمها الحكائية، وخيالاتها.

وهنا يعترضنا سؤال ضروري، كيف يمكن لوعينا وحريتنا أن يحققا ما هو أبعد من اليومي، إذا ما كانت ذاكرتنا وحنينا أصلاً لا يخرج من دائرة المتعة الحسيّة!. وكيف يمكن أن نحقق عدالتنا إذا ما كانت رؤانا وماضينا المقونن لا تتعدى حدود الواقع المادي!.

النوستالجيا بطريقة ما، ليست فعلاً منكسراً للذهن، هي بدقة فعل ثوري إذا ما اكتشفنا آلية توجيهه.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل