دمعة على سفح الأمل

الأيام السورية؛ درّة نمورة

وقفتْ أمامَ مرآةٍ عُلِّقتْ فوقَ مغسلةٍ داخلَ الحمّامِ، تنظرُ في صورةِ وجهها الشاحبِ، ودموعها التي انهمرتْ بسخاءٍ، لا تدري كمْ مضى منَ الوقتِ قبل أنْ تسمعَ صوتَ أختها تناديها:

سارة هل أنت بخير؟!

استجمعتْ قواها، فتحتْ البابَ وخرجتْ، وعادتْ إلى مكانها السابق، بجانب جسد أمّها المسجى، كشفتْ وجه أمها وحدقتْ بهِ، كانت بين تجاعيده مئاتُ القصص، قصص كفاح وأسىً، قصص معاناةٍ طالتْ.

ها هي ترى الآن بين تلك التجاعيد ذلك اليوم، عندما خرجوا من ديارهم بغير حق، خرجوا لا يملكون إلا أذرعٍ معدوداتٍ تسترُ أجسادهنَّ، حاملين بين أضلعهنَّ حسرةَ فقدِ الأبِ، ورحيلِ المعيل.

هذا الجسدُ النائمُ بلا حراكٍ كانَ يعج آنذاك بالحياة، ويُغرقها وإخوتها الأطفال ببحرٍ من حنانٍ يموجُ بين ذراعيه، ويخرجُ من ثغرهِ كلماتٍ على بساطتها إلا أنها كانتْ كفيلةً لتسكنُ روعَ الأطفالِ، وتطردَ أشباحَ الموتِ المتراقصة أمامَ أعينهم.

طرفتْ عينُ سارةَ مرسلةً دمعاتٍ تحرق الخدَّ، وكأنها بطرفِ عينها تقلّبُ صفحةً من كتابِ التجاعيدِ لتقرأ وترى قصةً أخرى.

وصلتْ بهم الأم إلى شاطئ الأمانِ، واستأجروا منزلًا بجدرانٍ، كأنها تريد أن تنقضي عليهم كل ليلةٍ لما فيها من وهنٍ، يعلو بيتهم سقفٌ بالكاد يحميهمْ من بردِ الشتاءِ ولهيبِ شمس الصيفِ.

وبدأتْ الأمُّ رحلةَ الكفاحِ والجهاد، نعم الجهادُ في سبيلِ ابنتانِ وصبيٍّ هم الدنيا كلها بعينيها.

وجدتْ أخيرًا عملًا في مخبزٍ شبهُ بدائيٍّ يعملُ بآلتين وبأيادي بعض العاملين فيه.

كانتْ تستيقظُ قبل الفجرِ بقليلٍ فتتوضَّأُ وتناجي ربها قبل أن تصلي فرضها وتتجه إلى عملها، وبالكادِ استطاعتْ أخذَ إذنٍ عندَ السابعة لتعود وتوقظَ بناتها وابنها، وتجهزهمْ لمدرستهم، ثم تودّعهم بقبلاتٍ على الجباه، وابتسامةِ حبِّ تملأُ قلوبهم سعادةً وحبورًا، وتعودُ أدراجها إلى المخبزِ فتكملُ ساعاتِ عملها الطويلْ حتى الساعة الرابعة عصرًا.

اثنتا عشرةَ ساعةً من العملِ كفيلةً برميها على فراشٍ بجانبِ المدفاةِ؛ لترقد ساعةً أو أكثر بقليلٍ قبلَ أنْ تحضِّرَ طعامَ أبنائها، وتراجِعَ واجباتهمْ اليومية.

ثم تقومُ إلى آلةِ الخياطةِ التي اشترتها بعد كدٍّ وتعبٍ لتصلحَ بعضَ ما يأتيها من ملابسِ سكانِ تلكَ البلدةِ، وتأخذُ عليها دراهمَ معدودةٍ تكفيْ لشراءِ خضارِ الطعامِ.

لم تجدْ سارة في هذه الصفحة ما هوَ جديدٌ لتذكرهُ من خلالَ سنواتٍ لاحقةٍ، سوى مرضٍ ينزلُ ضيفَ ذلك الجسدِ بين الفينةِ والأخرى، ونجاحها وأخوتها المتكرر حتى استحقوا دخولَ أفضلِ الفروعِ في الجامعةِ.

بصيصَ أملٍ يلوح في الأفق، عندما قُبلتْ بمكتبٍ هندسيٍّ يملكهُ والدُ زميلها في الجامعة، براتبٍ يكفيْ لأن تريحَ أمها من معاناتها، وتردُّ جزءًا ضئيلًا من جزيلِ عطائها وتضحياتها.

أتراهُ يكونُ أمْ أنه سرابٌ بقيعةٍ يحسبهُ الظمآن ماءْ؟

هي تذكرُ الآن يومها الأول في العملِ، عندما عادت إلى البيتِ تحملها أجنحةَ الشوقِ لتقصّ على والدتها أخبارًا سارَّةً، نعم تذكرُ تمامًا دخولها، نداءها على أمها وعدم استجابةِ أمها لذلك النداء، تذكر تمامًا دخولها الغرفةَ لتجدَ أختها تبكي، أينَ أمي؟!

فتجيبُ أختها بغصةٍ هي في المستشفى.!!

لحظاتٍ مرَّتْ، وكأنها غابتْ عن الوعيْ وتوقفَ عندها الإدراكُ قبلَ أن تعودَ لوعيها وتسأل عن المستشفى، وتسابقُ الريحَ لتصلَ إليها.

غرفةٌ واسعةٌ وعشرُة أَسِرَّةٍ أو يزيد، وعلى أحدها ترقدُ والدتها، ويخرجُ من أنفها أنبوبَ الأوكسجين، ومن ذراعها الخرطوم المغذي.

كان عملها في المخبزِ وتراكم غبارَ الدقيقِ في صدرها كفيلًا بأن يوصلها إلى هنا، ويجعل رئتيها شبهُ عاجزتين عن العملِ.

أيامٌ قليلةٌ، وأعلنتْ مشيئةُ الله انتهاءَ معاناةِ الأمِّ لتلحقَ بزوجها حيثُ لا صخبٍ ولا نصبْ، مخلفةً وراءها مهندسةٍ وطالبة صحافةٍ وطالبَ اقتصادٍ.

رفعتْ سارة رأسها لتنظرَ أمامها فترى أختها وأخيها تخنقهم العبراتُ، أرادتْ أن تعودَ ثانيةً إلى تلك المرآةْ، وقفتْ وخرجت من البابِ لتُفاجأْ بزميلها بلال ابنُ ربِّ عملها يقفُ أمامها وينظرُ بعينيها ويخبرها أنه بجانبها.

لقد تذكرتْ الآن ما كانت سترويه لوالدتها في ذلك اليوم، عادتْ مسرعةً إليها، دنتْ منها وهمستْ في أذنها:

لقد طلبني بلال للزواج، وأعرفُ أنكِ كنتِ تحبينهُ وتتمنيهِ زوجًا لي، وأنا كذلك.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل