قراءة تفصيلية في كتاب: داخل سورية (5/5)

المؤلف: ريز إرليخ.

ترجمة: رامي طوقان.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون/ ط١،ورقية، ٢٠١٥.

إسرائيل وفلسطين وسوريا:

  • (إسرائيل)

في فصل جديد يعود الكاتب ليتحدث عن الموقف الإسرائيلي مما يحصل في سوريا. إنّهم فرحين من المآل الذي وصلت إليه الأوضاع في سوريا. فهم غير حريصين على أن يسقط النظام المستبد السوري، إنّهم يعلنون موقفهم بأن “شيطان تعرفه خير من شيطان لا تعرفه”، وذلك حين التحدث عن بديل نظام الأسد، هم سعيدون لكون الجبهة السورية ساكنة عبر عقود، وعدم جدية النظام في استرداد الجولان، ودمار سوريا والحرب الأهلية فيها، لسان حالهم يقول؛ لنجعل أعداءنا يقتلون بعضهم، ل(إسرائيل) دور في عدم إسقاط النظام، وعدم ضربه بعد استخدامه الكيماوي، وتدمير مخزونه من الأسلحة الكيماوية، واستباحة سمائه وأرضه من (الإسرائيليين) لضرب أي هدف يرونه يضرهم  استراتيجيا، سوريا الضعيفة المتصارعة المدمرة العاجزة عن العيش، المستمرة في الحرب الأهلية، هي أفضل شكل لسوريا كما تريدها (إسرائيل)، هناك توافقات دولية وبرضى (إسرائيلي) على إعادة تعويم النظام السوري بعد أن دمّر البلاد، وشرد نصف الشعب، وقتل وأصاب أكثر من مليون إنسان سوري.

  • (فلسطين)

يرصد الكاتب الموقف الفلسطيني شعباً وقوى سياسية مما يحصل في سوريا، ويجد أنّ الشعب الفلسطيني عموما مع الشعب السوري ومطالبته بحقوقه في مواجهة النظام الاستبدادي، وكذلك قواه السياسيّة ممثلة بالسلطة الفلسطينية وحركة فتح، وإنّ الفلسطينيين يدركون حقيقة النظام السوري منذ اجتاح مخيم تل الزعتر الفلسطيني في لبنان ١٩٧٥م، وبعده الصراع مع ياسر عرفات وطردهم من لبنان، ومحاولة مصادرة الورقة الفلسطينية من قبل النظام السوري. وكذلك موقف حركة حماس التي انتصرت للشعب السوري وحقوقه في مواجهة النظام رغم دعم حركة حماس من النظام السوري وإيران في وقت سابق. لم يستطع الفلسطينيون أن يتجاوزوا محنة السوريين وأصروا على دعم الشعب السوري ولو معنويا، وللعلم كثير من الناشطين الفلسطينيين جزء من الثورة السوريّة، والتأكيد على التضحيات التي قدّمها الشعب الفلسطيني في أغلب المخيمات الفلسطينية في سوريا التي عاش بها عبر عقود، شُردوا كالشعب السوري، ودمرت مناطقهم، وعاشوا اللجوء مرة أخرى.

الحكومة الإسرائيلية فرحة من المآل الذي وصلت إليه الأوضاع في سوريا. فهم غير حريصين على أن يسقط النظام المستبد السوري، إنّهم يعلنون موقفهم بأن شيطان تعرفه خير من شيطان لا تعرفه

أمريكا وروسيا والقوى الخارجية:

  • (أمريكا)

يتابع الكاتب رصد الموقف الأمريكي من الثورة السورية، وأنها كدولة تناصر حق الشعوب في مطالبها الديمقراطية، لكنها وبعد تجربة ليبيا والتدخل الخارجي وسقوط الدولة الليبية لصالح جماعات الإرهاب المتصارعة، جعلت موقفها يتناغم مع الموقف الروسي بإعلان استحالة الحل العسكري، الذي سعى لإعطاء النظام السوري تصريحا أمريكيا ضمنيا أن ينهي الثورة بالطريقة التي يريدها، والذي يعني دخول سورية في نفق الحرب الأهلية والطائفية، وولادة وتوسع الجماعات الإرهابية؛ القاعدة، وداعش، والنصرة، والتي جعلت أمريكا تهتم بمحاربة الإرهاب وترك سورية والسوريين ضحايا أمام آلة النظام القاتلة منه وحلفائه. لم يكن حساب الضحايا بمئات الآلاف ولا حتى المصابين أو ملايين المشردين يعني عند الأمريكان شيئاً، إلا بشكل إغاثي رمزي عليهم أن يقدموا الدعم به، وترك الواقع السوري لتداعيات صراع الدول والقوى على الأرض السورية بدماء السوريين. تناغم الموقف الأمريكي مع الموقف (الإسرائيلي)، بترك السوريين يقتلون بعضهم، والخوف من بدائل النظام السوري على سيئاته قياسا لمصلحة إسرائيل وأمريكا، لذلك تركت أمريكا الحالة السورية تتحرك ذاتيا دون أن تسمح لأي طرف أن ينهي الصراع لصالحه.

إنّ الحالة السورية تظهر في أوائل ٢٠١٤م وكأنها صراع يستمر للأبد. وإنّ المسار السياسي الذي يراوح مكانه خير بديل عن فعل حقيقي لحل المشكلة السورية حيث لا يريده أحد أن ينتهي وخاصة أمريكا وإسرائيل.

  • (روسيا)

لم تكن سوريا يوما خارج اهتمام روسيا، فهي جزء من حلفها سابقاً أيام الاتحاد السوفيتي، وعادت بعد عودة روسيا بقوتها في عهد بوتين لتكن سورية متحالفة مع روسيا وبينهما مصالح عسكريّة وسياسيّة، وعندما حصل الربيع العربي أدرك الروس خطأهم؛ عندما تركوا ليبيا للغرب، وأسقطوا نظاما كان حليفا لها، لذلك رفضوا أن يمرروا أي قرار دولي ضد النظام السوري، عبر الفيتو الدائم من روسيا، وكذلك قدّمت روسيا بالتحالف مع إيران جميع أشكال الدعم العسكري وفي كل المجلات لمنع إسقاط النظام السوري، ثم لتقويته ليستردّ الكثير مما خسر من مساحة سوريا. روسيا تعتبر النظام السوري حليفاً استراتيجياً لذلك منعت إسقاطه، وتعمل على إعادة تأهيله مجددا. إنّ عمل روسيا يتناغم مع عمل أمريكا و(إسرائيل)، ولو أن لكل منهم مبرراته المختلفة.

الدول الأوربية والعربية الخليجية:

كانت مواقف الدول الأوروبية في القضية السورية تابعة لأمريكا في أغلب مواقفها، ولم يتجاوز دورها المساعدة والدعم الإنساني والإغاثي، وحماية نفسها من طوفان اللاجئين السوريين راكبين بحار الموت، أو امتداد الجماعات الإرهابية داخلها، القاعدة وداعش، كانت أوربا شاهدة زور على مأساة السوريين، همّها كيف تحمي نفسها من الوباء السوري، للأسف.

لم تكن سوريا يوما خارج اهتمام روسيا، فهي جزء من حلفها سابقاً أيام الاتحاد السوفيتي، وعادت بعد عودة روسيا بقوتها في عهد بوتين لتكن سورية متحالفة مع روسيا وبينهما مصالح عسكريّة وسياسيّة

أما الدول العربية الخليجية خاصة فقد كانت حليفة للثورة والثوار من موقع المصالح؛ حيث الحرب على نظام حليف لإيران، وليس انتصاراً لمطالب السوريين المحقة، لكن لا بدّ من القول؛ إنّ حدود الدعم لم يتجاوز جعل الثوار يستمرون بالصراع دون قدرة الانتصار، ودعم السياسيين ليجدوا منابر يتحدثون فيها، وفرصة لترديد ما يعتقدون أنّه الحل الأمثل، لقد ساهمت الدول العربية بتجهيز المسرح ومساعدة الأطراف أن يقدموا أدوارهم في مسرحية قتل السوريين وتشريدهم وتدمير بلدهم. يدا بيد مع النظام وحلفائه وأمريكا والعالم أجمع.

أخيراً؛

لا بدّ من القول؛ إننا أمام كتاب مهم جدا يكاد يكون تأريخاً للقضية السورية عبر قرن حتى تاريخ ٢٠١٤م، وأنه غطى تقريبا وبأمانة أدوار كل الأطراف في القضية السورية، لكن ما لفت نظرنا غياب الحديث عن البنية العميقة للنظام السوري، من حيث عمقه الطائفي، من أيام الفرنسيين والتجنيد للأقليات ومنهم العلويين، الالتحاق بالجيش من قبل العلويين سواء كجنود أو صف ضباط وضباط، كيف ركب الضباط العلويون حزب البعث واستثمروه سياسيا؟ وكيف استحوذوا على السلطة في عام ١٩٦٦، ثم كيف أصبح حافظ الأسد القائد العسكري المطلق لسوريا منذ ١٩٧٠ حتى ٢٠٠٠م، وكيف استمر ابنه بعده للآن مطلع ٢٠١٩م، كيف تغلغل النظام ببنيته الطائفية في الجيش والأمن عبر عقود، وكيف استحوذ أخيراً على أغلب مفاصل الدولة، وكيف أصبح الحكم عائلياً.

كان يجب أن يتضمن إضاءة حول التركيبة الطائفية للنظام حتى يكتمل الكتاب، ويتحوّل لوثيقة مرجعية عن سوريا عبر قرن وخاصة في فترة ثورتها الحالية بعد عام ٢٠١١م.

مرة أخرى؛ الشعب السوري يستحق أن يعيش إنسانيته، وينتصر لحريته وكرامته وحقه بالعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل، لأن هذا حقه، ولو تكاتف العالم كله ضده.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.