تعديل قانون الأحوال الشخصية هل كان جذرياً أم سطحياً؟

الأيام السورية؛ داريا الحسين

بعد مضي 66 عاماً على صدور قانون الأحوال الشخصية في سوريا، أصدر بشار الأسد مرسوماً يقضي بتعديل بعض المواد والأحكام في قانون الأحوال الشخصية، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953وتعديلاته، وإضافة مواد أخرى له.

حمل القانون الجديد رقم 4 لعام 2019، وتحدَّث عن عقود الزواج وما يترتّب عليها، وكذلك مسألة الإرث عند الزوجين، وحالات الطلاق، حق الحضانة للأم من ثَمَّ إلى الأب، بعد أن كانت الحضانة تنتقل مباشرة من الأم إلى أم الأم.

وأعطت التعديلات الجديدة المرأة حقَّها في العمل ورفضها الإقامة مع زوجة ثانية، كما شملت التعديلات اعتماد البصمة الوراثية “DNA” لإثبات نسب الأطفال، وتمكن الفتاة التي تبلغ 18 عاماً من تزويج نفسها في حال لم يوافق ولي أمرها.

تضمنت التعديلات الجديدة أيضاً رفع سن الزواج إلى 18 عاماً بعد أن كان 17.

وأتاحت للزوجين حق طلب التفريق عند وجود العلل المانعة.

تعديلات متناقضة وأخطاء فادحة تنافي الشرع والقانون:

حسين محمد الحسن-إنترنت

القاضي والباحث في القانون السوري حسين محمد الحسن قال لصحيفة الأيام: لم أرَ في القانون رقم 4 لعام 2019 الذي عدل القانون رقم 59 لعام 1953، أي تغييرات جوهرية، جميعها تغيرات سطحية جداً.

وأضاف: عام 2009 طُرحَ تغيير قانون الأحوال الشخصية وعُرضَ المشروع، وكان فيه تعديلات جوهرية كبيرة لكنه لم يرَ النور.

وعن تعديل شروط عقد الزواج، قارن الحسن بين القانون القديم والمعدّل، فقال: المادة 14 من القانون 59 (القديم): إذا قيد عقد الزواج بشرط ينافي نظامه الشرعي أو ينافي مقاصده، ويلتزم فيه ما هو محظور شرعاً كان الشرط باطلاً والعقد صحيحاً.

والفقرة الثانية تقول: وإذا قيد بشرط يلتزم فيه للمرأة مصلحة غير محظورة شرعاً ولا تمس حقوق غيرها، ولا تقيّد حرية الزوج في أعماله الخاصة المشروعة كان الشرط صحيحاً ملزماً.

أمّا المادة 14 في القانون الجديد، أي القانون رقم 4 (المعدلة): فتقول الفقرة الأول: لكل من الزوج والزوجة أن يقيد عقد الزوج بشروطه الخاصة التي لا تخالف الشرع والقانون.

وتؤكّد الفقرة الثانية أنّه: إذا قيد العقد بشرط ينافي النظام الشرعي أو مقاصده، فالشرط باطل والعقد صحيح.

وخلص الحسن إلى أنّ الجديد في المادة 128 (القانون رقم 4 الجديد) هو البصمة الوراثية(تحليل(DNA . إذ لم يكن هذا معترفٌ به سابقاً في القانون 59 القديم، وبنفس الوقت موضوع البصمة الوراثية وإثبات النسب فيه تستخدم فقط خارج نطاق الزوجية، أي أن الزوجين فيما بينهم لا يستطيعان أن يدّعيا على بعضهما في موضوع النسب، ويثبتا البصمة الوراثية، طالما يوجد عقد زواج هذا الولد للزوجين أي نسبه واضح، مثل ما تقول القاعدة الفقهية: الولد للفراش.

حسين محمد الحسن: لم أرى في القانون رقم 4 الجديد أي تغيرات جوهرية، جميعها تغيرات سطحية جداً

وبالنسبة لسن الزواج، فإنّ المادة 19 من القانون 59(القديم) تقول: تكتمل أهلية الزواج عند الفتى في تمام الثامنة عشرة، والفتاة بتمام السابعة عشر من العمر.

أمّا القانون الجديد فيقول: تكتمل أهلية الزوج في الفتى والفتاة في بلوغ الثامنة عشر من العمر، أي رفع سن الفتاة سنة واحدة فقط.

وبالنسبة لقضية تزويج الفتاة نفسها، لفت الحسن إلى أنّ هذا موجود في النص القديم بشرط أن يكون هناك تعند من الأب، حينها ترفع أمرها لقاضي والقاضي يبلغ الولي، وإذا لم يرَ  أسباباً واضحة، ولم يحضر الأب يقوم القاضي حينها بتزويجها، أما أن تزوج الفتاة نفسها في عمر الثامنة عشر فهذا ليس موجود في القانون الجديد.

المادة 18 من القانون الجديد، تقول: إذا ادّعى المراهق أو المراهقة البلوغ بعد إكمال سن الخامسة عشر عاماً وطلبا الزواج يأذن القاضي لهما.

صحيحٌ أنّ القانون الجديد حدد أهلية الزواج في سن الثامنة عشر لكن عملياً ترك القرار للقاضي، حبذا لو بقي على الفقرة الأولى ومنع الزواج حتى سن الثامنة عشر.

أمّا الشيء الجديد الذي أتى به القانون رقم 4 فكان وفق الحسن بما يخصّ ترتيب الحضانة.

وفي القانون القديم كان ترتيب الحضانة للمحضون للأم، ويأتي بعدها والدة الأم في حال أنها تزوجت، أما القانون الجديد ينص على نقل الحضانة من الأم للأب، وهي خطوة جيدة.

القانون الجديد وقع بأخطاء فادحة، المادة 12 منه تقول: يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين مسلمين عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما، وفي الفقرة الثالثة من نفس المادة يقول يجوز أن يكون أحد الشهود من دين الزوجة.

الفقرة الرابعة من نفس المادة: تقول يجوز شهادة أصول أو فروع الزوجين، وهذا خرق لمبدأ أصول المحاكمات وقانون الإثبات، إنه لا يجوز شهادة الأصل للفرع والفرع للأصل، فقام القانون الجديد بإعطاء الفرع بأن يشهد للأصل، أو الأصل يشهد للفرع.

خطأ آخر وقع فيه التعديل، المادة 100 التي نصّت على أن يعدّ الخلع فسخاً لا طلاقاً ولا يحسب من عدد الطلقات، هذا خطأ ينافي الشرع والقانون.

واعتبر الحسن أنّ نظام الأسد من عام 1970 ولغاية الآن يعتمد على إصدار وتطويع القوانين لمصلحته وحمايته، بدل أن تكون هذه القوانين لمصلحة الشخص وحماية الشعب، ومن عام 1970 يحرص على أن يكون مجلس الشعب على شاكلته، لم نسمع من مجلس الشعب أن يقول لا على أي قانون يصدره النظام.

وأضاف: برأي أن النظام أصدر هذا القانون من أجل أن يوحي للعالم أنه ينتقل إلى الدولة المدنية أو هكذا يعتقد، وإلا  لا يوجد أي تغير جوهري في هذا القانون.

هدف التعديلات هدفها إظهار النظام بأنّه نظام ديمقراطي مدني يؤمن بحقوق الإنسان وحقوق المرأة: 

جميلة صادق-فيسبوك

وجهةُ نظر الحسين تطابقت مع ما رأته الناشطة الحقوقية جميلة صادق، إذ اعتبرت أنّ إصدار تشريعات أو قوانين جديدة أو تعديلها في ظل الظروف الطبيعية أمر منطقي وضروري بما يخدم تطور المجتمع والدولة.

أما وأنّنا نعاني أساساً من مشكلة عدم شرعية هذا (النظام )، يضاف إلى ذلك سلبه السلطة التشريعية و القضائية، والتنفيذية، تصبح مناقشة أية تعديلات في القوانين ليست ذات معنى”.

يضاف إلى ذلك ما قام به النظام من جرائم قتل وحشية، واستخدامه لأسوأ أنواع الأسلحة الكيماوية (السارين)، واعتقاله الآلاف وتهجير الملايين وتدمير  كارثي للممتلكات.

جميلة صادق: تحية لكل امرأة حرة وقفت في وجه الديكتاتور والسفاح

وتضيف الأستاذة جميلة: “كل الأعمال التي يقوم بها النظام كـ (تعديل قانون الأحوال الشخصية) وغيرها. يحاول أن يظهر من خلالها بأنه (نظام ديمقراطي مدني يؤمن بحقوق الإنسان وحقوق المرأة) وبالتحديد أمام (الدول الغربية)، وهذا لم يعد يفوت على أحد”.

تتابع السيدة جميلة: “نحن لدينا ومنذ زمن بعيد قانون للأحوال الشخصية وجرت مناقشته طويلاً (بعيد عن النظام) ولم نكن ننتظر  النظام أن يمنحنا ذلك.”.

“النساء اللواتي قتلهن النظام واغتصبهن واعتقلهن و هجرهن و جوّعهن، هم الأجدى وأصحاب الحق في المشاركة في إصدار القوانين الخاصة بهن و ليس(قاتل المرأة).

استخدام ال DNA لتحديد النسب، أمر إيجابي ومهم جداً:

صباح حلاق-فيسبوك

الناشطة صباح حلّاق قيّمت القانون من وجهة نظرها، متّفقةً في الجوانب القانونية مع وجهة نظر القاضي حسين الحسين، دون أن تذهب في رأيها للحديث عن توقيت هكذا قوانين، إذ تقول: “التعديلات التي جرت على قانون الأحول الشخصية عموماً كان فيها بعض الإيجابيات ولكن هي بالأساس كانت موجودة، منها أنّ المرأة تستطيع أن تضع في شروط العقد أن تستمر  في عملها، وتتابع تعليمها، ويكون لها ميزانية مالية خاصة بها.

أما شرط الزوجة الثانية هذا يخالف المواد بقانون تعدد الزوجات، وهي فقط يحق لها الطلاق في حال خالف الزوج هذا الشرط، وهي لا تستطيع أن تفرض عليه عدم تعدد الزوجات لأن شروط العقد قائمة إذا تناسبت مع مواد القانون”.

وفيما يخص استخدام ال DNA لتحديد النسب، ترى السيدة صباح أنه أمر إيجابي ومهم جداً وأنّه تطور.

صباح حلاق: قضية الأرامل والولاية لم تكن ذات فائدة إذ أنها بقيت مشروطة بعدم وجود أي رجل من عصبة الزوج (وهم كثر)

وحول موضوع تزويج المرأة نفسها تقول الأستاذة صباح: “مسألة تزويج المرأة نفسها تكون إذا لم يوافق ولي الأمر على الزواج واستمع القاضي لأسبابه، ولم تكن مقنعة فيصبح مسألة تثبيت هذا الزواج أو القبول فيه لها علاقة بتقدير القاضي، وهذه المسألة ليست صحيحة، إذ أن الولاية تبقى قائمة للولي ولقناعة القاضي فيما بعد، وليست حق مشروعاً للفتاة يمنحها حرية اختيار الزواج بعد سن الثامنة عشر”.

تضيف السيدة صباح: “مسألة رفض الإقامة مع الزوجة الثانية لم تحل مشكلة حق تعدد الزوجات، وبالأساس تستطيع الزوجة وضعها في شروط العقد، وهذه المسائل كانت موجودة بالقانون السابق ولكنها لم تكن مطبقة.

أيضاً قضية الأرامل والولاية لم تكن ذات فائدة إذ أنها بقيت مشروطة بعدم وجود أي رجل من عصبة الزوج (وهم كثر). والحالات التي يمكن للمرأة فيها أن تستفيد بالولاية قليلة جداً.

ورصدت الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي اختلافاً بالرأي بين سوريين علّقوا على الموضوع، فالبعض رأى أن التعديلات جيدة وفيها انتصار وإنصاف للمرأة السورية، واعتبر البعض الآخر أن النظام يحاول أن يظهر للعالم اهتماماته بالمرأة والطفل من أجل تجميل صورته أمام الغرب، وأكّد آخرون أنّ التعديلات خيّبت آمال السيدات السوريات اللواتي كنّ يأملن بتعديلات جديدة تمكن المرأة من ضمان حقوقها بشكل أكبر، كتعديل قانون النفقة، ووضع قوانين تمكن المرأة  من منح الجنسية لأولادها، وإيجاد قانون ينصفها، وغيرها من المسائل الأخرى التي تفتقدها المرأة السورية.

 ولم يقتصر الأمر هنا فقد كان للعلمانيين والإسلاميين، رأيهم أيضاً بموضوع التعديلات، بعضهم اعتبر أن التعديلات تمس الشريعة الإسلامية ويجب التراجع عنها سريعاً، فيما طالب البعض نظام الأسد بإجراء تعديلات جذرية من أجل تحقيق العلمانية بشكل كامل في سوريا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل