الخيارات الأخلاقية.. عندما يذهب الصحفيون إلى الحرب(2/5)

0

اعداد: آيدان وايت

ترجمة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين

الاحترافية والوطنية:

يكون الصحفيون الذين يعملون في مناطق النزاع أو قربها شهود عيانٍ على العواقب الكارثية والمتوحشة للحرب، ولذلك فهم نادراً ما يروجون طويلاً للدعايات المبنية على المفاهيم الملفقة من وطنيةٍ رومنسية أو أحلافٍ قبلية.

الإعلاميون الذين يمعنون في الصراخ عالياً ومن دون خوف؛ هم في الغالب أولئك الذين يقدمون البرامج ويكتبون المقالات من دون أن يبرحوا مكاتبهم الآمنة الوثيرة.

إبّان الحروب العرقية والنزاعات الإقليمية التي نشبت في يوغسلافيا السابقة حيث ناصرت القنوات التابعة للحكومة – كمحطة تلفزيون وراديو صربيا – الحرب، أو كما هو حاصل الآن في النزاع الروسي الأوكراني (حيث تحضر في الذهن قناة روسيا اليوم) فإن بعض وسائل الإعلام تخلّت عن مجرد ادّعاء الحيادية وأصبحت تهلّل للمواجهة المسلحة.

في جوٍّ مشحونٍ كهذا تجهد الحكومات لتجنيد الكلّ – بمن فيهم الصحفيين – لأجل قضيةٍ وطنية مشحونة بالمشاعر الجياشة. إنه لمناخٌ مملوءٌ في الغالب بالكره والمشاعر الهائجة.

لكن لا يصحّ أن تُختَطَف الصحافة لصالح الصور النمطية والدعاية. العمل الصحفي الأخلاقي يجب أن يصور الأحداث والناس في سياق شامل، فيتجنب التقابلات الحدّية التي تفضّلها الحكومات من خلال رؤيتها للنزاع في صورة الأبيض والأسود.

الإعلاميون الذين يمعنون في الصراخ عالياً ومن دون خوف؛ هم في الغالب أولئك الذين يقدمون البرامج ويكتبون المقالات من دون أن يبرحوا مكاتبهم الآمنة الوثيرة.

من جهةٍ ثانية، فالمراسلة الصحفية من الميدان من الممكن أن تفرض على الصحفيين صراع مصلحيّ شخصي. فقد يرتبك الصحفيون عندما يواجهون استحقاق الدافع المشروع في داخلهم لكي يذودوا عن مجتمعهم وثقافتهم.

لكن دور الصحفيين أساساً هو أن يزودوا الجمهور بمعلوماتٍ قائمة على الحقائق، وأن يظهروا الجانب الإنساني من عملهم، وأن يجهدوا لإيصال الحقائق التي يجب أن تصل، حتى وإن أزعجوا قادتهم السياسيين في الأثناء.

إن الصحفيين بعيدي النظر والأخلاقيين لهم مواطنون صالحون. إنهم يُظهرون وطنيتهم بالقيام بعملهم باحترافية، ويدركون أن نضالهم من أجل الحقيقة يصبّ في مصلحة بلدهم ومجتمعهم.

هذا هو واقع الحال منذ أن لبس أوائل المراسلين الحربيين المعروفين في التاريخ بزاتهم لكي ينقلوا أخبار حربٍ قديمة دارت حول شبه جزيرة القرم في أواسط القرن التاسع عشر. لكن نقل أخبار الحروب لم يكن يوماً سهلاً. فالحقيقة كما أشار المحرر السابق لصحيفة صندي تايمز هارولد إيفانز تُدفن تحت الأنقاض التي تتركها الحرب وفي معمعة الدعاية التي تهدف لتجييش مشاعر الحشود. ولن يكون هناك وقت لغربلة الرماد بحثاً عن الحقيقة إلا بعد نهاية النزاع، كما يقول إيفانز.

ولكن فيليب نايتلي، صاحب كتاب “الإصابة الأولى” الذي حصد العديد من الجوائز، يحذّر في طبعةٍ محدّثة من كتابه الذي يدرس تاريخ التغطية الإعلامية للحروب والنزاعات، من أن الأمر قد يصبح أسوأ من ذلك. يقول نايتلي:

“الحقيقة المرة هي أن الدعاية الحكومية في الألفية الجديدة تجهّز المواطنين للحرب بمهارةٍ فائقة بحيث يغدو المواطنون أنفسهم غير راغبين بالحصول على التغطية الصادقة والمحايدة والمتّزنة التي يكدّ مراسلو الحروب الصالحين لكي يقدّموها.”

إن الصحفيين بعيدي النظر والأخلاقيين لهم مواطنون صالحون. إنهم يُظهرون وطنيتهم بالقيام بعملهم باحترافية، ويدركون أن نضالهم من أجل الحقيقة يصبّ في مصلحة بلدهم ومجتمعهم.

وبعد وقتٍ قصير من كتابته لهذه الكلمات، أتت حرب العراق عام 2003 لتثبت صحة ما قال. فنظام التحكم الأمريكي البريطاني الذي تم وضعه لضبط الاتصالات نجح في تصميم آلية لمرافقة الصحفيين للجيش بحيث تتمكن وسائل الإعلام من الوصول للحدث بشكل مباشر ولكن بطريقة تضمن بقاءها تحت المراقبة الحثيثة من قبل الجيش.

وهكذا ساعد حضور 600 صحفي رافقوا القوات المهاجمة الجيش الأمريكي كي يوسّع منظور الصورة والرؤية الدرامية لمسرح المعركة، لكن الجيش لم يقدم سوى القليل من الشرح الذي يساعد في فهم حقيقة الأمور. فقد تعرضت المعلومات لعملية فلترة دقيقة ومعالجة قبل أن تصل بالقطّارة للصحفيين. كانت هناك حدود للحقائق والسياقات التي تتم مشاركتها، وكانت الأكاذيب جزءاً لا يتجزأ من الحزمة التي قُدّمت للصحفيين. وعندما كانت القوات تتراجع كان الجيش يغطّي على الموضوع. لقد خطط الجيش بحذر للمواضيع التي يمكن مناقشتها مع المراسلين، ولوى عنق المعلومات بطريقة كي تبدو كما لو أنها تعكس الواقع الذي يرويه الجنود في أرض المعركة.

لقد كان البديل الوحيد لهذه الرؤية المعلّبة للنزاع التي قدمها خبراء الاتصالات الحكوميون هو ما قام به حوالي ألفي صحفي مستقلين أو “فرادى” كانوا موزعين على امتداد الأراضي العراقية؛ باحثين عن قصص من شأنها أن تساعد في فهم حقيقة الحرب. لكن البعض منهم دفع ثمناً غالياً.


المقال هو جزء من كتاب (تغطية النزاعات في عصر الهواتف الذكية) الصادر عام 2016 والمنشور على موقع شبكة الصحافة الأخلاقية.

تم النشر بالتنسيق مع موقع ميثاق “شرف” للإعلامين السوريين.

مصدر الميثاق
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!