ماذا لوّ

0
الأيام السورية؛ سمير سعيفان

عادةً نردّد المثل القائل: “من زرع اللو حصد ياريت”، لكن ورغم ذلك فسؤال “لو” مفيد لاستخلاص الدروس والعبر من أحداث خَلَتْ ولا يمكن إعادتها، وضمن هذا المنطق نسأل:

ماذا لو لم يحصل في سوريا ما يحصل منذ 2011؟

لو لم تشهد سوريا هذه السنوات العجاف منذ 2011 وحتى الآن، لكنّا تجنبنا نحن السوريين كل هذا الموت وهذا الدمار المادي والمجتمعي، ولكانت سوريا استمرت في الطريق الذي سلكته قبل 2011، مع ميل نحو الانحدار، لأنّ الأسس التي أديرت بها البلاد والمصالح المسيطرة للطبقات الحاكمة والعقلية، والإدارة الضعيفة والفاسدة لن تؤدي إلّا إلى هذه النتائج.

كانت سياسة الانفتاح على الطريقة السورية ستستمر، وهي نسخة سورية من السياسة الليبرالية، وكان المسؤولون مسرورين بتعليقات وفد صندوق النقد الدولي عندما كان يأتي لمراجعة الأوضاع النقدية والمالية لسوريا بحسب المادة الرابعة من اتفاقية الصندوق، والذي كان يردّد: إنَّ سوريا تطبّق إجراءات برنامج البنك الدولي طوعًا دون إبرام اتفاق ملزم معه.

وقد تسارعت هذه الإجراءات الليبرالية السورية بعد سنة 2005، وبدأت آثارها الاقتصادية بالتزايد، وكانت نتيجتها أن حرّضت الاستهلاك بدلًا من الإنتاج، وزادت الاستيراد بأسرع من زيادة الصادرات، وكان توسع القطاعات الخدمية الريعية سيستمر مقابل إهمال الصناعة والزراعة، وهما القطاعان المنتجان الرئيسيان في سوريا، وسيستمر رفض إصلاح القطاع العام ليبقى “بالوعة” تهدر ثروة البلاد ونهبًا للمتنفذين.

كان سيستمر تراجع إنتاج النفط مقابل تزايد استهلاكه، وتراجع قيمة الفائض منه، وسيستمر تدهور التعليم الحكومي بكافة مراحله مقابل نمو التعليم الخاص المدفوع، وتدهور خدمات الصحة الحكومية مقابل توسع القطاع الخاص مرتفع التكلفة، وتزايد أزمات مياه الشرب وأزمة السكن لمحدودي الدخل، مع التوجه للنشاط العقاري للأغنياء.

وسيزيد العجز عن رفع معدلات الأجور لتقابل تزايد تكاليف المعيشة، مما يزيد معدلات الفقر التي بلغت سنة 2010 نحو 32% من الأسر السورية.

وسيستمر الفساد بمعدلات مرتفعة دون معالجة، وسيستمر القضاء فضاءً لضياع حقوق الضعفاء. كل هذا مع عجز عن خلق فرص عمل للقادمين الجدد إلى سوق العمل، مما سيرفع معدلات البطالة ومعدلات الهجرة للخارج، وسيزيد العجز عن رفع معدلات الأجور لتقابل تزايد تكاليف المعيشة، مما يزيد معدلات الفقر التي بلغت سنة 2010 نحو 32% من الأسر السورية.

ستستمر سيطرة رأسمالية تلوذ بالسلطة، وسيستمر توجيه السياسة الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم مصالحهاعلى حساب المصالح العامة للسوريين. وسيزداد اتساع التفاوت في الدخل والثروة بين جموع الشعب ونخبة الأغنياء. وسيزداد استغلال قوى الإسلام السياسي التي تعمل تحت الأرض لهذه الأوضاع، وستوسع نفوذها المعادي للسلطة في قلب المجتمع، هذا النفوذ الذي كان يتوسع باستمرار، وستستمر السلطة في غض طرفها اتقاءً لإثارتها، مقابل لجم نمو أي قوى مدنية مستنيرة.

سيستمر مجلس الشعب والنقابات وأحزاب الجبهة هياكلًا عظميةً بدون أي دور وأي فائدة، وسيستمر صوت الشعب مكتومًا بدون تنظيمات سياسية ونقابية تعبر عن مصالحه، وبدون حريات عامة.

وسيستمر دور أجهزة الأمن بالتّغول لمواجهة أي انفجار قد تخلقه هذه الأوضاع المتردية. وستزيد تركيا من سيطرتها الاقتصادية على سوريا، بينما تزيد إيران من نفوذها السياسي.

سينمو انتشار الانترنت ووسائل التواصل، وسيتزايد اطلاع المواطن عما يوجد في العالم من تقدّم وازدهار وحريات وكرامة، وسيقيم المقارنات، وسيتراكم غضبه مما سيصيبه بجلطات دماغية، وتنضج شروط الانفجار.

لو تخلت السلطة عن عنجهيتها، ولم تستمع لنصائح إيران القاتلة، وأدركت الخطر الداهم منذ انفجار تونس نهاية 2010 ثم انتقال النار إلى مصر وليبا في كانون الثاني وشباط 2011، و سارعت قبل 18 آذار 2011 وطرحت برنامجًا يقدم وعدًا بمعالجة هذه الظواهر التي عددناها أعلاه، أو حتى لو استدركت بعد 18 آذار 2018 واستمعت لكثير من النصح المخلّص، وطرحت مثل هذا البرنامج المحدد بخطواته وتوقيتاته، لاجتمعت كل القوى الخيرة داخل سوريا وخارجها تدعم برنامجها، ولقطعت الطريق على المتربصين بسوريا، الذين استغلوا الأوضاع للتدخل والمساهمة بتخريبها، ولكانت سوريا تجنبت الكارثة، ولشهدت نهضة اقتصادية وعمرانية واجتماعية وسياسية، ولكانت الآن في حال يغيظ أعداءها ويسرّ أصدقاءها،

لكن من زرع ال “لو” حصد “يا ريت”.


سمير سعيفان: مستشار وخبير اقتصادي سوري، نال إجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة حلب سنة 1974،  ودبلوم دراسات عليا في الاقتصاد المالي من المعهد العالي التقني في ألمانيا 1987، وله عدة كتب.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!