الخيارات الأخلاقية… عندما يذهب الصحفيون إلى الحرب (1/5)

0

آيدان وايت

ترجمة: ميثاق شرف للإعلاميين السوريين 

مقدمة

العالم اليوم هو حقاً أكثر أمناً مما كان عليه في أيّ وقتٍ مضى. صحيحٌ أنّ إحصائيات الحروب في سوريا والعراق مهولةٌ من حيث عدد الضحايا، لكن أعداد قتلى الصراعات المسلحة على مستوى العالم تبقى دون مستوى العقود السابقة. فحرب فيتنام لوحدها على سبيل المثال أدّت لمقتل مليوني شخص. وفي ثمانينيات القرن الماضي أدّت ثمان سنين من النزاع بين إيران والعراق لسقوط نصف مليون قتيل. وقد فاقت أعداد القتلى جرّاء عمليات التطهير العرقي والحروب الأهلية في إفريقيا، والبلقان، وسريلانكا في تسعينيات القرن الماضي المليون إنسان.

ولكن رغم ما قيل أعلاه، ما زالت أنباء الحروب والإرهاب تتصدر عناوين الأخبار. فنشرات الأخبار ما برحت وبشكلٍ روتيني تبثّ أخبار العنف والنزاعات في سوريا، والعراق، ومناطق أخرى. وقد تخطو خطوةً أبعد فتعرّج على الاضطرابات في أوكرانيا، وميانمار، والمناطق الحدودية المتوترة في كل من الهند، وباكستان، وأفغانستان.

وبفضل ثورة الاتصالات أصبح العالم أفضل تواصلاً، وصار الناس أكثر اطلاعاً على مجريات الأمور على خطوط القتال في الحروب، ولكنهم إلى ذلك ما يزالون يعانون من أجل الوصول إلى معلوماتٍ محايدة وموثوقة في وقتٍ تمتلئ فيه أجندات الأخبار بالتعصب وكل ما من شأنه أن يسعّر الحرب أكثر.

تُخاض حروب الإعلام في كل مكان على امتداد ساحة المعلومات الكونية، وينتج عن ذلك ضغوطاتٍ شديدة على المراسلين والمحررين لكي يأخذوا هذا الموقف أو ذاك.

تُخاض حروب الإعلام في كل مكان على امتداد ساحة المعلومات الكونية، وينتج عن ذلك ضغوطاتٍ شديدة على المراسلين والمحررين لكي يأخذوا هذا الموقف أو ذاك.

الإرهابيون المحترفون للإعلام يتسللون خلسةً في الشبكات الاجتماعية، كما أن الحكومات توظف جيوشاً من أبواق الدعاية المنتشرين عبر الإنترنت.

لا غرو إذاً؛ إنّ نقل أخبار الصراعات يشكّل التحدي الأخلاقي الأكبر للصحفيين. إذ ليس من السهل مجاراة المعايير الاحترافية العليا في ظلّ وجود العديد من النماذج الصادمة للإخفاق الإعلامي، بل والتواطؤ في أعمال العنف والهمجية كما ظهر من خلال الإبادة العرقية في رواندا، وفي حرب البلقان، أو كما تجلّى من خلال الدعاية الفجة التي أحاطت بالصراع الأوكراني.

رغم كل ما قيل، ينبغي على الصحفيين أن يفعلوا ما بوسعهم لتجنّب خطاب الكراهية والنأي بأنفسهم عن تغطية الحروب بطريقةٍ تزكي نارها. لكن كيف ينجزون ذلك عندما يكونون هم أنفسهم عرضةً للفح لهيب الحرب؟

تؤكّد “شبكة الصحافة الأخلاقية” ـ التي تهدف إلى تعزيز مقدرة الإعلاميين على العمل بأسلوبٍ إنسانيّ منصف ودقيق ـ أنّ الناس في أوقات الحروب تكون حاجتهم أكبر للمعلومات الموثوقة. فالصحافة المتسمة بالجودة تعتبر أمراً حيوياً للناس من أجل:

ـ فهم أفضل لجذور وواقع النزاع.

ـ خلق فضاء معلوماتي يساعد على الحوار.

ـ توفير السياقات والتحليلات التي من شأنها أن تفتح الباب من أجل المصالحة والسلام.

الإرهابيون المحترفون للإعلام يتسللون خلسةً في الشبكات الاجتماعية، كما أن الحكومات توظف جيوشاً من أبواق الدعاية المنتشرين عبر الإنترنت.

لن يكون بمقدور الناس إطلاق الأحكام والتأثير ربما في سياق الأحداث عن طريق دعم النزاع أو التوقف عن دعمه من دون وجود جهد صحفي دقيق وحساس يلقي بالضوء على طريقة تفكير كل طرف من أطراف النزاع.

ولكن في أوقات الحرب تنخرط كل الأطراف في النزاع من دون أي إحساس بالتوازن، إذ لن يجد أياً منهم من التجرد ما يدفعه لتفهّم أن الطرف الآخر مثلاً يؤمن بأن قضيته عادلة، أو أن يقرّ بشجاعة جنود العدو. وهكذا يتجرد الكل من الإنصاف والحياد ويلجؤون للدعاية والأكاذيب للنيل من سمعة العدو قيادةً وشعباً. الصحفيون معنيّون بمواجهة هذا التهديد.

 


آيدان وايت: مدير شبكة الصحافة الأخلاقية EJN. عمل كصحفي بالعديد من الصحف البريطانية، بما في ذلك Birmingham Evening Mail و The Financial Times و The Guardian، قبل أن يتولى منصب الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين من سنة 1987 إلى سنة 2011 . ثم أسس في عام 2012 شبكة الصحافة الأخلاقية. وقد كتب على نطاق واسع عن قضايا حقوق الإنسان وأخلاقيات الصحافة.

المقال هو جزء من كتاب (تغطية النزاعات في عصر الهواتف الذكية) الصادر عام 2016 والمنشور على موقع شبكة الصحافة الأخلاقية.

تم النشر بالتنسيق مع موقع ميثاق “شرف” للإعلامين السوريين.

مصدر الميثاق
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!