دمج العاطفة بالوعي محاولة لترقيع الصورة الإنسانيّة الجاهزة

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

كلما اتسعت رقعة الوعي، وأصبح الإنسان قادراً على الفهم الأعم لمختلف المسائل، اضمحلت العواطف ذات الأنساق الموجّهة نحو كيان بعينه. إنها تلاشي تدريجي لآلية الأحاسيس المُغرَقة في تركيب صورتها من المادي المباشر إلى المفهوماتي، وبالعكس. بمعنى، هي حالة اضمحلال للأنساق الموحدّة المتعارف عليها داخل البيئة المجتمعيّة، بمنظورها الذاتي تجاه نفسها وعقليتها. لكن بالمقابل؛ تتخذ تلك العواطف بالعام، خفّة منقطعة النظير، لتطفو وتشمل جزءاً أعم من العلاقات وأكثر إنسانية.

دعونا نأخذ مثالاً بسيطاً لشرح هذه الآلية. في تراثنا الثقافي، وصلت إلينا بعض الأخبار التي تحمل من الحقيقة والأساطير مزيجاً مشتركاً، كالعواطف المتجذّرة في حب عنترة لعبلة مثالاً، أو قيس لليلى.

عندما عشق عنترة بن شداد، عبلة، كان الوعي يتمحور ويدور في فلك البيئة، فوعي عنترة ببساطة هو؛ أن يكون فارساً وشاعراً وعاشقاً. هذه هي حدود وعي البيئة الاجتماعية، فالعاطفة الإيجابية تتجسد تجاه عبلة في العشق، لكنّها تتركز في عواطف سلبية مغايرة تجاه منطق الاستمرار والكيان، كالفروسية وقتال القبائل الأخرى دفاعاً عن البيئة والمفاهيم الخاصة، لأن حدود الوعي الاجتماعي لا يفترض مساحات واسعة، فتتركز العاطفة الإيجابية تجاه كيان بعينه، وهي عبلة. مشاعر عنترة هنا، هي حسيّة تتخذ شكلها المادي الغريزي وتُغلّف كمفهوم نتيجة قوانين البيئة المنغلقة على نفسها كصحراء لها قيمتها المطلقة تجاه ذاتها. مثال عنترة هو نسق عاطفي موجّه لأن الوعي لا يخترق أبعد من حدود ما تفترضه البيئة. اضمحلال الوعي القائم على القتال والبطولة والعيش فقط، يؤدّي إلى تجذير العاطفة وتركيزها بكيان محدد.

إنّ الانفتاح الذهني والغرق في التفاسير يؤدّي إلى رفض الخضوع تجاه العواطف الساكنة، ذات البعد الواحد والكيان المعين، لكنّها تتحول إلى خفّة الريشة لتشمل عاطفة أعمق تجاه الإنسانية.

لكن بعد قرون من عشق عنترة، وانتشار المجتمع العربي الصحراوي، الإسلامي، ومخالطته لبيئات أخرى، وثقافات متنوعة، اتسعت رقعة العاطفة لتشمل أجزاء أضخم، لأن الوعي المنغلق بالبيئة المطلقة تجاه ذاتها لم تعد تكتفي بذلك، لقد انفتحت إلى فهم أعمّ، كمثال المتصوف الحلاج، الذي تمحورت عاطفته تجاه ذاته الواعية. إنها الخطاب التكاملي للعاطفة والانصهار في الوعي الشخصي الذي افترضه وعياً إلهياً. اتساع ثقافة الحلاج وامتزاجه مع البيئات الأخرى، أدّى به إلى فهم مختلف لمعنى العشق والعواطف بالعام، لم تعد العاطفة لديه موجّهة لنسق محدد وكيان معين، بل اتسعت لتشمل فلسفية الله تجاه عباده بأكملهم، لقد خرج وعيه من إطار المؤسسة التي تفترض عاطفة محددة لتكون أكثر ثورية وأكثر شمولاً، وهذا بطبيعة الحال كان سببه الرئيسي اتساع الوعي الذي خالط الشعوب الأخرى والثقافات المتنوعة.

قد يبدو للبعض أنّ المثالين السابقين هامشيان، لأنّ تطور الحياة يفترض اتساع ومخالطة، وعليه يكون من الطبيعي أن تتغير المفاهيم، لكن ما يعارض هذا المنظور، هو أن المعاصر من العلاقات تتخذ ذات الطابع من الانغلاق العاطفي وهشاشة الوعي رغم مدنيّة الحياة وثقافاتها المتنوعة. إذاً:  من هذا المثال البسيط نستطيع تحديد معيارية العواطف، أنها تنشأ بشكل متجذّر وجارف بمحدودية كلما كانت المجتمعات أكثر انغلاقاً، وكلما كان الوعي أكثر بساطة.

إنّ الانفتاح الذهني والغرق في التفاسير يؤدّي إلى رفض الخضوع تجاه العواطف الساكنة، ذات البعد الواحد والكيان المعين، لكنّها تتحول إلى خفّة الريشة لتشمل عاطفة أعمق تجاه الإنسانية.

بمثالين تراثيين، نستطيع أن نفهم هذه الصيغة، وهما ابن عربي والحلاج. لقد جسد ابن عربي رؤيته العاطفية، الجمالية، تجاه الآخر، ورأى الوعي الإلهي منحلاً في الآخر، لكن الحلاج انطلق من الذات تجاه الذات، وتطبيقها على الجميع، فكل آخر هو ذات قائمة بنفسه ولنفسه بعلاقة مباشرة لوعيه. مشكلة ابن عربي أن رؤيته الجمالية والعاطفية في الآخر أخضعته لوعي اجتماعي منغلق وميسيس، تماماً كابن الرومي، رؤيتهما العاطفية تتناسب مع ما يبيحه وعي المجتمع السياسي والسلطوي. لكن الحلاج هو أكثر انحلالاً كوعي وعاطفة في الذات، ولذا فهو أكثر ثورية وخطراً على تطوّر الوعي والأحاسيس.

العاطفة والوعي متعاكستان، باتجاهين مختلفين، وكل محاولة لدمجهما أقرب لترقيع الصورة الإنسانيّة الجاهزة دون الاعتراف بطبيعتهما، من أجل عدم تصادم الذات مع الوعي الذي نشأنا عليه.

من هنا نستطيع أن ندرك قليلاً، بأن خضوع الوعي لقانون اجتماعي أو إيديولوجي، يؤدّي إلى تعميق العاطفية الذاتية مع كيان آخر، ويتجذّر به ويتحوّل، ربما، إلى أسطورة جارفة. لكن تحرر الوعي من القيد الاجتماعي المقونن يؤدي به إلى رؤية عاطفية أشمل للجميع وإن انطلقت من الذات.

ولا أعتقد أن عملية الدمج بين العاطفي الموجه كأنساق محددة وبين العاطفي الأعم، جائز. لأن الوعي ببساطة لا يمكن أن يكون متحرراً ومنغلقاً بذات الوقت، وربما ما يُصدِق رؤيتنا هذه، هو أن كل من قدّم إنجازاً للتاريخ البشري على مستوى الفكر، والعلم، والسياسة، والفلسفة، والفن، هم أقرب للثوريين، ذوو العواطف الإنسانيّة المتضخّمة والعميقة تجاه النسبة البشرية الأكبر، والمصابين بالاضمحلال العاطفي النسقي الموجه، في بعد واحد ونسق معين لكيان ما، قائم بذاته. وهذا يحيلنا إلى فهم آخر حول هذه المسألة، مرتبطة بمفهوم الأنانية، فكلما ازدادت علاقتك مع الكيان المعين، ازدادت قدرتك على الأنانية في التملك والسيطرة. والعكس صحيح، كلما ارتقيت في فهم العاطفة الأعم، تلاشت لديك نسبة التملك والسيطرة، لأن الوعي أكثر انفتاحاً وإدراكاً لمعنى التمازج والاختلاط مع الآخر الثقافي.

العاطفة والوعي متعاكستان، باتجاهين مختلفين، وكل محاولة لدمجهما أقرب لترقيع الصورة الإنسانيّة الجاهزة دون الاعتراف بطبيعتهما، من أجل عدم تصادم الذات مع الوعي الذي نشأنا عليه. وفي النهاية من حق أي شخص أن ينغلق بوعيه ويجذّر عاطفته مع كيان محدد، لكن ليس من حقه أبداً، أن يعتبر انغلاق وعيه، وعاطفته المتأججة هي سقف حرية الإنسان وتفكيره الأشمل.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!