ابتسامة الدكتاتور الطريق الأقصر نحو تعميم الاستبداد

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

من البروتوكولات المهمة والمعروفة في العالم، أنّ الشخصيات التي تعمل في الحقل السياسي بكافة أشكاله وتتسلّم مناصب في الدولة، تخضع لنظام إعلامي ويصبح ظهورهم بشكل أكبر، أمراً طبيعياً. إنها بنية السياسة التي تعتمد على الصراع من أجل الوصول إلى قيادة الشعوب، وتستخدم في ذلك الكثير من المبررات كالخطابات والبيانات والحملات الانتخابية.. الخ. وهذا أمر طبيعي جداً، لكن المعضلة تكمن فيما بعد، في اللحظة التي يسود فيها الفرد السياسي على حساب الناس. في تلك اللحظة يصبح النهج واضحاً، بأنّ البلد إما أن تسير إلى مصيره الديمقراطي الحر، وإما إلى حتفها الديكتاتوري الدموي.

في عالمنا الثالث سياسياً، تنتهج السلطات نظاماً إعلامياً واضحاً منذ البداية، نظاماً يوضّح مدى ديكتاتورية تلك الشخصيات والسير بشعوبها إلى المقصلة في يوم أرادوا الامتعاض من سلطة السياسة تلك. إنها بالضبط تتجسد في ترسيخ صورة البطل الكارزماتي، ذلك القائد الوطني الذي يحارب عدواً لا نعلم عنه شيئاً، ويجب علينا كشعوب فقيرة وبائسة أن نقف في صف ذلك القائد وإلا سنكون عملاء للعدو. إنه السيناريو الوحيد لأولئك الأشخاص من أجل بقائهم الأبدي.

لكن بعد ما جرى في ثورات البلاد الأوسطية والمجازر التي رافقتها، ألا يحق لنا كشعوب بعد تجربة الدم التي خضناها في أوطاننا، أن نصبح متطرفين إزاء المستقبل؟ ألا يحق لنا كشعوب بائسة هُزِمت أن نقول بأنّ من حقنا أن ندعو إلى إسقاط كل شخص يبتسم في الفوتوغراف، أو يرفع يده دليل تحيّة؟.

الخطوة الأولى لأي ديكتاتور يريد أن يحكم بالحديد والنار، ستبدأ من صورة الرجل المتواضع الذي يبتسم وتُوزّع صورته في الشوارع والصحف والتلفزيون.

بالتأكيد إن الديكتاتور يمارس ما هو أبشع من ابتسامة في صورة أو تمثال يُحيي فيه شعبه، لكن الخطوة الأولى لأي ديكتاتور يريد أن يحكم بالحديد والنار، ستبدأ من صورة الرجل المتواضع الذي يبتسم وتُوزّع صورته في الشوارع والصحف وأمام شاشات التلفزيون بخطاباته الأثيرة. إن الصورة هي أولى معطيات ترسيخ البطل الوهمي. لا يمكن أن يولد ديكتاتور إن لم يبتسم أمام صورة. هذا درس التاريخ.

لو كان الشعب السوري في عام 1970 قد أدرك ابتسامة الأسد الأب، وفهموا أن بداية توزيع صوره هي لترسيخ إيديولوجية الدم، وثاروا حينها، لما كان لنا مصير اليوم. جميع الديكتاتوريات التي نشأت في العالم، يبتسمون في الفوتوغراف، يلوّحون بأيديهم، يحيّون شعوبهم، يسردون عليهم خطابات لا تنتهي. إنها لحظة أولى ستحدد تاريخ بلاد.

هذا الكلام معروف للجميع لكن تكراره ضروري؛ لنحدد آلية تفكير مختلفة للمستقبل. لا تثق بشخص يبتسم في صورة. أسقطه مباشرة دون انتظار ما سيفعله للوطن بجعجعة خطاباته. كن راديكالياً إزاء الآخر السياسي. وهنا لا نتحدث عن فرد فقط، بل عن كل جهة تمارس الخطاب والصورة والتلويح. لا تمهله وقتاً ليرسخ أقدامه. إنه يبتسم ليُثبّت سلطته، يبيعنا وهم الوطن بخطابات مطوّلة، يلوح بيديه لشعوب تهتف من منصة أعلى. إنها صورة المخلّص التي يريدها.

لن نذكر كثيراً تلك الشخصيات التي ابتدأت مع الأنظمة الشمولية في فترة الحرب العالمية، ولا روادها العرب كعبد الناصر ومن جاء بعده من أجيال في العراق، والسودان، وسوريا، والأردن، واليمن، ومصر، والمغرب.. الخ. لكن دعونا نتذكر نجاح ديمقراطية مصر بقيادة مرسي، ما هو الفارق الإعلامي بينه وبين مبارك؟ ألم يتخذ نفس خطوات المخلص الكارزماتي؟ الصورة، الخطاب، التواضع، الابتسام، مع فارق جوهري ببنية التوجه السياسي. ذات الأمر استمر بعد ذلك مع السيسي.

لو كان الشعب السوري في عام 1970 قد أدرك ابتسامة الأسد الأب، وفهموا أن بداية توزيع صوره هي لترسيخ إيديولوجية الدم، وثاروا حينها، لما كان لنا مصير اليوم

الغريب هو ذلك السؤال: كيف يمكن للشعوب التي خاضت غمار الدم والموت ألا تتعلم أبداً؟ ما هو السحر الغامض الذي يجعل الشعوب قطعاناً للأحزاب والسياسيين والبحث عن مخلصين؟. نعم، إنها بالضبط ترسيخ الإيديولوجيات العامة. الفائدة المرجوة لجهة على حساب أخرى دون الرغبة في تطوير الرؤية الإنسانية. تلك الإيديولوجيات التي ترسخ الأنظمة في الدرجة الأولى وديكتاتورييها. التصفيق الحار لرجل يناسب رؤيتك الخاصة، وبالذات رؤيتك اللامدنيّة. يبتسم ويخطب فتصفق، ولن تولي أهمية لمن يخالفك بالرأي لأنك تعتبره عدواً. إنك لا تريد دستوراً يفصّل السلطات ويحدد مهامك وواجباتك إزاء من يخالفك بالرأي، بل ما تريده مخلصاً يناسب إيديولوجيتك، دون أن تعي بأن مخلّصك سيأتي يوم ما ويزول، وستبقى عرضة للعراء.

ذلك المخلّص الذي يبتسم لك في فوتوغراف ويرسم خطّه المطلق على حسابك، لستَ بالنسبة إليه سوى أداة لوصوله وأبديته. عندما تشاهده يبتسم في صورة ويلوح لك بيديه دليل محبة ودفاع مشترك عن الوطن، ولا تسقطه، فإنك تساهم بترسيخه. تساهم بجوعك وفقرك. وثرائه وأبديته وتوحشه الدموي تجاهك إذا ما أدركت يوماً بأنه كاذب، فالإيديولوجيات لا تصنع وطناً.

كل ما سبق هنا، ليس ذو فائدة بعد الموت الذي عايشناه، لكنه ضرورة كي لا نثق مجدداً بأحد، ولا أي أحد، لا فرداً ولا حزباً، لا دعاة وطن، ولا دعاة عدالة، ولا دعاة خلود.. جميعهم يبتسمون لك في فوتوغراف مع خطاب أثير. وإن أردت أن تثق يوماً، فما عليك سوى الوثوق بنفسك فقط بعد أن تسقط من دماغك وهم المخلص والإيديولوجيات، وتضع الدستور فاصلاً بينك وبين الآخر.

ببساطة لا تثق بابتسامة أحد في صورة، لا تصدّق سلام يده الملوّحة، لا تمهله، أسقطه.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!