حمام السوق.. إرث تاريخي غيّبته الحرب في سوريا

الأيام السورية؛ سمير الخالدي

يعتبر الاستحمام في حمام السوق الشعبي عادة قديمة توارثتها العديد من الشعوب العربية، من بينها أبناء الشعب السوري الذين اعتادوا منذ القدم الذهاب بشكل جماعي إلى الحمامات لقضاء متنفس بعيد عن الهموم، والمتاعب اليومية، مصطحبين معهم بعض الأطعمة المخصصة لهذه الأماكن.

لكن الحرب التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة تسببت بهدم العديد من تلك الحمامات الأثرية؛ والتي يعود تاريخ بناء بعضها لما يزيد عن 500 عام ميلادي.

وبطبيعة الحال كان لحمامات مدينة حمص النصيب الأكبر من التدمير، بسبب القصف العنيف الذي تعرضت له المدينة من الطيران السوري والروسي، غذ تهدّم كل من الحمام العثماني الذي يعود تاريخ بنائه لعام 1325 هجرية، وكذلك حمام البازرباشي.

بين صراخ الباعة وزحمة السير نشقّ طريقنا للاستحمام وسط حمص:

الحاج محمد الرفاعي أحد أبناء مدينة حمص يبلغ من العمر ثمانين عاماً، قال خلال حديثه لمراسل الأيام: كنا فيما مضى مع مجموعة من الأصدقاء، والأقرباء نترقّب يوم الخميس باعتباره موعدنا الأسبوعي للذهاب إلى حمام السوق بشكل جماعي، وحافظنا على هذه العادة مع من تبقّى منا على قيد الحياة لفترة ليست ببعيدة.

مضيفاً: كنا نجتمع بعد صلاة المغرب في مسجد الصحابي خالد بن الوليد، ونتجه بعدها سيراً على الأقدام وسط زحمة السيارات، وحركة الباعة الذين افترشوا الأرصفة لبيع بضائعهم، نتبادل الأحاديث المفرحة والنكتة الحمصية، لحين وصولنا إلى الحمام العثماني الذي يتوسط موقعه سوق الصاغة والسوق المسقوف، لنمضي ما يقارب الساعتين من أجواء الألفة مع من نجده بداخل الحمام من جيران، ومعارف، فالنقوش المنحوتة على الجدران، والبحرة التي تتوسط البناء، والقناطر والأعمدة المزخرفة ضمنه، كانت كفيلة بحملنا إلى زمان آخر بعيداً عن ضجيج المدينة.

الحرب التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة تسببت بهدم العديد من تلك الحمامات الأثرية؛ والتي يعود تاريخ بناء بعضها لما يزيد عن 500 عام

لكن وللأسف حُرمنا من هذه العادة بعدما أتت القذائف على العديد من أجزاء الحمام، لينهار قسم كبير من بنائه، قبل أن تعلن وزارة الآثار والمتاحف عن نيتها البدء بإعادة ترميمه مؤخراً.

وليس بعيداً عن محافظة حمص، يعيش جيرانها في مدينة حماة حياتهم الاعتيادية باعتبار أنها إحدى المحافظات التي حُيّدت عن ساحة الحرب والمعارك بين الأطراف المتصارعة بأكبر قدر ممكن، وبحسب ما نقل مراسلنا من معطيات فإن عادة الاستحمام في حمام السوق لا تزال تشهد رواجاً بين الأهالي، لا سيما النازحين القادمين من خارج المحافظة، والذين وجدوا فيها متنفساً لائقاً بعيداً عن مشاق الحياة اليومية.

رحلة ممتعة يمضيها المستحم خلال وجوده في الحمام الشعبي:

تعتبر حمامات (القاضي، والعرايس، والأدربك، والمدار، والزهور) من أشهر الحمامات في محافظة حماة وكذلك (حمام الدرويشة) الذي يقع في منتصف شارع المرابط بالقرب من سوق الصاغة، والذي يعود تاريخ بنائه لنحو 500 عام، بحسب ما أفاد “أبو عمر” مالك الحمام لمراسل الأيام مضيفاً: ورثنا أنا وأخوتي الثلاثة هذا البناء الذي شيّده أجدادي، ونحاول بالقدر الممكن الحرص على بقاء واستمراره بالعمل لئلا يندثر.

وعن آلية العمل ضمن الحمام قال “أبو عمر”: مع دخول الأفراد أو الجماعات من الباب الرئيسي يتم استقبالهم من المضيف المتواجد في (القسم البراني) ويتم خلالها إيداع ما يحمل من أوراق ثبوتية، وأموال، وجوالات وغيرها في قسم الأمانات للحفاظ عليها من التلف داخل الحمام، ويُعطى مناشف عدد2 يلف الأولى حول خصره بعد أن يخلع ثيابه أيضاً والثانية تدار حول كتفيه ليمضي إلى (القسم الوسطاني) وهو عبارة عن مجموعة من الأرائك والمقاعد الخشبية ليعتاد جسده على درجة الحرارة تدريجياً.

تعتبر حمامات القاضي، والعرايس، والأدربك، والمدار، والزهور، والدرويشة من أشهر الحمامات في محافظة حماة

وبعد مكوثهم لبرهة من الوقت يقوم الناس بالدخول إلى (الجواني)، وهنا تبدأ رحلة الاستحمام الجماعي بحسب وصف (أبو عمر) إذ يتشارك الأصدقاء المقصورات مع بعضهم البعض، ويتراشقون المياه قبل التوجه إلى غرف الساونا (حمام البخار)، ومن بعدها إلى مقصورة الجرن والطاسة، وفيما يلي يأتي الدور على (المكيّس) الذي يفرك أجسادهم بقطعة قماشية خشنة، ويرسلهم إلى جاره (المليف) الذي يعمل بدوره على تلييفهم وسط مجموعة من الأهازيج والأغاني التراثية عبر مكبرات الصوت التي تم إقحامها في حمامات السوق، بعد أن غابت الأغاني التي كان يرددها الزبائن مؤخراً، وفي المرحلة النهائية يتجه الراغبون بالحصول على مساج إلى الغرفة المخصصة لهذا الشأن، قبل أن يغادر الزبون إلى الحجرة الأخيرة؛ التي يقوم داخلها بحمام أخير للطهارة قبل خروجه.

مافيا الفساد والحرب في سوريا السبب في اندثار المعالم الأثرية:

يشار إلى أن محافظة حماة وحمص كانتا فيما مضى تغصّان بعشرات الحمامات الشعبية، غير أن الحكومات المتعاقبة وتحت حجج واهية قامت بعملية هدم واسعة طالت أغلب هذه الحمامات، لا سميا في محافظة حمص؛ التي أعلن خلالها محافظ المدينة الأسبق (إياد غزال) عن تبنّى مشروع (حلم حمص) وتسبب على إثرها بإزالة العديد من المباني الأثرية، ومن ضمنها الحمامات الشعبية كما هو واقع الحال في الحمام الجديد المقابل للجامع الكبير، وحمام الوليد الملاصق لمسجد خالد بن الوليد، وكذلك حمام الفرج القريب من قلعة حمص وسط المدينة.

مصدر خاص الأيام السورية
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل