قراءة في كتاب: داخل سورية(3/5)

0

قراءة: أحمد العربي

المؤلف: ريز إرليخ.

ترجمة : رامي طوقان.

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون/ ط١،ورقية، ٢٠١٥

  • بداية الثورة.

عندما حصل الربيع العربي في بدايات عام ٢٠١١م، حيث أحرق محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على مظلومة مجتمعية تطاله وأمثاله من المجتمع، كان قد فتح فوهة بركان الغضب العربي الذي سيمتدّ من تونس لمصر، وليبيا، واليمن، ثم سورية، وعندما سئل بشار الأسد هل يمتد الربيع العربي إلى سوريا، أجاب بالنفي، “سوريا غير” لأنها

دولة شعبها وسلطتها على توافق سياسي ومجتمعي. لكن الثورة السوريّة ستحصل، سيكون الشباب وقودها الأساسي، عند أغلب الناس في سوريا أسبابه للثورة، من يعاني من الاستبداد والقمع، ومن يعاني من انسداد الأفق الاقتصادي والفساد والمحسوبية وتقاسم البلد متخصصة بين  الأسد وعائلته وعصابته المحيطة به، كان الأسد يعتمد على أمنه وجيشه ودرجة الهيمنة والخوف، هناك ذاكرة ممتلئة بالظلم عند السوريين، لكنّهم ثاروا، ولأن النظام لم يكن يقتنع بأنه مستعد أن يقدم أيّ تنازل للشعب فقد اعتمد على البطش واستعمال العنف في مواجهة جموع الناس المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانيّة والعدالة، والديمقراطية والحياة الأفضل، كان النظام يريد أن ينقل الشعب إلى مربع العنف ليبرر استعماله ضدّهم، لقد كان لسقوط الشهداء في المواجهات الأولى للربيع السوري دورٌ بانتقال الناشطين إلى مرحلة التسلح، للدفاع عن النفس والدفاع عن المظاهرات، كان التسلّح فرديا وذاتيا ومتواضعا، لكن سرعان ما تدخلت دول وهيئات على خط دعم الثوار، وكل يستثمر لمصلحته الخاصة، وبما أن سوريا لم تكن بعيدة أصلا عن وجود الأصوليين الذين تربوا في سجون النظام، ولا نشاط بعضهم في أفغانستان ثم العراق، والتحاقهم في تنظيم القاعدة، وما نتج عنه من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والنصرة في الشام ثم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش، وجبهة النصرة في سوريا، وعشرات التنظيمات الأخرى، سواء تحت مسمى جماعات جهادية إسلامية أو الجيش الحر، ودخل على الخط الكثير من المجموعات التي استغلت الثورة لتقوم بعمليات الخطف والنهب والسرقة والجريمة المنظمة، لقد استطاع النظام أن يحوّل الثورة لحرب أهلية، وأن يلفت النظر إلى الإرهاب وأولوية الحرب في مواجهته، وأن يجعل الأطراف الإقليمية والدولية تتريّث في اتخاذ موقفها الجذري من إسقاط النظام أو بقائه. لكن النظام وفي السنتين التاليتين للثورة ٢٠١١و٢٠١٢م كان شبه مهزوم، وكان قد خسر كثيراً من جنوده وضباطه قتلى أو منشقين، وخسر كثيرا من مساحة الأرض السوريّة التي يقف عليها، وكان الثوار على نقص نضجهم وعدم توحدهم واختلاف أجندات داعميهم، فقد أصبحوا حاضرين على أرض سوريا. كانت الدول وما زالت لم تحسم قرارها؛ هل هي مع تغيير النظام أم إصلاحه، وإن كانت مع تغييره فمن البديل؟.

كان النظام السوري أمام قرار استراتيجي خطير؛ فرغم استعماله للعنف المسلح وقتل الناشطين واستدعاء الإيرانيين وحزب الله والمرتزقة الطائفيين، وتشويه صورة الثورة وتحويلها لحرب أهلية، وغلبة اللون الطائفي عليها. كان النظام يخسر مزيدا من المواقع والأرض، في مطلع ٢٠١٣م استعمل النظام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية والمعضمية في ريف دمشق، ودخلت الحالة السوريّة، ثورةً وشعباً ونظاماً منعطفاً جديداً.

  • أسلحة كيماوية، ضربات عسكرية، وطريق مسدود.

كان لاستعمال السلاح الكيماوي في ضرب مناطق الثوار في أوائل  ٢٠١٣م، رغم كون الاتهامات متبادلة بين النظام والثوار عمّن الفاعل، لجان التقصي لم تحسم الأمر، لكن الأغلب يرشّح أن الفاعل هو النظام السوري، ورغم أن هناك تحذير أمريكي للنظام من استخدامه، وأنه إن حصل فإنّ أمريكا ستضرب النظام السوري، الكيماوي الذي ضرب وقتل المئات، وأمريكا تدرس فكرة الرد، لكن العقل الأمريكي ينتهي إلى حلّ يلغي الضربة بتدمير السلاح الكيماوي السوري كاملا، ويستطيع النظام تجاوز مشكلة استعماله الكيماوي، وغير ذلك سينتقل النظام إلى مرحلة العنف وكأنه يخوض حروبا مع جيوش معادية، أصبحت المدن مستباحة للتدمير والناس ضحايا القتل والتهجير، الملايين يهربون نازحين داخل سوريا، وملايين اللاجئين خارجها، نصف الشعب السوري مهجّر، الحياة أصبحت جحيماً، أعداد القتلى الشهداء وصل أربعمائة ألف، وتوقف منذ سنوات، الجرحى والمصابون والمعاقون مئات الآلاف. لم يعد العالم معني بالجواب عن السؤال؛ هل يسقط النظام السوري؟، بل بسؤال ما عليه أن يفعل لمعالجة المشكلة الإنسانية لملايين السوريين، تبتلعهم البحار، تنبذهم الدول، وتدفع بعض المال للإغاثة على مضض. استطاع النظام أن يجعل الأطراف الدولية والاقليمية تقف حياله عاجزة عن اتخاذ موقف نهائي، دخل النظام والأطراف الإقليمية والدولية في لعبة المباحثات الدولية عن حل، جنيف ١ و٢، القرار ٢٢٥٤ وما قبله وما بعده، مباحثات سابقة ولاحقة تُمضي وقتا ولا تنتج جديدا، روسيا تمنع أي قرار ملزم بحق النظام، لقد دخلت القضية السورية في حلقة مغلقة، لقد ظهر أنّ ما يحصل في سوريا أكثر من كارثة إنسانية، ظهر وكأنها مقصودة في حد ذاتها، لذلك دخلت القضية السورية في دوامة اللعبة الدولية، إيران وحلفاؤها حاضرين عسكريا وماديا بكل ثقل مع النظام، الغرب يخاف إن سقط سقوط النظام فمن سيكون البديل؟. لعبة داعش والقاعدة والنصرة والإرهاب الدولي يخيف الغرب أكثر، دول الخليج العربي، تقدم الدعم العسكري والمالي ليستمر الثوار بالصراع مع النظام مع عجزهم عن حسم المعركة. إنّ القضية السورية في مطلع عام ٢٠١٤ ظهرت وكأنها في طريق مسدود.

  • من يؤيد الأسد؟.

يحاول الكاتب في هذا الفصل أن يطلّ على من يقف فعلا  من الشعب السوري مع النظام السوري، بعد هذه السنوات الثلاثة حتى بدايات ٢٠١٤م. يظهر الكاتب أنّ النظام استطاع أن يجذب إليه الكثير من الطائفة العلوية، لقد تمكّن الأسد من جذب أغلبهم معه، لقد نجح في إقناعهم بأن المتشددين السنة من الجماعات الجهادية قاعدة ونصرة وداعش يريدون أن يسقطوا النظام، وينتقموا من العلويين الذين دعموه، وأنّهم متهمين حتى دينيا عند هذه الجماعات، لذلك كان أغلب العلويين يؤيدون النظام، ويرتبطون به في معركة حياة أو موت. كما ظهر أنّ النظام استطاع أن يقنع الكثير من الأقليات بأنه يحميهم، رغم معرفتنا أنّ بدايات الثورة كان فيها من كل الفئات المجتمعية الطائفية والدينية، لكن ظهور الجماعات الجهادية وخاصة النصرة وداعش وقبلها القاعدة، جعلتهم يعودون إلى حضن النظام، نعم يعتبرونه استبدادي لكنهم إن استكانوا له فحياتهم مصانة، أما داعش والنصرة فقد تستأصلهم دينيا ومجتمعيا، هكذا زُرع في دماغهم. ويؤيد النظام أيضا الكثير من الطبقة التجارية والصناعية السورية، التي وجدت أصلا ضمن مناخ تبادل مصالح مع النظام ورموزه وأدواته الاقتصادية، ففي سوريا لا يوجد أي اقتصادي مليء ماليا دون أن يكون جزءاً من النظام وشبكة مصالحه وعلاقاته.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!