هل حقاً نمضغ التاريخ؟!

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قبل قرنين تقريباً كتب الفرنسي فيكتور هوغو، رائعته البؤساء، متحدثاً فيها عن القيمة الإنسانية المرتبطة في الدرجة الأولى بتهشيم الإنسان المعيشي \ المادي. لكن ذلك التهشيم كان ذو معنى، وكان بالإمكان إيجاد حلول مبتكرة في ذلك العصر. لم يفقد هوغو الحيلة ليقول أن الإنسان مازال قادراً على الابتكار. لكن في هذا العصر، هل ما زلنا قادرين على الابتكار وإيجاد الحلول لمعانينا البشرية؟!.

قد يبدو الجواب لدى المتفائلين، الإيديولوجيين، السياسيين والمثقفين التاريخيين، أن نعم. يمكن ابتكار الجديد. لكن ما هو الجديد الذي فعلياً يمكن ابتكاره؟.

كي نجد الجواب؛ لا بدّ أن نتقدم قرنين للأمام بعد بؤساء هوغو، بالتحديد قبل خمسين عاماً تقريباً، عندما أخبرنا كامو بأنه لا يشعر بشيء اتجاه وفاة أمه في الغريب، وعندما أطلق كونديرا حملاته الهزلية والمتتابعة في رواياته اتجاه كل شيء بسخرية غير مكترثة، وعندما رمى كالفينو العالم وراء ظهره ليتفرغ بإعادة صناعة الأساطير، لأن مثقف عصر السرعة لم يعد يمتلك الجذور، وعندما أعلن ولسون أن ما نُحكم به هو إحساس بأننا لا ننتمي لشيء.

إن أي متفائل حالي سيقول ببساطة بأنه غير مسؤول عن النوازع السوداوية التي تحكم بعض المخلصين لتشاؤمية شوبنهاور التاريخية، وبأن هؤلاء لا يمثلون جمالية الواقع المعاش وقدرته الفائقة على الإبهار.

في عام 1900 مات نيتشه وهو يصرخ بعمق (مات الله) ليس بمعناه المادي بالتأكيد، بل بمعنى موت القيمة الإنسانية التي اختلقت كل أطر الفكر كي نفسر معاني الوجود البشري، وافتقادها للأبد في هذه الأرض. وخلال مئة عام لاحقة من موت نيتشه دخل الكوكب مرحلة السرعة الجنونية في ضرب قيم الإنسان وإسقاطها تباعاً، وأصبح المعنى الوحيد لوجودنا هو التفاهة الأصيلة لعدم قدرتنا على اكتشاف أي معنى أو هدف، وما المفاهيم التاريخية التي تتجلى مادياً في عصرنا، كالحرية والحب والإيمان.. الخ، ليست سوى محاولة إثبات للذات أن هناك شيء يجب أن نعيش لأجله، ونكتشفه ونسعى له كي نكون بشراً جيدين.

الثورات والعواطف الإنسانية والغرق في معنى الألوهة وما ينتج عنها هي ما يحكم حياة البشر آخر مئة عام حقاً

الثورات والعواطف الإنسانية والغرق في معنى الألوهة وما ينتج عنها هي ما يحكم حياة البشر آخر مئة عام حقاً. قبل مائتي عام كانت لهذه المفاهيم وتجلياتها المادية حظوة الحضور، ولمسها بشكل دقيق. كان بالإمكان أن نستشعر الحرية بعد تحقيقها، لأننا ببساطة لن ندرك وقتها أن إسقاط بيئة قديمة هو ليس أكثر من استبدال بيئة ببيئة ستكون مع الأيام لها ذات الدور القديم، لكن في هذا الوقت لن نلمس ذلك لأننا فعلياً؛ نعي أنّ إسقاط الشيء هو لهدف الإسقاط كي نجد معنى وليس لأننا نعتقد بأهمية ذلك المعنى. ذات الأمر ينطبق على الحب والإيمان وأي مفاهيم أخرى.

إننا واعون بحق إلى بؤسنا وندرك بعمق أننا غير قادرين على ابتكار شيء جديد، وما نفعله ليس سوى مضغ ما تم ابتكاره في التاريخ. مضغ العواطف والاستشهاد بجمالياتها التاريخية، ومحاولة إسقاط ظلال التجارب تلك على الواقع المتسارع كي نعيش ذات الصيغ القديمة بمعانيها البسيطة والعفوية.

مضغ نصوص الوعي التي تحدد قيمنا التي خرجت من عباءة التاريخ، وتوقفت عند ذلك الحد، وما الغرق في تجلياتها الراديكالية أو التسامحية بمفاهيم تأويلية جديدة بعيداً عن عمق أصالتها، كالبكاء الرثائي أو الحب الصوفي أو تفسيراتها المؤسساتية الخاضعة لقوى الاقتصاد والسياسة، هي حالة إحساس بالفشل الذريع لعدم قدرة الإنسان على إيجاد حل ابتكاري ومختلف لحياة أكثر مدنية خارج أطرها الصنميّة.

مضغ حريتنا إن كان بمعناها الفردي المبدع، وإن كان بمعناها المؤسسي في الإسقاط والبناء. تحمّل الروتين الوظيفي للعمل والشعور بالاعتياد والمألوف، وإدراك عميق بأننا آلات إنتاج للاستمرار فقط، الدوران في حلقة إيديولوجيا التأويل النصي لحاكمية رجالات الدين والتفسير، التلاعب بقيم الحرية بعد إدخالها في شكلها المقونن سياسياً، تحويل الإنسان إلى آلة إنتاجية ليس بمعناها الماركسي فقط في جهد العمل، بل حتى آلة في استغلال غرائزنا وحقوقنا الفطرية الطبيعية.

لم يعد هناك ما يمكن أن نخدع به أنفسنا بأننا قادرون على لعب دور المتحمس القادر على تحقيق المفاهيم الجذرية والمرتبطة بوجودنا. في هذا العصر سقطت الستارة، وأصبحنا نتوهم الابتكار كي نجد المعنى للوجود، إن القيم الكبرى التي تدور في فلكها حيواتنا أصبحت ثابتة، وما نحن سوى بؤساء ننوّع على أوتارها كي نختلق معزوفات جديدة ونقتل السأم الذي فيها.

لم يعد هناك ما يمكن أن نخدع به أنفسنا بأننا قادرون على لعب دور المتحمس القادر على تحقيق المفاهيم الجذرية والمرتبطة بوجودنا. في هذا العصر سقطت الستارة، وأصبحنا نتوهم الابتكار كي نجد المعنى للوجود

إنّ المتفائلين الخاضعين لإيديولوجيات إثبات المعنى دائماً (كرجالات الأحزاب السياسية، ومثقفي اكتشاف القدرات الذاتية والعقل الباطن، والأشخاص المصنعين للألعاب التكنولوجية، والسمايلات، كالإيموجن الباكي من الضحك، أو متفاقهي النصوص اللاهوتية.. الخ) هم بطريقة ما مكتشفين لانهيار العالم، ولم يعد ضبط النفس البشرية إلا عن طريق استثمار بيع الكلمة لاختلاق الوهم وإبقاء الإنسان كصورة في دائرته.

إنها إبرة المورفين الضرورية كي لا تسقط البشرية في المعنى النيتشوي لموت القيمة، أو كي لا تصل إلى مستواها الشوبنهاوري، ليس لأن من يتحكمون بعوالمنا في آخر مئة عام يريدون إنساناً جيداً أو يهتمون له حقاً، بل لأن سقوط الشعور البشري في هوة اليأس المطلق سيؤدي قطعاً لانهيار تلك الحضارة التي عملت الإنسانية جاهدة في القرن الأخير كي تكون مسيطرة عليه تماماً من أجل استغلاله.

قد يبدو كل ما سبق ضرب من الوهم والفنتازيا العقلية بالنسبة للبعض أو للأغلبية، وهو أمر طبيعي قطعاً، لأن مجرد التمعن والقبول بصحة ما أوتي به، سيفرض يئساً مضاعفاً، وسيطرح سؤالاً يدخل في صلب الدماغ دون استئذان.. هل حقاً نحن نمضغ ما جاء في التاريخ؟ هل فعلاً نحن غير قادرين على الابتكار؟. والجواب؛ قد يكون بديهياً في الإحساس الذاتي دون إثبات عقلي. الشعور الأصيل عندما ننطق بعفوية، عبارة: سحقاً لهذا العالم.

وتبقى المسألة المهمة.. النضال والحرية والإله والعاطفة والمفاهيم جميعها، هي وليدة تاريخ سحيق لإنسان حاول أن يفسر معنى وجوده في زمن ما، وما تبجّح الإنسانية حالياً في الاكتشاف الدقيق لمعنى الوجود البشري، يجعلنا نطرح سؤالاً جديداً.. إن كنا حقاً قد اكتشفنا، فلماذا ما زال البحث جارياً عن تفسيرات المفاهيم؟!؟. إننا اكتشفنا حقيقة العالم لكننا لا نريد الاعتراف، الوهم حل جيد لنمضغ كل ما أنتجنا حتى يتلاشى ونتلاشى. العالم يعلم الحقيقة ويُغرق نفسه في لعبة وهم من أجل الاستمرار.

أي بؤس نحياه حقاً؟!.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل