مبادرة العودة إلى المجتمع (1/2)

نبدأ عبر موقع جريدة الأيام السورية بنشر وثيقة “مبادرة العودة إلى المجتمع” التي تقدّم بها السيدان جمـال قارصـــلي وطلال عبد الله جاسم.. ولطول الوثيقة سيتم نشرها على حلقتين، وتعلن الجريدة أن موقعها مفتوح لكل النقاشات الجدية والبناءة التي ترغب بمناقشة هذه الوثيقة

الأيام السورية؛ طلال عبد الله جاسم / جمـال قارصـــلي

انطلاقاً من البحث عن حل للمأساة السورية وسعيا لإنهاء القتل والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، قمنا مع مجموعة كبيرة من السوريين بالعمل على إنجاز مشروع لعقد مؤتمر وطني عام والذي يشكل أحد أهم ركائز “مبادرة إعادة بناء الدولة السورية”. نضع بين أيديكم آخر ما توصلنا إليه من نتائج جديدة بعد جولات كثيرة من الحوار والنقاش البناء مع خبراء ومختصين سوريين ودوليين محبين للشعب السوري وداعمين لقضيته.

المقدمة (introduction):

انطلاقا من واقع أليم آلت إليه الأوضاع في سوريا، وإدراكا منا بأنّ الأمور خرجت من يد السوريين معارضة وحكما وشعبا، مما جعل السوريين البسطاء هم من يدفع الثمن الباهظ بشريا واقتصاديا. مصيرنا الآن أصبح بيد الآخرين، وبات من الصعوبة بمكان أن نجعله بأيدينا، ومطلوب منا جميعا أن نضحي مرة أخرى ونتسامح، وربما أكثر مما ضحينا به سابقا، وعلينا الابتعاد عن مطامعنا الشخصية ورؤانا الضيقة وأن نتجاوز كل الأنانيات والأحقاد والثارات، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، بالرغم من أننا نعلم ما هو حجم الآلام وعمق الجراح والثمن الباهظ الذي دفعه الوطن والمواطن من أجل الحرية والكرامة.

علينا أن نعمل جميعا على إنهاء عملية القتل والاقتتال بين السوريين وبين اللاعبين الدوليين على الأرض السورية، والبدء بخطوات زرع الثقة بين الأطراف المتصارعة محليا وإعطاء التطمينات للمتدخلين الخارجيين لوقف تدخلهم، وبالرغم من أننا نعلم بأنه لا حرب دون المتدخلين ولا سلام دون السوريين.

أمامنا مخاض طويل وعسير، وسنواجه مخاطر كثيرة ومعقدة، ولكننا واثقون بأننا سنصل إلى ما نصبوا إليه عندما تتظافر جهودنا ونتوحد أهدافنا من أجل إنقاذ ما تبقى. ويمكننا معا إنقاذ وطننا وانتشاله من حالة الحرب المستعرة فيه وإيصاله إلى بر الأمان والسلام والاستقرار.

وكما أنّه من غير الممكن أن تذهب كل التضحيات الجسام سدا، وكذلك من غير الممكن أن نستمر بتدمير بقايا وطننا الذي ضحينا من أجل إنقاذه بكل غال ونفيس.  لنبدأ بما يمكننا الاتفاق عليه لنتمكن من كسر حالة الجمود الاستراتيجي القائم، وعلينا أن نأخذ التوازنات الدولية والإقليمية بعين الاعتبار، نحن كسوريين تقع علينا مهام والتزامات جسام، يجب أن نقوم بها قبل مطالبة الآخرين بمساعدتنا.

النقاش (discussion):

إدراكاً منا بأن قيادة المعارضة والنظام، وفي أحسن الأحوال لا يمثلان إلا نسبة تقل عن30 % من السوريين بينما يقف الكثيرين مع هذا الطرف أو ذاك تزلفاً أو خوفاً من الطرف الآخر وليس تأييدا له، وإن عددا كبيرا من السوريين ينتابهم خوف حقيقي من طرفي الصراع ومن داعميهم، الذين حولوا سوريا إلى مناطق نفوذ إقليمية ودولية قد تؤدي في نهاية الأمر إلى حتمية التقسيم أو الاستمرار في عدم الاستقرار الأمني لفترة طويلة، أو الوصول إلى حالة استبدادية قد تكون أسوأ بكثير مما كان عليه الوضع قبل آذار 2011. ويراهن اللاعبون الدوليون اليوم على تعقيد الوضع أكثر مما هو عليه، وإبعاد الممثلين الحقيقين للمجتمع السوري عن المشهد، حيث أن حل النزاع يقتضي الرجوع إلى المجتمع السوري وتمكينه من دور فاعل في إنقاذ سوريا، بغض النظر عن ثنائية النظام والمعارضة، ونرى أنّ ذلك يمكن أن تقوم به دولة أو مجموعة دول التي لها مصلحة في استقرار سوريا ودعم عملية إحلال السلام في المنطقة.

متى (when):

نعتقد بأنّه بات من الضرورة بمكان تشكيل كيان من شخصيات سورية معروفة بنزاهتها وبياض يدها من أجل معالجة الحالة المستعصية التي تمر بها مفاوضات السلام السورية. ويمكن لهذه المجموعة أن تتحدث مع الدول المتدخلة في الشأن السوري والبحث عن تسويات معها لدعم جهود الأمم المتحدة والمبعوث الخاص وفريقه في تقديم حلول تنهي المأساة السورية، وتشكل ضغطا إيجابياً على طرفي المفاوضات. يجب أن تقوم مجموعة من الخبراء بإعداد ورقة تعبّر عن توافقات السوريين، ومن ثم تدعو إلى مؤتمر وطني مصغر يؤدي لاحقا لعقد مؤتمر عام يحضره ممثلو مكونات وفئات المجتمع السوري والفاعلين على الأرض، لإيجاد تسويه مقبولة من السوريين ومن الدول الفاعلة لكي تحول اهتمامها من الاستثمار في الحرب إلى الاستثمار في السلام.

اين (Where):

لقد تمت مناقشة عدة مقترحات لتنظيم لقاء لهذه المجموعة في مدن أوربية وشرق أوسطية، ولكننا وجدنا من الأفضل أن تُدعى هذه المجموعة إلى دولة أوربية تعتبر محايدة نوعا ما، مثل ألمانيا، أو فلندا، أو السويد، أو النرويج، أو سويسرا كّونها غير منخرطة بشكل مباشر في الصراع السوري.

الرعاية الأوروبية لهكذا لقاء سيفعّل الدور الأوربي، للاستفادة من الرافعة الألمانية سياسيا واقتصاديا في ملف إعادة الإعمار، وكذلك الاندفاعة الفرنسية، والاستفادة من موقع فرنسا الدولي والاقتصادي، بالرغم مما تمر به فرنسا وأوروبا من تحديات داخلية، وكذلك استغلال الجهود السويسرية والسويدية والنرويجية والفنلندية لدعم توافق سياسي والمساهمة بإعادة الإعمار، ونأمل برعاية أوربية لهذا الكيان وبالشراكة مع الأمم المتحدة، لدعم مسار جنيف. تم تجنب اقتراح عقد هذا المؤتمر في دول إقليمية، تحاشيا لمقاطعته من بعض الأطراف، بسبب موقف الدولة المستضيفة.

مطلوب منا جميعا أن نضحي مرة أخرى ونتسامح، وربما أكثر مما ضحينا به سابقا، وعلينا الابتعاد عن مطامعنا الشخصية ورؤانا الضيقة وأن نتجاوز كل الأنانيات والأحقاد والثارات، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات

الشرعية (legitimacy):

إن عملية اختيار الشخصيات المقبولة من قبل أغلبية السوريين مسألة دقيقة وحساسة جدا، وتتطلب منا مراعاة التكوين الاجتماعي والثقافي والعرقي والديني للمجتمع السوري، مع إيلاء المرأة السورية الدور الذي تستحقه. ولا بد من التركيز على نوعية المدعوين وقيمهم الأخلاقية، وهنا نقترح أن تضطلع الأمم المتحدة بدور أكبر في مساعدة السوريين على إفراز ممثلين لهم يحظون بقبول الشريحة الأوسع من المجتمع السوري في الداخل والخارج، وذلك بمساعدة المبعوث الخاص السيد بيدرسون وفريقه، والاستفادة من مخرجات مراحل التفاوض واجتماعات المجموعة النسائية ومجموعات المجتمع المدني والخبراء. وكذلك إشراك كافة القوى السياسية والكتل الوازنة والاعتماد على الخبراء والحكماء السوريين الذين تجنبوا الوقوع في الفساد المالي أو أن يكونوا أتباع لأطراف دولية في الصراع في سوريا وعلى سوريا.

نحن نعمل على أن يبدأ السوريون في تنفيذ الخطوات الأولى لهذه المبادرة من خلال عقد مؤتمر مصغّر لكي يحصلوا لاحقا على دعم دولي وأوربي لمؤتمرهم العام.

  الآليات (Mechanismus):

لا بد من أن تكون الآلية التي يتم بواسطتها اختيار الشخصيات المؤهلة للمشاركة في المؤتمر العام، ناتجة إما عن شراكة بين المجتمع السوري والأمم المتحدة إن أمكن أو من خلال حكماء موثوقين، وذلك من خلال اختيار شخصيات مجتمعية وخبراء يحظون باحترام السوريين، وأن يكون ذلك ضمن إطار قرار مجلس الأمن رقم 2254 واتفاق جنيف. وهذا يجنّبنا انتظارا طويلا لقرار مجلس أمن جديد؛ قد يأخذ زمنا طويلا وقد لا يأتي لظروف دولية نعلمها جميعا. فيكون هذا الكيان مكملا لمسار جنيف وداعما له. يتم اختيار أعضاء المؤتمر العام من خلال لجنة خبراء وحكماء تتشكل من المجتمع السوري وتساعدها مجموعة من شخصيات سورية ذات ثقة، عبر اجتماعات مصغرة. تصدر من هذه الاجتماعات مجموعة من الأوراق الجامعة والتي يتم أولا مناقشتها مع السوريين والدول الفاعلة، ومن ثم يتم تقديم نتائج هذا العمل إلى الأمم المتحدة من أجل اختيار الأعضاء الذين سيتم دعوتهم إلى المؤتمر الوطني العام، ويفترض أن يتمتع الذين يتم اختيارهم لهذه اللجنة بالصفات التالية:

1 –  أن يتميزوا بمكانتهم الاجتماعية أو المهنية أو الفكرية، وتكون كفاءتهم هي المعيار الاساسي في اختيارهم، ثم تأتي بعد ذلك المعايير الأخرى.

2 –  أن يحققوا مبدأ تمثيل كامل الجغرافية السورية ومكوناتها. ويتم احترام ‘كوتا’ للمرأة على الاقل 30%.

3 –  أن يكونوا شخصيات وطنية نزيهة، وغير متورطين بدماء السوريين أو أموالهم.

4 – أن يكونوا موافقين ومؤمنين بالمبادئ 12 المتفق عليها دوليا.

5 – أن يكونوا موافقين على العمل ضمن القرارات الدولية؛ وبما يتناسب مع الأعراف والشرعية الدولية.

وقد وضعنا عدة آليات تنفيذية لعملية اختيار الشخصيات التي ستشارك في المؤتمر العام، نطرحها للرأي العام لاستبيان آراء السوريين، لاختيار أنسبها. هذه الآليات تجدونها في القسم الثاني من المبادرة.

نحن نعمل على أن يبدأ السوريون في تنفيذ الخطوات الأولى لهذه المبادرة من خلال عقد مؤتمر مصغّر لكي يحصلوا لاحقا على دعم دولي وأوربي لمؤتمرهم العام

المهام (functions):

  • يقوم المؤتمر الوطني العام باختيارلجنة حكماء أو تشكل جمعية تأسيسية. هذا المؤتمر يمنح الشرعية الوطنية للهيئات المنتخبة منه والوثائق الصادرة عنه وذلك وفق أحد الخيارات التالية:

الخيار الأول: انتخاب جمعية تأسيسية بشكل مباشر على أن تقوم هذه الجمعية بإقرار ما تم الاتفاق عليه. ويُسند إلى الجمعية التأسيسية دور البرلمان الانتقالي إلى أن يتمّ انتخاب برلمان جديد بشكل ديمقراطي. ويجب أن تؤخذ ‘كوتا’ المرأة بعين الاعتبار.

الخيار الثاني: انتخاب لجنة حكماء من 50 شخصية تقوم بإقرار المبادئ الدستورية وتعين جمعية تأسيسية، والمساهمة بتشكيل حكومة مؤقتة ومحكمة دستورية عليا. حيث تنتهي مهمة لجنة الحكماء بإنجاز هذه المهام.

الخيار الثالث: انتخاب جمعية تأسيسية ولجنة حكماء تكون جهة مراقبة وضامنة لحسن التنفيذ.

  • تتكون الجمعية التأسيسية المذكورة من (250) عضواً يمثلون كامل الجغرافية السورية ومكوناتها، ويدوم عملها لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات، وهي تقوم بدور البرلمان الانتقالي، وتعمل على إرساء مبادئ المواطنة وقبول الآخر، وإنشاء نظام رعاية صحية، وإطلاق التنمية الاقتصادية المتوازنة، وإعداد مسودات قوانين الانتخابات والإعلام والأحزاب لسوريا الجديدة، تمهيدا لانتخاب رئيس جمهورية ومجلس نيابي.
  • تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين والقانونيين، تتعاون مع اللجنة الدستورية المزمع تأسيسها، وذلك ان تشكّلت وفق أسس ومعايير متفق عليها، للوصول إلى اتفاق على معالم طريق لدستور مؤقت للبلاد أو مبادئ دستورية أو حتى مسودة دستور. إضافة إلى ذلك يتمّ تشكيللجنة لدراسة مشروع قانون انتخابات يتناسب والوضع السوري وما يستلزم ذلك من استحقاقات.
  • تشكيل لجنة خبراء تقوم بإعداد مشروع لإعادة بناء الدولة تأخذ بعين الاعتبار المبادرات والأفكار المطروحة.
  • تشكيل لجنة من الاقتصاديين ورجال الأعمال لبحث إعادة الإعمار وأولوياته ومصادر التمويل المتوقعة.
  • تشكيل لجان للمسامحة والمصالحة الوطنية من وجهاء وزعامات وشيوخ عشائر وشخصيات محلية.
  • تشكيل لجنة من العاملين في المجال الحقوقي (مستقلين) لملاحقة مجرمي الحرب من كل الجهات، بعيدا عن التجاذبات السياسية، وهي تتابع قضايا الجرائم ضد الإنسانية، أمام القضاء السوري والدولي حسب الحال.

الأهداف (Purpose):

  • دعم الجهود الدولية وتوسيع دائرة الداعمين لمشروع تمثيل صحيح للشعب السوري في الداخل والخارج.
  • العمل على بناء وتطوير مشروعية تراكمية.وإمكانية فتح حوارات مع الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية.
  • تشجيع مبادرات المصالحات والتوافقات الثنائية أو المرحلية وتنسيقها لتكون نواة لتوافقات شاملة.
  • المساعدة على إنجاز عملية سياسية بقيادة سورية تؤدي إلى حكم ذا مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية. ودعم تشكيل حكومة كفاءات نزيهة ووطنية وتمثل الجغرافيا السورية ومكوناتها.
  • تقديم كل ما يستلزم من أجل إجراء انتخابات حرة ونزيهة وضمان مشاركة كل السوريين فيها.
  • العمل على الإفراج عن جميع المعتقلين والأسرى والمختطفين والمغيبين قسرا من كل الجهات.
  • تهيئة الظروف المواتية لعودة آمنة وطوعية للاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية.
  • تقريب وجهات النظر أو الاتفاق على شكل الحكم القادم، وشكل اللامركزية التي تناسب الوضع السوري.
  • إيجاد السبل الكفيلة بتمكين السوريين من البقاء على أرضهم، وعدم تركهم للمجهول.
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل