الحرية وحتمية التاريخ

الايام السورية | علي الأعرج

يقول المفكر إريك فروم في تصدير كتابه (الخوف من الحرية): برغم أن الحرية قد جلبت للإنسان الاستقلال، إلا أن العقلانية قد عزلته ومن ثم جعلته قلقاً وعاجزاً.

تعريف فروم هذا يجعلنا نقف عند طبيعة الحرية وتطورها، ونطرح سؤالاً مهماً في اكتساب خبراتنا وسعينا لإيجاد صيغة مثلى للحياة: ما الذي يجعلنا نبحث عن حريتنا؟ وهل فعلياً قادرين على تحقيقها؟.

وإذا أردنا أن نسقط مثالاً واقعياً كسوريا، نستطيع أن نفهم فعل الثورة كفعل حرية تمردي بأنه فعل محكوم بالحتمية وليس بالإرادة، وهذا هو أحد أكبر الأخطاء الجسيمة التي حصلت.

في تعريف آخر مهم للحرية، يرى المفكر الفرنسي سارتر، بأن الحرية لا توجد إلا لدى الكائن الذي يقاوم موقفاً خارجياً، وقد بنى تعريفه هذا على أن الإنسان يولد ويتأثر ببيئته ويختلق وهم الإرادة الحرة لكنه فعلياً يسير ضمن موكب الحتمية الإنتاجية للوعي الاجتماعي وبناءاته السياسية والاقتصادية والمفهوماتية كالإيمان ومفهوم الحرية نفسه.

إذاً مفهوم الحرية هو طبيعة نفسية، تتشكل من عناصر البيئة التي تُنتج الوعي، وبالتالي يُصبح مفهوم الحرية نسبي. بمعنى ما يراه الفرنسيون حرية وما يسعون إليه لتعديلها، لا يراه السعوديون كمثال سوى انحلال في مستواه الاجتماعي وحتى السياسي، والعكس صحيح، فالفرنسيون يروون في مفهوم الحرية داخل السعودية مفهوماً منغلقاً ومكبوتاً.

هنا لا نستطيع القول بأن الحرية تمتلك مشروعاً مطلقاً، لكن إذا ما عدنا إلى تعريف فروم نستطيع أن نحدد ثيمة عامة لجوهر الحرية، وهي التطور الهيغيلي في السعي للارتقاء والاستقلال من بنية البيئة الذاتية.

قبل ألفي عام كانت الحرية تتمرد على واقعها لتنكشف بنيتها الغيبية الإصلاحية، وضحاياها الشخصية الفردانية، بعد خمسمائة عام أصبحت أكثر ثورية واتساع ودموية لتحقيق العدل والحرية بمفهومها، بعد خمسمائة أخرى تحولت إلى شلالات من الإبادة والصراعات التوسعية للدول، وهكذا حتى واقعنا الحالي، أصبح مفهوم الحرية يرتبط جذرياً بالبعد السياسي، وأُسقط عنه معناه الفرداني، وأصبح الحديث عن الإرادة الحرة للفرد يرتبط مباشرة بالفعل الترفيهي إذا لم يتم ربطه بسياسة اقتصادية. بمثال بسيط، شركة جي ام جي السينمائية الهوليودية، تمتلك مشروعاً قومياً سياسياً أمريكياً لتقدم الفن كصورة لترفع من شأن الديمقراطية الأمريكية وتقديمها للعالم كمخلص. هنا نتحدث عن مشروع حرية فنية لكنه مرتبط قطعاً بالمفهوم السياسي الإنتاجي، بالمقابل أفلام المخرج جيم غامروش جميعها لا ترتبط بأي شركة إنتاجية لها مشروع سياسي. إنه عمل فني بحت وقائم بذاته، ولذا لا يمتلك التأثير سوى بمعناه الترفيهي. ذات الأمر ينطبق على جميع الحريات الفردانية. لكن هذه الحريات لا تمتلك التأثير إلا إن دخلت في مشروعها السياسي، وعليه يصبح مفهوم الحرية خاضعاً لصورة معينة وقوانين خاصة لا يجب تجاوزها، وإلا فإن مفهوم الحرية نفسه سيدمر البنية الكاملة للوجود البشري، لأنه حينها لا أحد يستطيع السيطرة عليه.

هذه النقطة هي الأكثر أهمية لنفهم تماماً أن وعينا السياسي بالحرية ومحاولتنا التمرد أصبحت في العصر الحالي مرتبطة بالوعي المباح لنا. إننا نتوهم الاستقلال بالمعنى الحرفي، وعندما نستقل نصبح عرضة للعقلانية ومتوالياتها بالعجز والقلق.

وعينا السياسي بالحرية ومحاولتنا التمرد أصبحت في العصر الحالي مرتبطة بالوعي المباح لنا. إننا نتوهم الاستقلال بالمعنى الحرفي، وعندما نستقل نصبح عرضة للعقلانية ومتوالياتها بالعجز والقلق.

وإذا أردنا أن نسقط مثالاً واقعياً كسوريا، نستطيع أن نفهم فعل الثورة كفعل حرية تمردي بأنه فعل محكوم بالحتمية وليس بالإرادة، وهذا هو أحد أكبر الأخطاء الجسيمة التي حصلت. قد يقول البعض بأن أي تطور مرتبط بحتمية الفعل التاريخي، وبرغم صحة جزء من هذه الرؤية الماركسية، إلا أننا نستطيع أن نستعرض أمثلة التاريخ لنشاهد الدور الفرداني في التلاعب بتلك الحتمية. نابليون بونابرت استطاع أن يهدم ثورة فرنسا الديمقراطية الناشئة من أجل مشروعه التوسعي للإمبراطورية، لقد قضى على حتمية حركة برومير خلال عشر سنوات بعد الإطاحة بالملكية، واستلم زمام الأمور. لقد تلاعب بونابرت فعلياً بحتمية حركة التاريخ الديمقراطية. وقد يقول البعض أن فعل بونابرت هو جزء من الحتمية، وهذا صحيح لكننا نتحدث هنا عن الفعل الفردي ودوره بتغير جوهر فعل الحرية. بمثال آخر في عام 1905 كانت روسيا متجهة بحركة الديسمبريين، لكن فعل لينين الفرداني استطاع أن يؤخر حتمية إسقاط الامبراطور لعشر سنوات ثم الإطاحة به كلياً.

حركة التاريخ هذه بفعلها السياسي للحرية، تجعلنا نفهم بعمق دور الإرادة الفردانية لتغيير التاريخ وتطوير مفهوم الحرية وصناعته بمعناه التمردي. لكن في عام 1933 هذا الدور الفرداني تلاشى كلياً مع آخر الفردانيين كمتلاعبين بالحتمية التاريخية، وهو ادولف هتلر الذي صنع مفهوماً جديداً للحرية كحالة انضواء تحت جلد الأيديولوجيا الشمولية، تماماً كما فعل جوزيف ستالين، واتسع مفهوم الحرية هذا ليشمل العالم في الصين كماوتسي تونغ وفي حركات التحرر في أمريكا اللاتينية، وحركات التحرر في أفريقيا.

لقد قضت تجربة الشمولية على كل فعل سياسي للحرية وإمكانية خلق شخص يمكن له أن يتلاعب بحتمية التاريخ، وأصبحت الأفعال التمردية للحرية والبحث عن الاستقلال هي أفعال حركة تاريخ فقط دون توجيه وهو ما يعطيها انطباعاً بالاعتباطية دون التنظيم. ما جرى في ثورات الربيع العربي هو تماماً هذه الحركة الاعتباطية التي تبحث عن الاستقلال، لتكون حركة تنمو وتتطور دون إنتاج معنى جديد للحرية، وبالتالي إعادة خلق السلطة بصورة مشابهة لما كانت عليه. إن عدم وجود الدور الفرداني في حركة التاريخ لا يؤدي إلا إلى ما نعايشه في واقعنا السياسي. قتل إرادة الفرد من أجل المجموع. وهي بصورة أخرى الهدف الأسمى للقوة المتحكمة بمصائر البشر.

ما يجري في مفهوم الحرية السياسية حالياً أصبح واضحاً وجلياً بعبارة عريضة ويستطيع الجميع قراءتها: افعلوا ما يحلو لكم من ثورات ومحاولات استقلال وإسقاط سلطات لكن لا يجب أن يُخلق أفراد، كونوا قطعاناً من الثورات لكن لا تكونوا أفراداً يمتلكون الإرادة الحرة. دعوا إرادتكم الحرة للترفيه فقط. لا تتلاعبوا بحتمية التاريخ.

وبالطبع لا نتحدث عن إرادة الفرد هنا كصورة شخص سياسي يمارس إطاحة سلطة، أو رجل دين يمزج الكهنوت الصنمي بفعل ثقافي، بل نتحدث عن أفراد يغيرون وعي مجتمعي لأنه ببساطة سيكون الشبح الذي ربما يكسر مفاهيم التابو الحالية وصنميته. كسر قيد الحرية من معناها المؤدلج إلى فعل تنظيري يرسخ وعي مختلف.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.