الخطف والاغتيال.. عناوين تتصدر المشهد شمال سوريا

الأيام السورية؛ ماهر حاج احمد

كثرت حوادث الخطف في المناطق (المحرّرة) كشكلٍ من أشكال الفلتان الأمني، الذي تفاقم مؤخّراً بشكل كبير، وفقاً لمقاطع فيديو ينشرها الخاطفون بغرض أخذ فديةٍ (مبالغ مالية كبيرة) من ذوي المخطوفين.

لكنّ ممارسة الخطف والإخفاء القسري في الشمال السوري لا تقتصر على مجموعات غرضها المال، إذ أصبحت الكلمة والموقف السياسي للشخص سبباً لاختطافه وانقطاع أخباره تماماً، أو سبباً لاغتياله وتصفيته.

وفي كلا الحالات، تسجّل الجريمة ضدّ مجهولٍ لا يتوقّف عن ممارسة ما يفعل ضدّ السكّان.

الخطف مقابل المال:

تركّزت أعمال الخطف مؤخراً على أصحاب رؤوس الأموال والتجار إضافة إلى العاملين في المجال الإنساني، ظناً من الخاطفين أنَّ المنظمات الإنسانية ستدفع لهم الأرقام الخيالية التي يطلبونها، وغالباً ما تنتهي مسيرة الخطف برصاصة في رأس المخطوف ويرمى على قارعة طريق دون اكتراث.

عدّة حوادث جرت مع فئات مختلفة من الناس بينها اختطاف الطبيب (محمود المطلق) في منتصف العام الفائت والذي أُفرج عنه مقابل فدية مالية قدرها (120 ألف دولار أمريكي)، بعد اختطافه على الطريق الواصل بين مدينتي أريحا وإدلب.

كما عمل مجهولون على اختطاف الناشط الحقوقي (عدنان الرزوق) من بلدة الفطيرة على الطريق الواصل بين قرية كفرومة ومدينة معرة النعمان جنوبي إدلب، واقتادوه إلى جهة مجهولة، وذلك منذ شهرين تقريباً، وحسب ما أفاد ذوي المخطوف بأنه “لم يتم الإفراج عنه حتى اللحظة، بانتظار دفع الفدية المالية وقدرها (150 ألف دولار)، وهو مبلغ تعجيزي ليس لنا القدرة على دفعه! ليس لنا إلا الانتظار، والخوف من سماع خبر مقتله دون أن نستطيع فعل أي شيء”.

ومن الحوادث الأكثر غموضاً كانت خطف العامل في المجال الإنساني (حمدو العمر) وقتله رغم دفع الفدية المالية المطلوبة، في حادثة غريبة للصوص يقتلون المختطف رغم حصولهم على ما يريدون.

فالعمر ابن بلدة الهبيط جنوبي إدلب، بحسب ما أفاد أحد أقربائه، يعمل لوجستياً في منظمة (people in need) في مكتبها بقرية حزانو شمالي إدلب، ويتمتَّع بحسن السمعة والسلوك وليس له أيّ أعداء أو مشاكل مع أحد، خرج في العاشر من الشهر الفائت من مقرّ مكتب المنظمة إلى مكان قريب وضمن الفترة الصباحية، حسب ما أخبر زملاءه ليختفي أثره بعد نصف ساعة من مغادرته.

وبعد 15 يوماً بدأت المفاوضات حيث طلب الخاطفون بمبلغ مالي قدره (500 ألف دولار) واستمرّت المفاوضات مدَّة خمسة أيام حتى تم الاتفاق على مبلغ (35 ألف دولار) وطلب الخاطفون تحويلها إلى محافظة الرقة، وبالفعل تم ذلك صباح يوم السبت الخامس من الشهر الجاري، وبدأ الجميع ينتظر خبراً ما عن إطلاق سراحه، لتكون المفاجأة القاسية بأنَّ الخاطفين بعد استلام المبلغ قاموا بقتله برصاصتين في الرأس ورميه بالقرب من مدينة الأتارب غربيّ حلب.

هذه الحادثة أثارت التكهنات حول الجهة التي فعلت هذا الشي الغريب، ولماذا يُقتل المخطوف بعد تحقيق الخاطفين لمبتغاهم؟، إلا إن كان القصد منذ البداية القتل ومفاوضات المال كانت لتحقيق مكاسب فقط ثم تحقيق الهدف الرئيس؟.

ناشطون (إعلاميون، حقوقيون، إنسانيون) اتهموا هيئة تحرير الشام بقتله، محمّلين إيّاها مسؤولية الوقوف وراء اعتقال واغتيال الناشطين السياسيين والإنسانيين، لا سيّما أنّ مقتله تزامن مع هجوم تحرير الشام على الأتارب، التي وجدت جثّته بالقرب منها، فيما رجح البعض أنّ الفاعل هي خلايا تنظيم داعش بسبب تحويل المال إلى محافظة الرقة لتضيع الدلائل ويبقى الغموض يلف القضية.

الناشط الإعلامي عبد الغني العريان من مدينة سلقين يعمل مراسلاً لراديو روزنة تعرَّض مساء يوم الجمعة الفائت للخطف من أمام منزله في سلقين بواسطة سيارة من نوع (فان فضي)، يستقلّها مسلحون قاموا بطرق باب المنزل حتى خرج مع أخيه الذي حاول منعهم إلا أنّهم أوسعوه ضرباً واقتادوا العريان إلى جهة مجهولة.

وبعد يومين وجد العريان مرمياً على أطراف المدينة بعد ضربه ضرباً مبرحاً، وكأنها رسالة تأديبيةٌ فقط من قبل الجهة الخاطفة.

أكد ناشطون ومقربون من العريان أنّه تعرَّض لتهديدات عدَّة من قبل عناصر ينتمون ل “تحرير الشام” قبيل اختطافه بسبب مهاجمتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي عقب الاقتتال الأخير.

الاغتيالات تلاحق الشخصيات اللامعة:

عشرات حوادث الاغتيال تصدَّرت مواقع الأخبار منذ منتصف العام الفائت أبطالها مجهولون وضحاياها ناشطون أو قادة عسكريون، لتبق الأذرع المنفّذة خفيّةً رغم تكرّر الحوادث التي كان أكثرها ضجَّةً اغتيال الناشطَين: رائد الفارس وحمود جنيد في مدينتهما كفرنبل الساعة الثانية عشر ظهراً.

على مرأى الجميع، وعلي دندوش شاهداً وحيداً!

“علي دندوش” الشاهد الوحيد على عملية الاغتيال قال للأيام: في “الثالث والعشرين من نوفمبر” الفائت قدِم إليّ “رائد الفارس” وأيقظني من النوم الساعة 12 ظهراً وقال لي لدينا مشوار، كان برفقتنا “حمود جنيد”، وخلال سيرنا في المدينة لاحظ حمود سيارة نوع “فان” مفيّمة تسير خلفنا ببطء، حيث سلكنا طريقاً فرعياً والسيارة تابعت طريقها إلا أنّ الطريقين يلتقيان في مكان واحد وهو مكان وقوفنا أمام منزل ابن عم رائد لنأخذه معنا، وفجأة وقفت السيارة بجوارنا وفتحوا النار بواسطة بندقية خرجت من النافذة ليتم فتح الباب الجانبي وتُفتح منه النار بواسطة شخصين أخذا وضع القرفصاء.

يتابع دندوش: الرصاصات أصابت رائد وحمود بشكل مباشر حيث كانا جالسين في المقاعد الأمامية وأنا كنت في الخلفية، ولدى فتح النار انبطحت بين المقاعد دون حراك فظنوا بأنّي قتلت، حتى أنّ هدفهم حقّقوه وهو قتل رائد وحمود فقط، ثم انطلقت السيارة مسرعة، عندها نهضت فوجدتهما يتنفسان، ساعدني بعض الشبان في إسعافهما، لكنّ حمود مات بعد أقل من 200 متر، بينما رائد وصل إلى المشفى حياً وفارق الحياة بعد أقل من 10 دقائق.

رائد الفارس أحد أبرز الناشطين السياسيين والإعلاميين في الشمال السوري، مدير إذاعة فرش ومهندس لوحات كفرنبل التي حظيت بشهرة واسعة في مظاهراتها، له علاقات وارتباطات كبيرة جعلت منه شخصيّةً لها ثقل كبير في الشمال السوري، ليقتل بهذه الطريقة ومن قبل جهة مجهولة وأسباب مجهولة.

دور الجهات الأمنية:

الجميع يسأل أين الجهات الأمنية من حالات الخطف والاغتيال؟ وعن هذا الموضوع قال المساعد أول في مركز شرطة معرَّة حرمة (عبد المعين الابراهيم) للأيام: نحن نقوم بتسيير دوريات منتظمة في جميع القرى والمدن، كلّ مخفر شرطة في القطاع التابع له وفق توجيهات من القيادة على مدار الـ 24 ساعة، يتم خلالها تفقد المحال التجارية من اللصوص وتفتيش السيارات الداخلة إلى القرى في ساعات الليل المتأخرة والقبض على أي شخص يتم الاشتباه به لحين التأكد من هويته، لكن موضوع الخطف والاغتيال يتم وفق خطط محكمة الدراسة، أولاً من خلال مراقبة الشخص واختطافه في الغالب خارج المناطق المأهولة بالسكان، فهذه الجهات تقوم بعملياتها بشكل خاطف وسريع جداً لا يتجاوز الدقائق وليس للشرطة الحرة القدرة على مراقبة جميع الشوارع والانتشار بها دائماً فهو أمر يصعب جداً السيطرة عليه.

نحن نفعل ما بوسعنا لضبط الأمن ولدى الإبلاغ عن أي حالة خطف أو قتل نقوم بالإسراع إلى المكان والتحقيق وأخذ الإجراءات الأمنية والتواصل من أصحاب المحلات القريبة في حال امتلاكها لكاميرات مراقبة لمراجعتها لعلها سجّلت أي تحرك غريب، ثمَّ ملاحقة الموضوع والتحقيق في أي ملابسة يمكن أن توصلنا للجاني، هذا كل ما يمكن أن تقوم به الجهات الأمنية لمواجهة هذه العمليات المخلة بالأمن على أمل التمكّن بطريقة ما من إلقاء القبض على أحدهم للكشف عن الشبكة المسؤولة عن هذه الأعمال.

لعل الخطف بقصد المال أبطاله مجموعة من اللصوص الذين استغلوا الفلتان الأمني رغم الجهل بشخصياتهم لكن السبب معروف، أمّا الخطف والمفاوضة والقتل، والاغيال المباشر لشخصيات منتقاة بعناية وتحمل ثقلاً وتأثيراً كبيرين على الأصعدة السياسية والإنسانية والعسكرية، هل خلفها المخابرات الغربية التي أنهت دور هؤلاء في الصراع السوري؟ هل وراءه نظام الأسد الذي زج عملاءه؟ أم هل التناحر الفصائلي والعصبيات المتشددة لدى بعض الفصائل التي كفّرت القسم الأكبر من هؤلاء الضحايا وحكمت عليهم بالقتل هي الفاعل؟ أسئلة كثيرة وتكهنات أكثر حول الجاني والسبب الذي يقف وراء جنايته هذه، ليس لها جواب في الوقت الحالي إلا “قام مجهولون”.

مصدر خاص الأيام السورية
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل