براميل الأسد: أقلّها كان خلال 2018 وجراحها لدى البعض لا تندمل

الأيام السورية؛ أحمد عليان

البراميل المتفجّرة إحدى أنواع الأسلحة المستخدمة ضدّ السوريين، لكنّها تمتاز بعدم الدقّة في إصابة الهدف، وبقوّةٍ تفجيريةٍ عالية، بحسب شهادات مدنيين خبروا حتّى صوت خرقها للهواء بعد أن تُرمى عليهم من المروحيات العسكرية.

وإذ يمكن إحصاء عدد البراميل الملقاة على السوريين، فإنّه لا يمكن إحصاء ما تركته في نفوس ضحاياها الناجين.

عُرف عام 2018 شعبياً بعام التسويات التي سيطر عبرها نظام الأسد على مناطق كانت خارج سيطرته، فمن الطبيعي أن يكون عدد البراميل المتفجّرة التي قصف بها الأخير عموم المناطق بالبراميل المتفجّرة أقل من حيث العدد نسبةً إلى السنوات السابقة، بحسب ما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

آلاف البراميل وعشرات الضحايا خلال 2018:

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر الاثنين 7 يناير/ كانون الثاني: إنّها وثّقت ما لا يقلّ عن 3601 برميلاً متفجّراً ألقاها الطيران التابع لقوات الأسد على مناطق غالبيتها العظمى مدنيّة، خلال العام المنصرم، لافتةً إلى أنّ العدد المذكور هو الأقل على الإطلاق مقارنةً بالأعوام السابقة.

وتَصدّر شهر مارس/ آذار المرتبة الأولى بعدد البراميل، بحسب جدولٍ بياني نشرته الشبكة، إذ قصفت خلاله طائرات الأسد 793 برميلاً، بينما كان شهر أبريل/ نيسان في المرتبة الثانية بعدد براميلٍ وصل إلى 761، وهما الفترة التي شنّت خلالها قوات الأسد العملية العسكرية على الغوطة الشرقية قرب دمشق.

وأظهرت خريطةٌ ضمن التقرير المناطق التي تمّ استهدافها بالبراميل المتفجّرة وعدد البراميل التي استهدفت كلّ منطقة، فكان لريف دمشق النصيب الأكبر بعدد براميلٍ وصل إلى 1396، تلتها درعا (917)، ثمّ إدلب (607)، ودمشق (417)، والقنيطرة (281)، وحماة (139)، وحلب (52)، وحمص(41)، واللاذقية(4).

مقطع فيديو يوثّق إلقاء قوات الأسد لبرميل من المروحية بشكل عشوائي:

المدنيون هم الضحايا:

نوّهت الشبكة في تقريرها على أنّ القصف بالبراميل المتفجّرة لم يكن ضدّ أهداف مراكز عسكرية أو مخازن أسلحة للمعارضة، في الغالب، مؤكّدةً أنّ الهجمات أسفرت عن مقتل ما لا يقلّ عن 187 مدنياً، بينهم 51 طفلاً و 55 سيّدة، أكثر من نصفهم قُتلوا في ريف دمشق.

كما وثّق التقرير استهداف قوات الأسد بالبراميل للمنشآت الحيوية، وهي 9 مساجد، ومدرستين ومعهد تعليمي، بالإضافة لـ 17 منشأةً طبية.

ولفت التقرير إلى أنّ من بين الهجمات بالبراميل ثمّة هجماتٌ يشتبه بأنّ نظام الأسد استخدم فيها السلاح الكيمائي، كما جرى في كلٍّ من الغوطة الشرقية قرب دمشق وسراقب في ريف إدلب.

وفي تقريرٍ سابق للشبكة، وثّقت فيه قصف قوات الأسد دون سواها من حلفائه (روسيا، إيران) مناطق سورية خارجة عن سيطرته بـ 70 ألف برميل متفجّر، منذ عام 2012 حتّى 25 ديسمبر/ كانون الأول 2017.

من ذكريات البراميل:

في عيد ميلاد بشار الأسد مجزرة في كفرزيتا:

للبراميل المتفجّرة كغيرها من الأسلحة، آثارٌ في نفوس السوريين الذين عرفوها وعانوا منها. وثّقت “الأيام” إحدى المجازر التي سبّبتها البراميل المتفجّرة وما تركته من أثرٍ في نفس أحد ضحاياها.

صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر/ أيلول من العام 2012، قصفت مروحيات تابعة لنظام الأسد مدينة كفرزيتا في ريف حماة الشمالي بـ12 برميلاً متفجّراً، ما أسفر عن سقوط 12 قتيلاً من الأهالي.

البراميل الـ 12 كانوا من ضمن أكثر من 73 ألف برميل متفجّر، وهو إجمالي عدد البراميل التي قصفت بها قوات الأسد المدن والقرى السورية الخارجية عن سيطرتها منذ عام 2012 حتى نهاية 2018 بحسب تقرير الشبكة، وضمن 3150 برميلاً سقطت على كفرزيتا، وفق ما أفاد المحامي عبد الناصر حوشان استناداً على إحصائيةٍ وثّق بها العدد منذ عام 2012 لغاية 2018.

“في ذلك اليوم 12 برميلاً على كفرزيتا و12 شهيداً وأكثر من 15 مصاباً” قال المتطوّع في مجلس محلّي المدينة أحمد طلفاح، الذي تركت البراميل فيه أثراً لا يمكن نسيانه أو حتّى تجاهله، إذ خسر شقيقه وزوجة شقيقه، في حين أصيب هو بشظية في الرقبة لا تزال آثارها واضحة، وكسور وانزياح بصابونة الركبة، وكذلك أصيبت زوجة عمّه بذات البرميل بشظية في الرأس أدّت لوفاتها.

وقال طلفاح للأيام: كنتُ نائماً وكان أخي (عبد الله) يوقظني من النوم لأتحصّن في مكانٍ يحميني من براميل المروحية، لكنّ ذلك لم يحدث، حيث كانت المروحية ألقت برميلاً سقط في منتصف بيتنا العربي، ما أدّى إلى استشهاده وزوجته التي كانت تتوضّأ على المغسلة المجاورة، في حين كان أخي الآخر (عبد الكريم) يراقب من على سطح المنزل الطائرة الأولى دون أن ينتبه للطائرة الثانية التي كانت فوق منزلنا مباشرةً، فكان أن أسقطه ضغط البرميل من على السطح إلى الشارع، وأصيب بنزيفٍ في الرئتين.

“أتذكر صوت أخي وهو يناديني لأصحو، كأنّه خيال أو كابوس جرى خلال النوم”، يستذكر طلفاح منوّهاً إلى قصّة الطفلة بتول الطلفاح ذات الأشهر العشرة، حيث أخرجها عمّها من المنزل بعد تدمّر أجزاءٍ منه وبعد وفاة والدته (وهي زوجة عم طلفاح)، إلى منزلٍ مجاور في الحي، أكثر تحصيناً، لكنّ المروحية قصفت المنزل الذي لجأ إليه الأهالي بمن فيهم الطفلة بتول، وفارقت الحياة مع آخرين.

“تخيّل حتّى اللذين أنقذونا ماتوا”، يؤكّد طلفاح.

الجدير ذكره، أنّ تاريخ المجزرة هو يوم ميلاد بشار الأسد الموافق لـ 11/ 9، فهل كان قتل 12 مدنياً في كفرزيتا وحدها جزءاً من احتفال سيادة الرئيس بعيد ميلاده؟ يتساءل الشاب.

بشار الأسد خلال لقائه مع صحفي قناة بي بي سي في دمشق عام 2015-المصدر: بي بي سي

بشار الأسد لا براميل ولا أواني طبخ!

طلفاح الذي قال إنّ ذاكرته لا تزال تحتفظ بـ” وحيف” (صوت اختراق البرميل للهواء) البرميل الهابط من المروحية نحو البيوت، متسائلاً فيما إن كانت المجزرة احتفالاً من الأسد بعيد ميلاده، أتاه ولغيره الجواب من الأسد بالسخرية من هذا الادّعاء، فلا براميل متفجّرة في سورية ولا أواني طبخٍ منزلي!

وقال الأسد خلال مقابلة في دمشق أجراها جيريمي بوين، محرّر شؤون الشرق الأوسط في بي بي سي في فبراير/ شباط 2015: “ما أعرفه عن الجيش هو أنه يستخدم الرصاص والصواريخ والقنابل، لم أسمع عن براميل أو ربما أواني الطبخ المنزلية”

لكنّ الصحفي عاد وأكّد السؤال على الأسد بقوله: “أعني البراميل الكبيرة المليئة بالمتفجرات التي تسقطها المروحيات وتنفجر محدثةً أثاراً مدمرة، فثمة أدلة كثيرة على ذلك”، لكنّ الأسد أنكر، وقال: “تسمى هذه قنابل، لدينا قنابل وصواريخ ورصاص….. ليس لدينا براميل متفجرة، لا نملك براميل”.

إنكار الأسد ليس نسفاً لرواية طلفاح وحسب، بل نسفٌ لكلّ ما وثّقته مقاطع الفيديو، والصور، وشهادات الأهالي والمنظمات الحقوقية، وأيضاً نسفٌ لقرار مجلس الأمن الدولي (رقم 2139) الصادر عام 2014، الذي أدان استخدام قوات الأسد للبراميل المتفجّرة.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، أعلن السفير الروسي السابق في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أنّ نظام الأسد سيتوقّف عن استخدام البراميل المتفجرة إثر دعوات متكررة من موسكو (حليفته) له، ما يعني أنّ الأسد يعرف تماماً أنّ ثمّة براميل متفجّرة.

مصدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان الأيام السورية
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.