الأمومة وذاكرة السمكة.. فطرة طبيعة أم نسق تجريبي

الايام السورية | علي الأعرج

في أحد الأيام اتصل بي صديق لحاجته إليّ. واعدته وذهبت، وفي المقهى جلسنا وأخبرني أنه قد خرج تواً من مركز الشرطة، وعندما استفسرت عن تفاصيل الحادث، أخبرني بأنّ الجيران قد اتصلوا بالشرطة بعد أن سمعوا والدته تصرخ بأنّ لصاً قد دخل المنزل، وبعد وصول الشرطة شاهدوا صديقي جالساً يحاول تهدئة والدته. وتمّ بالطبع إلقاء القبض عليه، وسوقه إلى المركز.

وبعد تقديمه إثباتات أنه ابن تلك الإنسانة وأن أمّه مريضة بالزهايمر، تمّ الإفراج عنه. كان يحادثني عن شعوره المؤلم بحالة والدته وتدهورها الصحي وإحساسه باليأس كلما مرّت الأيام.

بكلّ تأكيد تلك الحالة التي أصابت والدة صديقي مؤلمة، من فقدان الذاكرة وعدم القدرة على القيام بأي عمل. لكن تلك الحادثة وبعيداً عن إنسانيتها جعلتني أتوقف مطولاً عند الأمر الآتي:

إنّ الوعي البشري يجد نفسه دائماً أمام حقائق لا تتغير، وإن مجرد التفكير المنطقي اتجاهها تجعل البشر يرفضونها لشعورهم بانهيار منظوماتهم الأخلاقيّة والإنسانيّة، ومن تلك الأشياء هي مقولة “غريزة الأمومة” وما جعلني أفكر بالموضوع هو حادثة والدة صديقي.

عندما جلست معه أخبرني بأنّ أشدّ ما يؤلمه أنّ والدته كانت ذات يوم من أكثر الناس قرباً إليه وعاطفة وحناناً عليه، وبعد إصابتها بالزهايمر “تلاشي الذاكرة وتآكل الأعصاب الدماغية” لم يعد هناك مكان للعاطفة والحنان القديم، وآخر موقف أنها لم تعرفه، ظنته لصاً غريباً فأخذت بالصراخ.

في هذا الموقف يحقّ لنا أن نسأل سؤالاً مشروعاً.. أين اختفت تلك العاطفة العميقة وغريزة الأمومة التي يتبجّح بها كل البشر؟. إذا اعتبرنا أنّ الأمومة هي غريزة كالغرائز الأخرى، كالجنس والأكل والنوم، يصبح من المنطقي أن الأمومة لا يمكن لها أن تختفي لمجرد عائق فيزيولوجي، لأن أي أزمة جسدية لا يمكن أن تُخفي الإحساس بالجوع أو الجنس أو الرغبة بالنوم كغرائز، فلماذا تختفي غريزة أمومة لمجرد تآكل الذاكرة؟.

هذا يضعنا أمام مفهوم بسيط وواضح، إنّ إحساس الأم بالحب اتجاه ما تُنتج هو ببساطة نسق ثقافي وتجريبي؛ تعتاد عليه ضمن مفاهيم اجتماعية متراكمة وليست غريزة أصيلة كما يحاول الجميع تقديمها، تماماً مثل عوالم السمك.

إنّ سمكة تضع بيضها، وتسبح لمسافة عشرة أمتار ثم تعود أدراجها، يمكن أن تأكل بيضها الذي وضعته، على الرغم أنه بمنطق الطبيعة والغريزة الذي يحاول البشر تعريفه دائماً والدفاع عنه أبداً، يُحتم عليها ألا تأكله، لكنها تلتهمه لأنها ببساطة تمتلك ذاكرة السمكة، أي أنّ الخبرة التي تتلقاها تختفي بعد ثوانٍ، لا وجود لذاكرة تشكل نسق ثقافي وتجريبي.

إنّ الذاكرة هي التي تحدد عاطفة الأم وليست بلاهة الغريزة الطبيعية. تراكم المواقف والأحاسيس، من لحظة الخلق إلى تجارب الفكر الإنساني في جعل الأم أن ترى بنفسها العاطفة العميقة، ترسيخ مفاهيم اجتماعية ودينية متوارثة، تحديد الطبائع والمهمات، كل ذلك هو الذي يحدد النسق المتراكم في الذاكرة لجعل الأم تقول دائماً أنها ولدت في عمق الطبيعة ولديها عاطفة أمومة أزلية، أو هي غريزة وضعها الله في جوفها.

على خلاف كلتا الحالتين، يبقى السؤال المشروع بتآكل الذاكرة ونموذج ذاكرة السمكة، يطرح سؤالاً عميقاً حول عاطفة الأمومة، وأهميته وأزليته.

إنّ مجرد تغيير النسق التراكمي الاجتماعي في الذاكرة يؤدي تلقائياً لانهيار مفهوم غريزة الأم، لأنه نتاج ثقافي متوارث. لا وجود في الطبيعة الأصيلة لشيء يُسمى غريزة أمومة، بل هي عبارة عن أنساق تجريبية تتحول إلى نمط وحقيقة، وتصبح هذه الحقائق غير قابلة للجدل، وإن مجرد نقاشها تجعل الناس يصابون بالهلع، فهل يمكن أن تواجه أي امرأة لتقول لها، بأنها لا تملك غريزة أمومة وكل ما في الأمر أنها تمارس النسق الثقافي التاريخي! إن مجرد الاعتراف بهذه الحقيقة يُسقط عنها أحد أهم دعائم تفسير وجودها، ويقدمها بلا معنى. بالتأكيد لا يمكن لأي امرأة أن تعترف بذلك، ولا حتى جميع دعاة المنطق الإنساني بمن فيهم الذكور، فلا أحد يريد مجابهة مختلفة لاكتشاف حقيقتنا في هذا الكون، فالوهم جيد حتى وإن كان أبلهاً.

وقد يخرج البعض ليقول: “حتى إن كان ما قُدّم صحيحاً كاحتمال نظري، كيف يمكن أن نفسر رغبة الكائنات في حماية الصغار!”. وشخصياً لا أرغب كثيراً في الجدل بهذه الأمور، لكنها نوع من تسليط الضوء على تفاصيل يجب أن نفكر فيها بطريقة مختلفة. وحول موضوع الحماية يمكن القول:

إن ما نشاهده في الطبيعة من الدفاع عن الأبناء ومحاولة حمايتهم، ومثال ذلك عند الكائنات الأقل ذاكرة ووعياً، فذلك بسبب تجربة البيئة التي ولدوا فيها وحددت النسق المفهوماتي في نظام الحياة. فمثلاً أشبال الأسد واللبوة هم أكثر حرية في التحرك وأقل اهتمام من الوالدين مقارنة مع ظباء الغزلان الذين يشكل الأهل لهم نظام حماية أكثر أماناً، لأن المفهوم البسيط لبيئة الأسد وطبيعته المادية كقوة خبراتية موجودة في الذاكرة لديهم، تحدد أن الأخطار المحدقة فيهم أقل بكثير من الأخطار المحدقة بالغزلان.

هذه الأنساق البيئية هي التي تحدد فعلياً مفهوم الحماية والعاطفة بسبب الذاكرة والخبرة المتركزة فيها، وليس لأن نظام الرغبة في الحماية يعود لغريزة الأم. تماماً مثلما نشاهد “قطة أم” يمكن أن تترك صغيرها وتهجره ليموت إذا كان مريضاً، لأن النسق الخبراتي لبيئتها يفترض عنصراً قوياً وانتقائياً لنسلها واستمراراً للنوع.

جميع هذه الأمثال تحدد لنا خبرة وثقافة ونسق البيئة التي نحن فيها، وتلعب الذاكرة دوراً كبيراً وأساسياً في تحديدها، وتسقط أسطورة غريزة الأمومة. وكما قلنا المسألة ليست أكثر من تسليط ضوء، لكنه مهم لنعيد تشكيل مفاهيمنا التقليدية حول وجودنا لنكتشف من نحن؟ ولماذا هكذا نحن؟ وإلى أين نسير؟ وكيف نعيد ترتيب أهمية وجودنا؟.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل