عتبات تغريبتنا في عام جديد

الأيام السورية؛ سلام أبو شالة

أكتبُ الآن.. بينما يمُرّ بخاطري تساؤل مُرٌّ..

هل يكفي المِداد لكتابة أحزاننا الكثيرة؛ أو لبعضٍ من أفراحنا الخاطفة على الورق؟ وهل يستطيع الشعر أو القصة أو الرواية.. احتضان ذلك؟.

هل تتسع صفحة شخصية على الفيس بوك.. لحكايات العشّاق ولأشواقهم؛ أو لحنين الأمهات اللاتي ينتظرن أولادهنّ.. إذا ما عادوا من مُعتقلات الموت؟!

هل تكفي أحلام اليقظة التي نعيشها في نقل آمالِ اللاجئين من الأيدي المرفوعة نحو السماء؛ إلى حقيقتها على الأرض؛ وهم ينتظرون لَمَّ الشمل بعد أن أُغلِقَت كلُّ بوابات اللقاء؟.

وماذا عن الانتظار والحنين والأمنيات في لواعج القلوب؟ ماذا عن الصدى الحزين لأصوات المقتولين؛ وخطوات من غُيِّبوا داخل الوطن المسيّج بالدم والنار؟ وماذا عن آخر صرخة لمن غيّبتهم البحار.. بحثاً عن وهمٍ للحياة خارج حدود القتل والآه.

بدأت الحكاية من مدينتي الزبداني.. ونزوحي مع أسرتي إلى منطقة “الشلّاح” المُتاخمة لها، ثم انتقالنا إلى “وادي إلياس” في بلودان، وقد نجونا بأعجوبة بعد قصف البيت، وهناك حدثت مأساة اعتقال زوجي عام 2013.

استطعتُ اللَحَاق بأولادي في لبنان بعد أن نجوتُ من الاعتقال؛ وهربت بهوية جارتنا وقد قلّدتها أمامَ حواجزهم.. بانحناءة العُمر في عمودها الفقريّ!.

بقيتُ في بيروت  لمدة عامٍ.. وسط ظروف صعبة يعرفها هناك جيداً كلّ لاجئ سوري، لتحطَّ بي رحال التغريبة في مدينة إستطنبول التركية قبل أن تُقفِلَ بواباتها البيزنطية أمام السوريينّ.

لا أدري لِما بكيت كثيراً وأنا على متنِ الطائرة التي ستُقلني إلى إسطنبول؛ كان يجلس بجانبي شابٌ ألمانيٌّ.. عرفت ذلك من لكنته عندما تكلم مع المضيفة، وكان ينظر إليَّ مُستغرباً بين الفينة والأخرى؛ وهو يرى دموعي تنساب على وجهي.. ربما لن يعرف يوماً معنى أن يكون المرء مُهجّراً بالرغم عنه.. لا مُهاجراً كما تقول لوائح الأمم المتحدة!.

ثمّة هاجسٌ خفِيٌّ.. كان يُخيفني جداً؛ وكأنه يُهمس لي.. عن طول مُدَّةِ التغريبة؛ وعن بُعدِ فترةِ اللقاء بأفراد أسرتي الذين قرَّروا اللحاقَ بي.. لكن أبواب بيزنطة أغلقت بوجه كلّ سوري لاجئ، وفُتحت أمام الأغنياء منهم وأمام المُلتحقينَ تطبيلاً لزعيمٍ يرشقهم بالخطابات الرنّانة عن الأنصار والمهاجرين!.

رأيت إسطنبول من الجوّ؛ لوحةٌ رائعةٌ ضمن إطارٍ مُزخرفٍ بتعرّجات شواطئ البوسفور الزمرديّة.. فتذكرتُ رحلات السندباد التي كنت أتابعها وأنا صغيرة بشغفٍ، لا يُوازيه اليومَ.. سوى فرح رحلة لجوئي الثانية.

لم أستطع النوم في ليلتي الإسطنبولية الأولى.. بسبب أصوات النوارس التي كانت تتراقص في ليل المدينة، بينما ما زلتُ أتراقصُ في سريري من رطوبة ولَسعِ حشراتِ في بيروت.

أحببتُ إسطنبول، أحسستها قريبةً من دمشق بأناسها، وأسواقها التاريخية، وبمُنتجاتها، وأقمشتها، وملابسها، ومأكولاتها، وبأسماكها الطازجة التي تفتخر بها؛ لكنني لم أستطع أن أُحدِّق في وجهِ أيِّ شابٍ يمرُّ بجانبي إلا وأرى في وجهه الغَضّ صورةَ أحد أبنائي الغائبين.

بلدي التي كانت تحلم بإنشاء خط ميترو في دمشق.. أصبح جُلَّ أحلامها اليوم خروج مُعتقلٍ من سجون الأسد، وسماعُ خبرٍ عن مختفٍ قسرياً؛ والحلم بلَمِّ شملِ عائلةٍ سورية إلى ألمانيا أو دولة أخرى.

وبينما أتجوّل في شوارع إسطنبول ومناطقها الجميلة أتساءل بحسرةٍ:

  • ما الذي ينقص بلدي أن تكونَ كذلك؟.

بلدي التي ابتُلِيَت بعصابةٍ لم تتورّع عن سرقة وتعفيش كلِّ شيء: النفط وريعه للقصر الجمهوري.. البناء والإسمنت لشاليش شريك بشار الأسد.. حتى النفايات النوويّة.. دُفِنَت في بادية تدمر وفي ساحل بانياس؛ وبقي يعاني أهلها البسطاء من السرطان حتى اليوم.

بلدي وإنسانها المسحوق الذي كان أقصى هَمِّه.. تأمينُ قُوتِ أولاده.

أتذكّر.. عندما قدّمت شركة ألمانية عرضاً في التسعينات لإنشاء “تلفريك” من أعلى نقطة في جبل نسور في بلودان إلى سهل الزبداني؛ وبدأت بإنشاء القاعدة الرئيسية؛ ثم توقف المشروع فجأةً.. بعد أن طلب رامي مخلوف شريك بشار الأسد نسبة 70% له.. والباقي للشركة الألمانية!.

بلدي التي تمّ تدميرها على يد بشار الأسد، بلدي التي كان بها أول استقلال عن المحتلين؛ وأول برلمانٍ؛ وأول امرأة عربية يحق لها الانتخاب؛ وحتى.. أول مصعد كهربائي في أية دولةٍ عربية عام 1960.

بلدي التي كانت تحلم بإنشاء خط ميترو في دمشق.. أصبح جُلَّ أحلامها اليوم؛ خروج مُعتقلٍ من سجون الأسد، وسماعُ خبرٍ عن مختفٍ قسرياً؛ والحلم بلَمِّ شملِ عائلةٍ سورية إلى ألمانيا أو دولة أخرى، وربما مجرّد حُلمٍ أكبرَ قليلاً؛ كاللجوء من تركيا إلى القارة العجوز؛ التي ستُقفل أبوابها هي الأخرى بعد حين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل