على هامش التصعيد التركي نحو شرق الفرات

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

جملةٌ من التطورات يشهدها الملف السوريّ، تحمل المراقبين على قراءة ما يحصل بكثير من الروِّية و التأنّي، وذلك بدءًا من المشارفة على تشكيل اللجنة الدستوريّة، بعد التلويح الأمريكي بإنهاء مساري أستانا وسوتشي، فجاءت الأمور على النحو الذي طالبت به أمريكا، ومرورًا بالحديث عن إقليم القامشلي الخاضع للسيطرة الكرديّة، وانتهاءً بالتصعيد العسكري التركي.

ولعلّ أكثر ما يستوقف المراقبين من تلك التطورات، هو تلويح تركيا بعمل عسكريّ على ميليشيات قسد، المرتبطة عضويًا بحزب العمال الكردستاني، المصنّف على قوائم الإرهاب التركيّة، وقد تباينت القراءات في مدى جديته، الحدود التي يمكن أن يصل إليها.

صحيحٌ أنّ اللهجة التركية تبدو عالية، و لكنّها ما تزال تحمل كثيرًا من الرسائل الدبلوماسيّة، ولا يطفو على السطح منها ما ينذرُ باحتمالات الذهاب نحو التصعيد المباشر؛ فالتفاهمات الدولية على في سوريا لا تحتمل أية تحركات غير منسقة مع بقية الأطراف، فضلاً على أنّ التفاهمات الثنائية ( التركيّة ـ الأمريكيّة) لا تحتمل أن يذهب الرئيس أردوغان في تصريحاته إلى حدّ القيام بعمل عسكري شامل في شرق الفرات.

إنّ جملة التحركات الإقليميّة والدوليّة، التي شهدها الملف السوريّ في الأيام والساعات القليلة الماضية، مثلما هي اللغة الإيجابية التي غلّفت اتصال الرئيسين أردوغان و ترامب، لتجعلنا نذهب إلى أنّ التحرّك التركي، ليرمي إلى تذكير الجانب الأمريكي بضرورة تفهم هواجس تركيا، والإيفاء بتعهداته التي قطعها لها في عدد من الملفات، وفي صدارتها الملف الكردي في منطقتي منبج و شرق الفرات، وحمله على معاودة التنسيق بينهما بما يفضي إلى غلق ملف منبج، في وقت قد لا يتعدّى أواخر سنة 2018.

فالمصادر المطلعة تذكر أنّ فصائل الجيش الوطني السوري، لم تخطر إلى الآن بطبيعة التحرّك في شرق الفرات، أو وقت الشروع فيه، و يغلب على الظنّ أنّ تحركها سيكون باتجاه منبج، وأنها ستحلّ مكان الميليشيات قسد عند خروجها منها، في الوقت الذي سترابط قوات البيشمركا السورية، التي تمّ تدريبها في شمال العراق، على عين تركيا و البرزاني، في الشريط الحدودي، و ستقوم عناصر القبائل العربية، التي يتولّى التفاهم حولها أحمد الجربا مع تركيا، بأخذ مواضعها في القرى و البلدات العربية، التي نالها قسط وافرٌ من التهجير والتغيير الديمغرافي على يد قسد، و تصرّ تركيا على إعادة أهلها المقدر عددهم بمليون و خمسمائة ألف، من مخيمات النزوح فيها قبل الشروع في خطوات الحلّ السياسي، الذي يبدو أن أمريكا صارت جادة في السير فيه.

هناك من يذهب إلى أنّه قد يسمح لتركيا، أن تقوم بعمليات محدودة ضد الوحدات الكردية في شرق الفرات، وذلك في رسالة تريد أمريكا أن توصلها إليهم، بضرورة التوقف عن التواصل مع النظام بين الفينة و الأخرى، وضرورة السير بجدية أكبر في مقاتلة داعش، وضرورة أن تكون وكيلاً حصريًا لها، والنأي بنفسها عن روسيا.

وهناك من يذهب أيضًا إلى أنّه قد يعطى لتركيا فرصة التموضع في مدينة الطبقة، والسماح لها بصيانة وإعادة تشغيل سدّ الفرات، من أجل مساعدتها في تنمية مناطق غرب الفرات وصولاً إلى إدلب، للتخفيف عن كاهلها تنمية تلك المناطق، لتكون عامل جذب واستقطاب لمن سيتمّ إعادتهم من اللاجئين من بلدان أوروبا.

وهو أمرٌ لا تجد أمريكا فيه ضيرًا، طالما أنّها تمسك بالسدود الأخرى، و بجلّ منابع النفط والغاز في عموم منطقة شرق الفرات، فلا بأس من أن تترك لحليفها التركي بعضًا من كعكة ثروات المنطقة، للتخفيف عنه في أزمة الطاقة المزمنة، التي يرزح تحت ثقلها منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923م.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.