والشّعب إذا حكى..

الأيام السورية؛ بقلم: د. سماح هدايا

على الرغم من أنّ المشهد السوري خرج، كقرارٍ مستقل،  من يد المعارضة، وارتبط بمواقف دوليّة وإقليميّة مضطربة، فإنّ الشعب السوري مازال يخوض ملحمة كبيرة لأجل المشروع التحرري الذي نادى بشعاراته، عفويا،   في آذار 2011 وقدّم له عبر الحرب المضادة والفوضى أعظم التضحيات، ويعدّ في المخاض للحظة تاريخية  تنتج قيادات وشخصيات تستطيع تحويل المشروع  التحرري من طموح وشعار وفوضى ومحادثات إلى أفعال ذات جدوى  ومخرجات وآليات واقعيّة تلبي المطلب الوطني وفق الظروف المستجدّة.

إذا طرأ تطوّر قريب في الوضع الدولي،  فقد يحقق المعارضون السوريون، حتى في تشوش مواقفهم والتباسها، مكسبا سياسياً مؤقتا في حوارات الحل السياسي التي ترعاها القوى الدوليّة، لكنّ المكسب المهم  يتحقق فعلاً  في توحّد المعارضة على رؤية وطنية، وتطوير الحراك السياسي والثقاقي والاجتماعي، ليفرض تغييرا جوهريا في المتداول عبر المنابر والمنصات الوطنيّة العامة والنخبوية يعكس الأهداف المتعلقة بإسقاط نظام الاستبداد ، وجلاء  القوى الأَجنبية  المتحكّمة بالقرار الوطني  تمهيداً لإقامة دولة القانون والعدالة الاجتماعية؛ لأنّ الشعب عندما يعي أولوياته، ويسترد إرادته المسلوبة، يستطيع أن يهضم مآسيه وأوجاعه وينتفض ليغيّر تاريخه. حجر الزاوية في التغيير هو تعديل مسار العمل السياسي والثقافي  بقراءة جديدة للتاريخ الواقع والجاري.

مقاومة  الانكسار برواية الذاكرة

القضية السوريّة، وإن كانت معقدة، فحلولها عند السوريين، أساساً،  لا التوهم خلاف ذلك بالعدالة الدولية؛ فالأمم المتحدة وثّقت عبر أروقتها وأجهزتها  الانتهاكات الفظيعة لنظام بشار، ووثقت جرائم القتل خارج نطاق القانون وحالات التَّعذيب، والإخفاء القسري، واستخدام الأسلحة الكيميائية، والحصار، والقصف العشوائي، وقصف المشافي والمدارس، ومجلس الأمن الدولي أصدر 18 قراراً حول سوريا، لكنْ، لم تتخذ الأمم المتحدة  من ميثاقها  الأممي  موقفا ضد النظام السوري الذي  لم يلتزم بقراراتها واستمرّ، مدعوماً بقوى عسكرية روسية وإيرانية، يقتل ويرتكب الفظائع وينتهك قواعد القانون الدولي العام، ويزعزع  استقرار النظام الدولي (الشبكة السورية لحقوق الإنسان- Syrian Network for Human Rights http://sn4hr.org/arabic/2018/10/28/10531). الثورة، برغم معضلة الحرب البشعة، وضعت السوريين أمام  استحقاق تاريخ جديد، لكن، لن يرى النور إلا إذا اقترن العمل السياسي بالعمل الثقافي في إطار بناء الوعي التاريخي للهوية السّوريّة.

يحتاج عموم السوريين إلى الأمل ومقاومة الانكسار، بعد حصاد  الخسائر والتضحيات،  وهذا يقتضي إعادة صياغة المخيلة والوجدان بالتّنوير عبر سردٍ  يستجيب  لتجارب من الثورة  نجحت في قهر الآلام؛  فالتعاسة التي أصبحت  تنمّط  المزاج السوريّ هي تثبيط للعزيمة. هناك قصص نبيلة تستحق أن  يحكى عنها بشكل جميل لائق، وهناك بطولات تحتاج من يضيئها ويضعها في سياقها التحرّري؛  فالعمل الوطني  لا يوجز بخطاب سياسي وفصيل عسكري،  بل يتمدّد على  مشروع ثقافي وهوية تاريخية، كما أن فهم الذات والذاكرة  متصلان بنمو التجارب والخبرة.

الذاكرة السوريّة شاهد على حرب همجية شنتها سلطة الأسد وقواته العسكرية وقوات حلفائه، لكنّها تصير شاهدا ميتا إن  لم تكن محركاً ودافعاً لمحاسبة هذا النظام  وللتغيير السياسي نحو عدالة اجتماعية وانصاف في الحقوق، والا فيستمر الاستبداد والفوضى وأفعال الانتقام والثأر التي ستشعل  المزيد من  نيران  الحرب الأهلية؛ فذاكرة آلاف المشاهد المؤلمة لقصص الشعب السوري، تصير مجرد ثرثرة أو مرثية مفتوحة للتألم، إن اقتصر سردها على الإرعاب والتخويف من دون فهم  السياق التاريخي لمنظومة الاستبداد المتصلة بعهود الركود والاحتلال والتخلف، ومن إعداد خطة مكينة لمحاسبة النظام  ومن تورط بالجرائم، وإحقاق العدل، وبالتالي العمل على إسقاط المنظومة التي قتلت وشردت وعوّقت وغيّبت الملايين من السوريين واستقوت عليهم باستجلاب العدوان الخارجي.

إعلام وطني حر لرواية الثورة

لما بدأت الثورة ، انفتحت، عفوياً،  المسارات الفنيّة والأدبيّة  الظمأى للحريّة، وأخذت القصص الوطنيّة تنضج، لولا أنّ حرباً ضخمة داخلية وإقليمية ودولية راحت تهاجم حياة الناس، وحربا  أخرى إعلامية  وثقافيّة موازية أخذت تدمّر في العقل والنفس مما هيّأ لتمرير  قصص وصور مؤذية تبث سموم الجهل والفتنة، ومن وحي العنصرية والطائفيّة والبغضاء، وبمناظير  الخيانة والانهزام والتخاذل، وحول  الإرهاب والترويع، للتمزيق والتحبيط. أما  قصص الشجاعة والبسالة والوفاء وقصص المقاومة والكفاح النبيل، وقصص السمو الإنساني والرحمة،  فظلت نادرة ومهمّشة أو بصياغة باهتة.

رواية الحياة وصناعة الحياة هي القادرة على النجاح والتغلب على القهر

واجه السوريون، بفعل التمويل  وتنوع الولاءات في حرب طويلة،  حالة عميقة  من التمزق، أدّت لصياغة  اللا تعايش بالتشهير ونشرالأخبار الكاذبة والقصص الغريبة التي تشوه أبناء البلد الآخرين تحت عنوان حرية التعبير وقوة النقد، حتى أصبح كل شيء قابلا للتفكيك،  ولا أحد بمنأى عن التشريح البشع.  فانتشرت عقلية الحقد والبغضاء، ونال التحقير كل شيء،، خصوصا،  لما أمسك أشخاص غير مؤهلين  أو عنصريين أو انتهازيين ببعض وسائل الإعلام المؤثرة؛  حتى تمكنت رواية النظام وروايات حلفائه من الانتصار، فراجت  صورة السوري  الشّكاك، الكاذب، الجاهل، الانتهازي، الإرهابي، العنيف؛ فسقطت رواية الثورة ومشروعية مطالبها التي كان يمكن أن تجد لها مجالا واسعا وعميقا في صفوف شعبية كثيرة،  لو تكاتفت الجهود وانصب اهتمام الإعلام  الجديد والمنابر الثقافية على تمكين الإنسان بالوعي الوطني والانساني، من دون أجندات استغلال، والمساعدة في توثيق عرى التضامن والأخوّة.

الآن ، وبعد سبع سنوات، لابد من إيجاد رواية أخرى  لصياغة قيم الثورة ومعانيها، بعيدا عن صور البؤس والموت والهزيمة والخيانة والغدر، التي لا تنشيء إلا  الكراهية. رواية الحياة وصناعة الحياة هي القادرة على النجاح والتغلب على  القهر،  بسرد  قصص  الذين تصدوا، متسلحين  بإيمان وطني وإنساني، للحرب العنيفة وصمدوا في مواجهتها،  وقصص النساء والرجال الذين استمرّوا  يناضلون ببسالة رغم الآلام والمخاطر من أجل  مجتمع عادل  بلا طغاة يمنعون الحقوق.  قصص الذين تشاطروا الألم والوجع تحت وابل الموت.

قصص الشرفاء الذين انسحبوا من المشهد خوفا على  مبادئهم من الاستغلال.  قصص النازحين الذين هجّرتهم ميليشيات النظام  من بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم، لكنهم استمروا يقاومون التشتت وذل اللجوء وأشكال الاستغلال، والتمييز وسلب الهوية في البلاد التي نزحوا إليها.  قصص الذين قدموا حياتهم من أجل الحرية ودفاعا عن حقوقهم  وكرامتهم، فاستشهدوا أو تعوّقوا او غابوا في المعتقلات، وقصص أخرى.

ففي الخارطة السوريّة السوري عالم إنساني حقيقي،  ليس سافلا ولا تافها ولا مجرما، وفيه قصص كثيرة نبيلة. لكن الإعلام الذي هيمن على المشهد، بأجندة من يملكه، أصرّ أن ينتقي من القصص والحكايات ما يناسبه، أو يخترع  ويروج لقصص وشخوص ومتحدثين وأبطال ورواة  وشهود، يجعلهم ايقونات سوريّة. هناك قصص حقيقية، تحمل برغم الألم،  قيما وطنيّة مهمة، تنتمي لمبادىء الثورة، وهو ما يستوجب تقوية الصحافة الوطنية الحرة: من مواقع  ومجلات وجرائد، وتمكين خطابها الثقافي المهني بالأغنية والفيلم والقصة والموسيقى والصورة، لكي تقوم بسرد حكاية الثورة في ضوء تاريخيتها وإنسانيتها، بموضوعيّة، وتوثيق الذاكرة، بمنهجيّة، من اجل التقدم للأمام بدل التفكك والتقهقر والسقوط.

ما حدث ليس بشيء سهل، ويجب سرده بأمانة اللحظة وسياقها، وليس بالتشديد على  حالة المهزومين والمأزومين؛ فمع الهول الذي واجه السوريون، يبقى الأمل مرشدا، وتنتظر الذاكرة من ينير قصصها الجليلة، لأنّها أمثلة عظيمة لبشر مكافحين تحلّوا بإنسانية حقيقيّة ومذهلة في مواجهة البغي والطغيان وفظائع الحرب.  صحيح أنّ الإعلام  ليس حرا إلا بهامش ضيق في أجندة من يموّله، وأنّ الإعلام الجديد المدعوم بمؤسسات دوليّة ثقافية المظهر سياسية المضمون، غير حيادي، كما يدّعي، وغير موضوعي، لأنه يقوم بالتدخل المباشر أو غير المباشر في الواقع السوري لصالح فئات وجهات، ولأنّ مساحات التعبير الحر  ضيقة،  والقلم الحر الذي يغرّد خارج  السرب،  مقصي لصالح القلم المأجور.  الوقت نضج، جدا، للتصدي لهذه الخروق الوجدانية بتقوية خطاب عقلاني ناقد  له حديث مسؤول يلامس مطالب النفوس التي ثارت لحقوقها.

للإنسان تقلّباته مع الزمان، وللتاريخ قانونه، وهو يتحقق في بنية كل الأشياء، وسينكشف، ولو بعد حين، المغزى الخفي لضمير الشعب السوري الذي انتفض لكرامته وحريته… الخارطة السياسية غير ثابتة؛ لكنّ القصص المجيدة سيكون لها قيمتها ونبالتها وديمومتها…وسيقوى صوت الإنسان على أنين التّنكيل وصراخ الجراح؛ لذلك السؤال: ماهي القصة التي تدرك مرام  السوريين في مقاومتهم التي انبثقت من معاناة إنسانية وخاضت أشرس الصراعات من أجل حقها وحريتها وكرامتها؟ أين الصورة الثائرة التي ستكسر النمط  البغيض الذي يؤطّر السوريين، أبدأ، بالخطيئة، حتى، وهم ضحايا القتل والقهر والتعذيب؟.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل