تقديس الشخصية في العالم العربي … باب صناعة الطواغيت

يومياً تطالعنا صور المسؤولين الغربيين وهم بين الناس كأي إنسان، وعلى النقيض في المجتمع العربي تحيط هالة القداسة بأصغر مسؤول وحتى الزعيم … فما أسرار تقديس الشخص في مجتمعنا الذي أوصلنا لصناعة الطواغيت؟

الأيام السورية؛ خالد المحمد

لعلّ المتصفّح لتاريخ العرب عبر وجودهم، سيجد في صفحاته تكراراً في العقلية، أكثر مما سيعثر تكراراً في الأحداث، وربما لا نبتعد كثيراً عن الحقّ إذا ما قلنا: بأن تقديس الشخص عبر هذا التاريخ أبرز ما يصادفنا ونتعثر به.

لهذه الميّزة في الشخصية العربية أبعاداً وجذوراً، ربما لا تستطيع السطور أن تحلّل جوانبها أو ترصد وقائعها.

منذ البدء كان العرب تاريخيّاً، وأرضهم جغرافيّاً مهبط الوحي وموطن الأنبياء … الأنبياء الذين حملوا معهم قوى خارجة عن حدود البشر، زوّدهم بها الله كمعجزات تدل على وجوده وقدرته، ولم يكن الأنبياء إلا واسطةً وأداةً لعرض ذلك، بينما الطبيعة البشرية والعقلية المادية للأتباع جعلتهم يبالغون في قداسة هؤلاء الأنبياء، ويتوارثون القداسة حتى إذا ما انتهت النبوة كانوا يشعرون بالفراغ، وبات الشخص المقدّس جزءاً من حياتهم، وبدونه يشعرون باللاوجود وافتقاد الذات وبأنهم عرضة للمخاطر والتهلكة.

القائد … شيخ العشيرة … الزعيم … البطل … الفارس المغوار …  مصطلحات التصقت بشخصية العربي، وعاشت معه وحلم بها، حتى بات المخلّص المنتظر بعضاً من معتقداته الدينية.

الشخصية العربية اقترن اسمها بشيخ العشيرة والتقديس لها مهما كانت صفاتها وموروثها إنْ أمرت أطيعت:

وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إن غوَتْ        غويتُ وإن ترشُدْ غزيةُ أرشدِ

فالشيخ؛ هو مصدر الغنى والكرم والعزة، وحوله تدبج القصائد والمعلقات، وكانت وسيلة الإعلام – الشعر – تحيك حوله صفات الإلوهية والقيادة وكلّ حركة له، هو منحة لم يسبقه لها أنس ولا جان.

جاء الإسلام وشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ليحارب بشخصيته وأخلاقه وتعاليم الإسلام أي قداسة تحت قداسة الله، فألغى الأشخاص، وألغى الوطن، وألغى القبيلة، والعائلة … هاجر من أرضه ووطنه إلى أرض أخرى، وعلّم أصحابه أن لا ينظروا إلى من قال وإنما إلى ما قيل وأنّ الرجال تُعرف بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال … فاستشار أصحابه وشاورهم وأخذ برأيهم، وكان منهم ومعهم يداً بيد، يجوع إذا ما جاعوا وعلى رأسهم إذا ما قاتلوا … ناقشهم ونوقش، وأيّد القرآن آراء بعض أصحابه بدل رأيه.

وتباعد الزمان وعادت عقلية القبيلة إلى أهلها، وعاد معها تقديس الشخص وصناعة الأرباب، وصارت النعم منحة من الفرد حتى وصلت لتأليه بعض الحكام، ولعلّنا إذا ما حاولنا سرداً لأسباب هذه النزعة في الشخصية العربية:

  • الأمة العربية وجدت واستمرت ضمن إطار القبيلة وعصبتيها العمياء، تحكم بسيدٍ هو الرأس في حياتها ولا يعرف الزلل.
  • الحروب العشائرية وقصص الحمية والانتقام والفروسية، وظهور أبطال فيها بالغت العرب في تناقل قصصهم، وصوغ ملاحمهم حتى وصلت درجة الخرافات.
  • مرور الأمة بمحن كثيرة كان المخلص منها غالباً هو شخصٌ قائد ينهض بالأمة ويقودها.
  • تأثّر العرب وقربهم من اليونان وأساطيرهم التي تبنّت فكرة الشخص الإله وابن الإله الموجود بينهم، والقادر على كل شي.
  • الثقافة الشعرية واللغوية العربية؛ والتي ذاع صيت المدح والفخر فيها وبالغ العرب فيها بإلصاق المبالغات الشعرية بقادتهم وشيوخهم وإضفاء صفات الربوبيّة عليهم.
  • ميل النفس البشرية عموماً إلى البطولة وقصصها والأشخاص الخارقين.

صناعة الطواغيت:

طبعاً انعكست شخصية القائد الملهم المقدّس بظلالها على هذا الشخص الحاكم، الذي بالغ شعبه بتقديسه ومدحه أكثر مما توقّع هو نفسه، فتماهت شخصية الحاكم بشخصية الإله، الذي يحي ويميت ويأمر فيطاع وكل حركة له إنجاز وكل إنجاز منحة وكل منحة فضل.

فكانت الطواغيت صناعة محليّة نفسيّة من الشعب (بغالبيته القبلية) فهم من نصب لهم التماثيل في داخل عقولهم، قبل أن يرفعوها في الشوارع والساحات، فترى الشخص العربي دائم التلهف لشخص ملهم منتظر يقوده ويصحح له المسار، ويخرجه من أزماته، حتى إذا ما جاء هذا الشخص/صادقاً كان أم كاذباً/ مشى خلفه مصفقاً.

فاليوم بات الراتب منحة من القائد، ورزقٌ رزقهم إيّاه هو، وغضبه يقطع الرزق، وخيرات البلد خزينة له وليس للدولة، واقتصاد البلاد إنجاز له، والزراعة والصناعة والتعليم منجزات شخصية له، فبات القائد هو الفلاح الأول والصناعي الأول والطالب الأول والمعلم الأول والطبيب الأول، وإمكانات الدولة وقفٌ له بمباركة غالبية الشعب، الذي يحيطه بهالة القداسة الأبدية، ويحيطه بصفات الذكاء والعلم والتدين والانفتاح والخبرة بكل شي فهو صالح لأي شي في أي زمان ومكان، ولابديل أو شبيه له، وبدونه تفقد الأمة وجودها وعمودها، وكأي شيخ قبيلة لا يبلغه الزلل من خلفه ولا أمامه، أما إن حصل خطأ ما، فهو ذنب أحد المسؤولين الفاسدين، فبات هو الدولة تموت بموته وتحيا بحياته، حتى لوكان جثة على كرسيّ متحرك، أو أبله ورث البلاد والعباد عن أب مجرم ورّث ابنه عرش القبيلة وعقلية المجزرة، وغالبية القبيلة يمجّدون ويطبّلون وينصبون الدبكة في الساحات، وأما القتل فهو نصيب من يقول في وجهه: كل. لا.

ومع كل صباح يخرج علينا إعلام الفضائيات العربية، يمسح الدماء، ويقدّس شخص الرئيس ويمجّد فكره، وكأن قصائد المدح الجاهلية انتقلت من خيم الصحراء إلى شاشة الفضائيات.

ربما سنبقى طويلاً دون فهم لعقلية التقديس عند الشخص العربي الذي لم يقتصر فقط على الرئيس والزعيم وإنما على المدير بكل أشكالها ودرجاتها، وانتقلت مع الكثير منهم حتى بعد هجرته خارج حدود المحيط والخليج فنرى تقديساً لرؤساء دول عاشوا في كنفها بعد هجرتهم، وتبقى الجدلية كلٌ بحسب رأيه “الطواغيت صنعت الممجدين المطبلين أم المطبلين الممجدين صنعوا الطواغيت؟”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل