رواية اللحاف للكاتب أيمن ناصر.. تناغمٌ بين الفنّ الروائيّ والفنّ التشكيلي

الأيام السورية؛ عفاف الرشيد

يطرح الكاتب أيمن ناصر في  روايته (اللحاف) الصادرة عام 2008 عن اتحاد الكتّاب العرب ذات ال /277/ صفحة من القطع الكبير عدة قضايا إنسانيّة واجتماعيّة؛ ترصد حياة مجموعة من المعلمين المغتربين من عدة دول عربية؛ يجمعهم معهدا تعليمياَ في مدينة (حوث) التابعة لمدينة صنعاء باليمن.

يبدو عنوان الرواية توريطا للوهلة الأولى وجاذباَ للفضول، لكن بعد الدخول إلى عالم الرواية نلحظ أنه يقدّم الكثير من الانتصارات لصالح فكرة الحكاية، خادماَ للحدث منسجماَ مع الحبكة.

أحداث الرواية بسيطة عادية لمجموعة من المعلمين المغتربين بحياتهم الروتينية،  لكن لغة الكاتب التي أتقنت وصف جوانيات الشخصيات  منحت الرواية صبغةً فلسفيةً تطرح كثيراَ من القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة.

الرواية متعددة المناخ متنوعة التضاريس منسجمة تماماَ مع وعورة الاغتراب وقسوته. تضجّ بلواعج الحنين إلى الأوطان.

من (مريبط) المدينة المغمورة من ريف الرقة السورية إلى (أم درمان) في السودان ثم إلى لندن فصنعاء فدمشق.. ثمة أفق من تضاريس جغرافيّة متعلقة بمسرحٍ اجتمع عليه شخوص الرواية  في مدينة (حوث) باليمن، ولمدة زمنية لا تتجاوز تسعة أيام رغم أن معظم أحداث الرواية تمّت خارج مسرحها جغرافيّاً فاحتضنت عوالماَ متسعة تنقّل فيها بطلا الرواية (حمزة وسيد) الأساسيان بفيض من تدفّق شلال ذكرياتهم بكل ما فيها من شجونٍ وانكساراتٍ طحنتها رحى الغربة.

تجلت لغة السرد ببساطتها وشفافيتها مفعمة بالمشاعر الوجدانية المؤثرة في القارئ الذي يزداد انجذاباً بفضل تأثير لغة الراوي، ووصفه الحدث الذي رسم ملامح أقدار الشخصيتين في غمر موج متلاطم من الاغتراب.

فلسفة المكان والزمان في الرواية:

تنقّل الكاتب بأدواته السردية بين عدة أماكن جغرافيّة مختلفة من خلال تنظيمه لهيكلية الرواية وتنسيق أحداثها، فكان الفضاء الخارجي للنص متسعاَ أكثر من المكان الذي انحسرت به أحداث الرواية داخل المعهد، فاتساع أفق الفضاء الخارجي حتمي لكل رواية لأنّها حكايةٌ طويلةٌ تستغرق زمناَ يتّسع لأكثر من جيل.

ما يميز رواية اللحاف أنّ الأحداث التي اعترضت سيد وحمزة الحمداني في الفضاء  والزمان الخارجي لمسرح الرواية مؤلمةٌ و مؤثرة، تركت بصماتها بحياتهم نفسياَ واجتماعياً، وقادتهم إلى الحبكة مباشرة وبدقة وخصوصاَ بطل الرواية سيد.

لعب الكاتب بالزمن كما لو أنّه بدأ الرواية من الوسط؛ حيث كانت بداية الرواية في زمن ناضج من أحداث عاصرها الشخوص.

هكذا برؤيته حدد البداية في المعهد ثم انتقل بالزمن إلى الماضي، ويعود ليكمل الحاضر، ثم يرجع ويعود ومن خلال هذه الحركة الزمانية لم تفلت من القارئ فكرة أو تغمض عليه جملة لدقة لغته السردية وتنظيم  بنائه الزمني.

وتأتي المرحلة الأخرى من الزمن الرتيب؛ وهي ثمانية أيام متتالية تمّ تنظيم السرد بها من خلال فصول الرواية بوضوح، ثم مرّ الكاتب على عشرين سنة ليجعل  اليوم التاسع في الرواية هو اليوم الأخير والختام.

لكل كاتب أسلوبه في هندسة بناء الرواية وفي أدواته التعبيرية اللغوية، لكن مقدار الإنجاز الجيّد يظهر بتمكّنه من جذب القارئ وعدم إضاعته بين مفارق الزمن الروائي.

رغم بساطة الحدث وسيطرة أسلوب سرد السيرة الذاتية على لسان الراوي؛ الذي وظّفه الكاتب بشخصية (حمزة الحمداني) تلك الشخصية المفرطة بالانتباه والحدس المشتعلة  باتقاد ذكاء شاب مرهف الحسّ، يعشق الأدب والفنّ التشكيلي.

كانت الرواية جاذبة تشد القارئ ليدخل فصولها وزمانها، وهذا لا يتحقق إلا بإحساس صادق ولغة سرد تصويرية تشكيلية ترسم خارطةً نفسيةً لكلّ شخصية بدقة متناهية كي تنفذ  دورها المخطط لها بمستوى يليق بتطور الحدث والحبكة والنهاية، فاتساع مساحة السرد للسيرة الذاتية لم يعيق تنظيم سير الأحداث؛ بل شّدّ أركانها بطاقات تعبيرية  توصل فكرة الكاتب بصورة مؤثرة أكثر لأنه عاش الحدث وتذوّق طعم المعاناة، فكلما كان الكاتب معاصراَ للحدث كان تأثير السرد مشوقاَ ومحرضاَ للمشاعر الإنسانيّة.

وباعتبار أن  الشخصية تحتلّ مكانةً مهمّة في بنية الشكل الروائي، فهي  وسيلة الروائي للتعبير عن رؤيته، تتحلق حولها كل عناصر السرد، وتشكّل المختبر للقيم الإنسانيّة التي يتمّ نقلها من الحياة، إلى داخل النص، كان ناجحاً بانتقاء شخوصه دقيقاَ بقراءاته الجوانية لهم.

اختار شخصية حمزة بصفات تروق له جاعلاَ منها الراوي؛ ليرسل من خلالها رسالته الفنيّة التي ميزته بكل خصوصياته كنحات، وفنان تشكيلي، له مدرسته التي تميزه.

كما أرسل أيضاَ من خلالها  تجربته الشخصية الإنسانية الحقيقية في مجتمع يقمع الفكر، ويغتال الحرية، ويستبد بالإنسان، كما أضاف إليها تجربته في الاغتراب.

شخصية (حمزة الحمداني)؛ مدروسة بدقة ومحدد لها مسارها من خلال نضج السرد المترافق مع وقع الأحداث والمونولوج الداخلي.

أما الشخصية الرئيسية الثانية هي (سيد) مدرس اللغة الإنجليزية السوداني؛ الذي عاش تجربته الفاشلة في لندن وهو ابن المجتمع الشرقي المحافظ  بتقاليده الإسلامية الاجتماعية، تلاعبت بمشاعره امرأة غربية استغلت براءة طينته وصفاء نفسه فدمرته حتى أصبح خليطا من انكسار ونهوض، لكنه جبّار بإرادته تماماَ مثل (حمزة الحمداني) كما أنّه يحمل ثقافةً تليق بطموحات الراوي، ويمتلك شخصية ذات حضور أبوي جميل منح (حمزة) الكثير من مشاعر أبويّة افتقدها بسبب الغربة، مما حقق للكاتب أهدافه بتنظيم حوار وسرد ومونولوج داخلي رائع متميز بتناغم الثقافتين العربية الأسيوية والعربيّة الإفريقية، وتناغم المشاعر التي أججها الاغتراب والحنين؛ فتألق الحوار بين الشخصيتين بمخزونه الثقافي الوجداني، وعمق تأثيره النفسي بلغة بليغة جاذبة  للقارئ فيها الكثير من الفلاشات والمنولوجات الوجدانية . فنجح نجاحاَ كبيراَ في إثارة عنصر التشويق بمهارته التي تجلّت في تحكّمه بإدارة خيوط الرواية وتحريكها  بانسجام وتناغم وتماسك.

وهكذا كان اختياره لباقي الشخصيات التي كانت منسجمة بصفاتها شكلاَ ومضموناَ وثقافة وأخلاقاَ مع الحدث والحبكة، وموظفاَ  لأدوارها التي رسمها بما يخدم فكرة النص وغاياته الأخلاقيّة مثل ذكاء زوجة (سيد) وقوة شخصيتها؛ التي تمكنت من احتضان انكسارات (زوجها وهو شخصية معقدة صنعتها ظروف غير عادية من الصعب أن تحتويه امرأة  ساذجة ) وظّفها الكاتب في بداية الحدث  منذ كانت طفلة لتصبح  سيدة الحبكة النهائية للرواية، بقرارها الحاسم بحرق الميدوزا (اللحاف)

شدّني تمكّن الكاتب من دخول عالم القارئ النفسي، ومحصتُ في أدواته التي استخدمها فوجدت أنّ عنايته بوصف الشخصيات عالية الدقة؛ فجذبني نحو شخصية سيد من خلال  قراءتي للمقطع الأول في الرواية، كان يؤكد  بمهارته  أن الشخصيات تتشكل بالضرورة عبر مقومات نفسيّة عاطفيّة تخترق سياق الرواية، ترافقها منذ البداية حتى النهاية.  فكان لا بد من طرح تفاصيل جسمانيّة ترسم الانطباع العام حول الشخصية المراد توطينها في النص، وقد جعل شخصية سيد غريبة  الأطوار غامضة أحياناَ بهدف تحريض عنصر التشويق بمهارات لغوية  كالوصف المختزل المكثّف البلاغي المحرض للخيال؛ فلنلحظ هذا الوصف لشخصية  (سيد)  ((فاجأني بسمرته الغامقة وبياض أسنانه المترصّعة حين دفع باب الحجرة ودخل، بريق عينيه أرغمني على رفع رأسي لأتأمل وجهه المنحوت بعناية إلهية، لا ترقى إليها يد مخلوق ما كان لأحد أن يتجاوز طوله الفارع وضخامة جسده كمارد قُدَّ من ليل، فلولا انحناءة خفيفة من رأسه لاصطدمت عمامته بسقف الباب)).

لوحة تشكيلية رسمها الكاتب بالكلمات، أدواته؛ الوصف، والتشبيه، والاستعارة، تجسّدت كألوان الريشة وكأني أمام لوحة زيتية .

تعددت اللوحات  في الرواية بصبغة كاريكاتيرية ساخرة مثلاً؛ شخصية الشيخ (عبدو) مدرس مادة الديانة وهو يرسل رسائل أخلاقية بسخرية رافضاَ للشر والانتهازية.

تقنية السرد اعتمدت على التأثير النفسي بلغة مبهرة في الوصف، استخدم فيها جميع ألوان البلاغة والبيان كأدوات فنية توصل أفكار الراوي فيشدّ المتلقي إلى دخول عوالم الرواية وعوالم الشخصيات تماما، كما يجذب العمل الفني متلقيه وناظره؛ فيدخل إلى فكرة العمل التشكيلي ويطوّر بخياله احتمالات التأويل والرمزية؛ حتى أنّي غادرت مكاني ووجدتني أتجول في عوالم الرواية.

زرت الرقة، وتمشيت على ضفاف الفرات، ورأيت (الهاميّة) الأسطورة، وشاهدت باب المغارة ثم انتقلت إلى (حوث) تجوّلت في المعهد استوقفتني غرفة حمزة وسيد بجدرانها وزواياها والمنضدة والكتب والمرسم والميدوزا ذات الأفاعي المتناثرة فوق رأسها. كل شيء وصفه الراوي بدقة يرسخ ُالمشهد بخيال القارئ، وشعرت بمرارة غربة البطلين ودخلت أحزان ذلك المعلم السوداني  فترسّخت صورته في قرارة نفسي..

شعرت بأحزان حمزة ذاك الطفل الذي شهد اعتقال والده، وانكسار روح أمّه أمام ذاك القهر الإنساني المؤلم؛ وهو يكتنز كل هذا الألم لسنوات طويلة حتى شاءت الأقدار أن يلتقي بالمعلم السوداني، ويضخ له من خلال بوح عميق مؤثر كل هذا الحجم من الحزن.

أدخل الكاتب الأسطورة بمساحة منتظمة في الرواية بلا مبالغات، وهي إحدى روافد الإبداع الروائي، من خلالها توثق ثقافات الشعوب فتناولها الكاتب بثقافتين مختلفتين شرقيّة وغربيّة، فوصف أسطورة الفرات: ((الهاميّة لها قرنا تيس وعينا بومة مفتوحتان دائماً، ليس لها أجفان كعيون السمك وصوت يشبه صوت الماعز، شعرها طويل أسود تخرج ليلاً من النهر أوقات البرد الشديد والفيضان تأكل الأولاد الذين يأتون للسباحة في مثل هذا الوقت))

وتناول أسطورة الميدوزا المنبثقة عن ثقافة يونانيّة قديمة مرتبطة بالآلهة.

تجسّد الصراع بين الخير والشر. فكانت الميدوزا جميلة أغضبت الآلهة فحوّلت شعرها إلى  ثعابين، وبما أنّ الأساطير توثق ثقافات ومعتقدات الشعوب لذا منحت  النص بعداَ ثقافياَ واجتماعياَ  لصالح تقييم الرواية.

وبما أنّ الرواية كتعريف لغوي؛ هي نثراَ خيالياَ يكتب بأسلوب سرديٍ، يفسح أفق الخيال أمام القارئ، نلاحظ أنّ رواية اللحاف أضافت إلى خيال المتلقي صوراَ تشكيلية متميزة  بمهارة الكاتب؛ الذي أضاف إلى النص خبراته وموهبته في النحت والتشكيل التي تحتسب لصالح تقييم العمل الروائي .

الشخصيات خدمت أدوارها بدقة والسرد  شيّقاَ بجمل ٍرشيقة قصيرة متتالية، لم يوقع النص بالترهل  و الحوار المختصر بلغة بسيطة دونما تكلّف، ورد معظمه باللهجة العامية  مقترباً  أكثر نحو البيئة المحلية وهو أمر محبّذ في الرواية.

الحبكة المتماسكة توجتها نهاية مبهرة محققاَ نجاحا لصالح تقييم الرواية بالنهاية المبهرة، إضافة إلى إتقان  بناء هيكلية تنظم الأحداث والزمن  .

ولن ننسى القيمة الإنسانيّة والأخلاقيّة للنص؛ فطرح قضية الاغتراب بكل انكساراتها والتطرق للقهر السياسي والاجتماعي، وعرض بعض المعتقدات الشعبية الخرافية وعلاجها من خلال توصيل فكرته للمتلقي بحتمية خلود القيم النبيلة في الإيثار والتضحية والوفاء؛ يمكننا الجزم بأن من يقرأها سيعلق في ذهنه الكثير من أحداثها  بفضل لغة الكاتب المتينة المتمكنة ذات البعد النفسي العميق الأثر، استخدمها بمهارة فنان تشكيلي متميّز.

اللحاف؛ عمل روائي  واقعي بامتياز  أضاف إلى الأدب الروائي المعاصر نصاَ له مميزات فنيّة بلغة تصويرية راقية، إنه التناغم الجميل بين الفنّ الروائي والفن التشكيلي في رواية اللحاف للكاتب الروائي والفنان التشكيلي السوري أيمن ناصر.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل