عندما يبكي المهرِّج ليضحَكَ الأطفال

الأيام السورية | سلام أبوشالة

وهذه.. هويّتي

أنا محمد منلا، من عائلة فقيرة في قرية شركسية صغيرة في مدينة حمص، عمري 27 سنة، درست في سوريا للبكالوريا ولم أُكمل الجامعة لعدة أسباب فقد خرجت من سوريا في نهاية عام 2012 إلى تركيا، ثم بعد 3 سنوات إلى اليونان عن طريق البَلم؛ وبعد 6 أشهر من الانتظار فيها.. جاءت موافقة توطيني في فنلندا حيث أعيش الآن مع زوجتي وطفلتي.

اعتقلت أربع مرّات!

يُتابع الفنان محمد منلا:  “أول اعتقال.. على حواجز الجيش السوري والسبب: “هويتَك مكسورة!” ولأن اسمي محمد ومن مدينة “الرستن” اتهموني: “أنت عَرعُوري” وعذّبوني كثيراً قبل اطلاق سراحي. الاعتقال الثاني على يد أمراء الحرب فيما يُسمّى “المناطق المُحرّرة من النظام” حين أهانني أحدهم وشتمني لأني شركسي!؛ قال لي: “بس تنتصر الثورة رح نرجعكن على بلادكم؛ سوريا مو بلادكن”!، وتدخل أهلي فأخلو سبيلي بصعوبة. أما الاعتقال الثالث فعلى يد “داعش” حين كنت أعمل بشركة خاصة “عبر الشرق” دخلوا ليلاً إلى الشركة وسرقوها بعد أن أهانونا وضربونا وهددونا بالقتل. وكان الاعتقال الرابع على يد “جبهة النصرة” حين اعتقدوا على أحد حواجزهم بأنّي مع النظام؛ ثم أخلوا سبيلي حين تأكدوا بأنّي أسكن في المنطقة المحررة منذ فترة طويلة.

حُلمٌ.. يتحقق بصعوبة

يقول الفنان منلا: ” منذ البداية كان حلمي أن أكون ممثلاً ولم تكن لدي واسطة ولا مال آنذاك؛ واستمر الحلم في تركيا حيث نمت على أرصفتها لفترة واشتغلت عتالاً بمعمل طحين بنصف راتب العتّال التركي!؛ ثم على يد صديقي المصور الفوتوغرافي حين كان يُصوّر فعالية ترفيهية للأطفال السوريين؛ وكان مدير منظمة الوكالة السورية للإنقاذ يحتاج لمُهرّج يشارك في الاحتفالية؛ أتوني بلباسه ثم وضعوا لي المكياج المناسب.. وانغمست فوراً مع الأطفال؛ وبينهم اكتشفت موهبتي، كان احساسي بعمر طفولتهم، ومثلهم صرت أضحك على نفسي وأضحكُهم برغم كلّ المعاناة التي مررت بها ومرّوا بأضعافها؛ نجاحي في العرض الأول دفع المنظمة للتعاقد معي؛ وهكذا صار الأمر أكثر من حلم وهواية.. فصرت أتابع فيديوهات مهرجين من كل العالم وأتدرّب على الحركات البهلوانية؛ وأُدرِّب عضلات وجهي لتستجيب لكل المواقف؛ وكان لا بدّ من أوروبا ليكتمل حلمي.

تغريبتي البحرية

يُتابع الفنان منلا: “الموت داخل سوريا كان أسهل لي من الموت غرقاً في البحر؛ ومع ذلك غامرت حتى وصلت إلى اليونان؛ وعلى صخرة في أول جزيرة يونانية أقلعت عن التدخين نهائياً وأنا أحلم بلقاء أهلي مجدداً حين أحصل على إقامة دائمة.

صورة طفلة سورية.. لا تُغادِرني

في يومٍ ما وعلى الحدود التركية السورية، كنا نعمل في منظمة إنسانية لمساعدة السوريين، ونزلنا من الحافلة فركض الأطفال نحونا فرحين مهللين؛ قدمنا لهم المعاطف وبعض الأحذية المتبقية، وطلبنا منهم أن نلتقط صورة جماعية، وعندما بدا أن جميع الأطفال ثابتين للصورة مبتسمين ، لاحظتُ طفلة في السابعة من عمرها تقف بعيدةَ عنا، ناديتها لتأتي : تعالي تصوّري معنا!؛ فتراجعت إلى الوراء كلما حاولت التقدم نحوها، فركضت مسرعاً نحوها وأمسكت بها ضاحكاً معها، بينما تميلُ برأسها نحو الجهة الأخرى، قلت لها: “تطلعي بعمّو المصوّر لهنيك” فاكتشفت بأنّ عينها اليسرى عاتمة زرقاء ، كانت قد أصيبت بشظيةٍ أثناء القصف الوحشي لطيران الأسد على قريتها في سوريا، وأنها على وشك أن تفقد الرؤية بها، لأن عائلتها لا تملك نفقة علاجها، وتلك الشظية أحدثت شرخاً نفسياً في روح تلك الطفلة.

ويضيف الفنان منلا: “في اليوم التالي نشرنا تلك الصورة مُرفقةً بقصة تلك الطفلة مع عائلتها إلى وكالة اناضول التركية، وبعد أيام وصلنا إيميل من الوكالة بأنهم يريدون التواصل مع عائلة الطفلة لأن إحدى العائلات التركية تبرعت بنفقة علاجها وتعليمها وبكافة إحتياجات العائلة.

في سقف العالم.. فنلندا

يتابع الفنان محمد منلا: ” هناك درست لمدة سنة ونصف كمساعد ممرض، لكني سأتابع دراستي في مجال الميديا السمعي والبصري، وفي فنلندا.. اشتغلت عروضاً مسرحية للأطفال؛ بالإضافة لعروض السيرك في هلسنكي وعدد كبير من ورشات عمل مع عدة منظمات منها.. منظمة “مهرجون بلا حدود”؛ وما زلت مؤمناً بأن الحياة ستستمر برغم كل المصائب والمصاعب؛ وبأننا سنصنع البسمة على شفاه وفي عيون أطفال العالم؛ بينما نبكي في دواخلنا.. أطفالاً كباراً بمواجهة أطفال المستقبل.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل