قراءة في رواية: مرسى فاطمة

الكاتب: حجي جابر.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: المركز الثقافي العربي/ ط١، ورقية، ٢٠١٣.

تبدأ الرواية من بطلها المتحدث بلغة المتكلم، كان متلهّفاً  للقاء محدد مع حبيبته ” سلمى” أمام مدرستها في “مرسى فاطمة”، إحدى المدن الإريترية، سلمى ابنة مدينته، التي أحبها وأحبته، صاحبنا انتهى من الدراسة الثانوية، ويعمل في أحد المتاجر في السوق، أما سلمى فلا تزال مستمرةً في الدراسة، هي متفوقة، لكنّها تتعمد الرسوب كلّ سنة، لأنّها إن أنهت الدراسة سيأخذونها إلى الخدمة العسكرية الإلزامية، التي يؤدّيها الرجال والنساء، والتي تمتد لسنين طويلة، فبعد انتهاء الخدمة العسكرية، يحوّل الشباب والنساء إلى أعمال الخدمة الاجتماعية، “السخرة ” بحياة أقرب للاستعباد، تحت دعوى خدمة الوطن، ولسنوات طويلة، صاحبنا وحيد أمّه، لذلك هو مطمئن أنّه معفيّ من الخدمة العسكرية المؤبدة. إرتيريا،  كانت قد استقلّت حديثا، بعد صراع حرب تحرير طويلة الأمد، حكّامها يحملون الفكر اليساري، و”الجبهات” (جماعات مسلّحة) التي شاركت في التحرير، تتصارع على الحكم، فهناك انقلابات متتالية، والسمّة الأساسيّة للحكم، الاستبداد والظلم وسوء الإدارة، والناس ضحايا الفقر والجهل والمرض والتخلف، بعضهم يبقى والكثير يهاجر هرباً من هذه الحياة.

يذهب صاحبنا إلى موعده مع حبيبته سلمى، فلا يجدها، ينتظرها لا تأتي، يسأل عنها صديقاتها، فيخبرنه أنها لم تأت إلى المدرسة، يتوتر نفسياً، عادة لا تتخلف عن موعد، ولا بدّ أنّ هناك مصابٌ كبير، يذهب إلى بيتها، ويسأل جيرانها عنها، يخبرونه أنّها اختفت، قد تكون هربت إلى السودان؛ وهو بلد مجاور لإرتيريا، أو أنّ الشرطة قد قبضت عليها وأخذتها إلى معسكر الجيش في “ساوا” لتؤدي الخدمة العسكرية.

لم يحتمل صاحبنا أن يفارق حبيبته، ولا يعرف أين ذهبت، خاصة أنّهما قد تزوجا بالسر، وأنّها حامل منه، وإن علموا في ساوا بحملها، سيسرحونها من الجيش، ويعرفون منها من أب الطفل ويسجن، لأنها تزوّجت و حملت قبل الخدمة العسكرية، التي لها الأولوية على كل شيء.

قرّر صاحبنا أن يلحق بها في ساوا، لكنّه وحيد ومعفيّ من الخدمة، قرّر إخفاء بطاقته الشخصية المدوّن عليها الإعفاء، حاول أكثر من مرة أن يجعل دوريات الشرطة الباحثة عن الشباب والشابات المتخلفين عن الجيش ثنيهم حتى لا يلحقونهم من أجل الخدمة، ولكنه لم ينجح، وما كان منه إلا أن ذهب إلى مركز التطوع وقدّم نفسه حتى يتطوّع في الجيش، وهكذا تمكّن من الوصول إلى معسكر ساوا.

في المعسكر يكون العيش في الخيام، الطعام خبز وعدس، المعاملة سيئة، والتدريب قاس جداً، تعرّف هناك على مازن الشاب الإرتيري، الذي ولد وعاش في جدة بالسعودية، حيث طرد من السعودية مع عائلته، بعد أن أنهى كفيل والده كفالته عنه، كان متديناً، ويتكلّم العربية أكثر من اللغات الأخرى المتداولة في إرتيريا.

Steve Jobs Apple co-founder

في إرتيريا تعدد ديني وقبائلي ولغات ولهجات، وتعرّف صاحبنا أيضا على “كداني” شاب متميّز كان يتمرّد على الأوامر، يساق للتعذيب، احتكاكه بالآخرين قليل، بعد وقت قصير علم كل حكاية كداني أنه ينتمي لمجموعة ثورية تؤمن بضرورة التغيير، ترفض النظام والظلم الاجتماعي، تقول: إنّ الحكم الجديد، أصبح مستبداً مستغلاً ويعمل ضد مصلحة الناس، ويجب أن يتغير، له حبيبة هي أيضا في المعسكر نفسه في قسم الفتيات، نظام المعسكر تدريب وإجهاد، لهم في الأسبوع مرة واحدة للاستحمام، ومرة كل شهر للّقاء بالفتيات والسهر معهن  وممارسة الجنس، حيث يكون لكل شاب فتاة يصاحبها، شرط ألّا يحصل حمل، وإن حصل فهناك السجن للشاب والتسريح للفتاة، لذلك كان يتمّ توزيع الواقيات الذكرية عليهم بكثرة.

بدأ صاحبنا بالبحث عن حبيبته في معسكر الفتيات، واستعان بحبيبة كداني، وحاول أن يتسلل إلى هناك أكثر من مرة ولم ينجح، وحتى في الموعد الشهري للقاء الجماعي بين الشباب والبنات لم يجد لها أثراً، لفت صاحبنا نظر الضابط المدرب “منجوس” الذي ضمّه إليه سائقاً خاصاً، فارتاح من إجهاد التدريب وسوء الغذاء، ومع الوقت تأكّد أنّ سلمى غير موجودة في المعسكر، وأنّها قد تكون هربت إلى السودان، لذلك قرّر أن يلحقها، واستعان بالتصريح الذي أخرجه له الضابط منجوس، وأخذ سيارة الضابط العسكرية التي يتركها معه كلّما غادر المعسكر إلى منزله.

فعلاً هرب صاحبنا من المعسكر بالسيارة العسكرية إلى الحدود السودانية، واستطاع أن يتجاوز الحواجز الأمنية والعسكرية، بمساعدة كداني الذي أرسله إلى أصدقائه، حيث أخذوا منه السيارة العسكرية، وأعطوه بدلاً منها سيارة مدنية، وكان بحوزته بعض المال، وقبل وصوله للحدود السودانية، تعرّض لإطلاق نار فأصيبت السيارة وتوقّفت، وجاء من ضربه على رأسه وفقد الوعي، وعندما عاد إلى وعيه وجد نفسه بين مجموعة كبيرة من النساء والأطفال والرجال، في مجمع أقرب للسجن، وعندما تساءل عن حالهم، أخبروه أن “الشفتا” قد قبضت عليهم، وتريد منهم فدية ليسمحوا لهم بمواصلة طريقهم والهروب إلى السودان، وعلم أنّ “الشفتا” قبائل بدوية، كانت مناطقها قد تصحّرت فهاجروا إلى هنا، وهي تعتمد على أخذ الفدية من كل من يريد أن يعبر إلى السودان.

الرجال يعملون ليوفوا ماقُرّر عليهم من مال، النساء يعملن ويُغتصبن، ومن يمرض يرسلونه إلى سيناء حيث يتحوّل إلى سلعة في تجارة الأعضاء التي تسوّق في إسرائيل، كانت هذه الأخبار مؤلمة لصاحبنا، وسرعان ما ساعد رجلاً وامرأةً كانت تغتصب دوما على إيفاء ما عليهم من فديتهم مما معه من مال، وتمكنّا من المغادرة إلى السودان، وسرعان ما ساعده الرجل؛ حيث أعاد تسليم نفسه للسلطات الإرتيرية التي تعطي المال مقابل ذلك، وبعض المال كان فديةً لصاحبنا الذي اقتيد من “الشفتا” إلى الحدود السودانية، وهناك تمّ القبض عليه من السلطات السودانية التي ألحقته بمخيم للاجئين الإرتيريين اسمه؛ “الشجراب”، حيث يعيش الإرتيريون الهاربون إلى السودان في مخيم كبير، وتمنع السلطات السودانية عنهم الدخول للسودان، سيحصلون على بعض المعونات من منظمات الأمم المتحدة، ويشتري قماشاً وأدواتاً، ويبني لنفسه خيمة، حتى يستقر حاله ومن ثم يبحث عن حبيبته سلمى، في الشجراب يعيش اللاجئون منذ سنين عديدة، والبعض من مواليد المخيم نفسه، القليل من يستطيع الحصول على الجنسية السودانية، ويصبح عيناً للسلطات السودانية، النادر من يستطيع الهرب للداخل السوداني.

يتعرّف رويداً رويداً على الناس وحكاياتهم، فهذه “أم أوّاب” الجدة العجوز التي استقرت منذ سنين طويلة هنا، فقد أرادت الهجرة وكان معها ابنها الصغير، الذي خطفته منها “الشفتا” ليبيعوه لمن يأخذ أعضاءه، أو ليهرب لأوروبا حتى يباع كعبد أو تشتريه أسرة ما وتتبناه، وكانت قد وشمته في كتفه قبل أن تعطيهم إياه، ومنذ ذلك الوقت وهي تسمّي نفسها أم أواب وعندما يأتي أيّ شاب جديد، تتفحصه لعلّه ولدها.

تعرّف أيضاً على “أمير” الشاب الذي يعمل في سوق المخيم على عربة بيع خضار، وقرّر أن يساعده ويجعله يعمل معه، لكي تتحسن حياته، فما تعطيه بطاقة المساعدة كلاجئ لا تكفي لأيام من الشهر. أمير الذي حكى له قصته، جاء هاربا من قسوة الحياة من إرتيريا إلى السودان، لكن حياة المخيم ودوامها وعدم الخروج منها خيّبت أمله، وكان قد سمع أن من يذهب إلى إسرائيل يعيش حياة سعيدة، وتعرّف على بعض المهربين، وعمل كثيراً ليؤمّن مبلغاً ويعطيه لأحد المهربين، حتى يوصله إلى سيناء، ومن هناك إلى “إسرائيل”، وهكذا جمع المال وسلّمه للمهرب الذي أخذه مع كثيرين غيره في رحلةٍ طويلةٍ إلى المدن الواقعة على البحر الأحمر، ليصل بعد تعب شديد إلى سيناء، واستلمهم المهربون من بدو سيناء ، وكان معهم نساء وأطفال، والبعض مقيّد، وعرف أن هؤلاء مختطفون أو مباعون كعبيد، وعندما وصل إلى سيناء واقترب من الحدود مع “إسرائيل” لاحظ تناثر الجثث وقد قطعت أو شُوّهت، ارتعب وأدرك المأساة التي وقع بها، إنهم ضحايا عصابات دولية للتجارة بالأعضاء، إنّهم مجرد سلعة، البعض تؤخذ كليته فقط، والبعض أكثر، والبعض يموت، ولا رحمة في مملكة الرعب والموت هذه.

وصل إلى نقطة اللاعودة، بعض الأطفال اختفوا، والمرأة الحامل ماتت وهم يأخذون منها كليتها، وهو أخذ بالقوة لعملية حيث نزعت منه كليته، وعندما صحا من العملية، أدرك مأساته، وحتى الذهاب لإسرائيل لم يكن متاحاً، وعاد إدراجه إلى الشجراب حيث وجدها بلده الأخير، وعمل ببيع الخضار في سوقها المتواضع.

بحث صاحبنا عن حبيبته سلمى في الشجراب بمساعدة الخالة أم أوّاب وأمير ولكن لم يجد لها أثراً، هي لم تأت إلى هنا، ولا غادرت إلى إسرائيل ولا إلى السودان، وتعرّف هنا على المنظمات الدولية لدعم اللاجئين، وكانت بينهم فتاة اسمها “كلارا”، إيطالية تتقن العربية، جدّها كان ممن خدموا في الجيش الإيطالي أيام احتلال إيطاليا لإرتيريا، قررت أن تساعد صاحبنا من خلال تأمين فرصة عمل، ومساعدته للسفر إلى أوروبا والاستقرار هناك، لعل حياته تتحسن، ويعوّض عن حب ضائع، ووطن يطرد أبناءه، يقبل هذا العرض مضطرا، ويجهّز نفسه للسفر، ولكنه في اللحظات الأخيرة قرّر أن يعود إلى موطنه إرتيريا، إلى مدينته مرسى فاطمة، ليبحث مجدداً عن حبيبته، لعلّها تكون هناك، ويبدأ طريق العودة حتى يصل بصعوبة إلى مدينته، إلى أمه التي تفتقده، وصديقه، وصاحب المتجر الذي يعمل به في السوق، ويسأل عن أخبار سلمى، ويعلم أنها عادت بعد غيابه عن المدينة وبحثت عنه، وعندما لم تجده عادت ثانية تبحث عنه بين ساوا والشجراب وقد تكون ذهبت إلى السودان أيضا. هكذا أدرك أن حبيبته تبحث عنه وهو يبحث عنها، في حلقة دائرية دون أن يلتقيا، وقرّر الاستقرار في مرسى فاطمة لعل سلمى تعود ثانية ويلتمّ شمل الأحباب مجدداً.

هنا تنتهي الرواية.

في تحليلها نقول: إننا أمام رواية تطلّ على بلدان وأحوال اجتماعية في إرتيريا أو السودان، قليلة المدونات عنها، رواية تجعلنا ندخل عوالم مجهولة بالنسبة لنا، بمقدار ما هي مجهولة، نجدها قاسية، واقع التخلف والفقر والتصحر والصراع والفاقة، واقع الحكام المستبدين الذين يدّعون شعاراتٍ كبيرة، ويمارسون قهراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً على كل الناس، ممّا يجعلهم يقررون الهجرة والهرب من بلدانهم، لعلّ الحياة في الغربة أفضل، سيكونون ضحايا تجّار البشر، حياتهم مهدورة، وأجسامهم مستباحة، وأعضاؤهم للبيع، بعض أوطانهم خيام على الحدود الفاصلة بين البلدان، والكل يحلم أن يأتي من ينقذهم ويأخذهم إلى أوروبا لعلهم يعيشون بعضاً من عمرهم وإنسانيتهم المغيّبة، لذلك نتابع كل يوم قوارب الموت تحمل الأفارقة والعرب من جحيم بلدانهم لحلم الحياة في أوربا، القليل القليل يصل، والأكثر يغرق في البحار، ويكون طعاما لأسماكها.

ما أرخص الإنسان في بلادنا.


حجي جابر، روائي إرتيري متميّز، قرأنا له رواية سمراويت، وهذه الرواية الثانية مرسى فاطمة، التي يطلّ بها على الواقع الحياتي لإريتريا وجوارها.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل