اختلالُ المنظومة القِيميّة لدى السوريين في سنوات الثورة

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

للحروب والنزاعات الأهليّة عواقب خطرة على المجتمعات، منها المنظور كالقتلى والجرحى والمعوقين، والدمار العمراني والاقتصادي والبيئي، ومنها غير المنظور الذي ينعكس على المنظومة القيميّة في المجتمع، وعواقب هذا النوع وخيمة وفاجعة، ويحتاج إلى وقت طويل لمعالجة آثاره.

فيرى خبراءٌ في الدراسات الاجتماعية، أنّ هذه الآثار و المشاكل الاجتماعية والأمراض النفسية، تبقى لسنوات طويلة، وقد يحتاج المجتمع للتعافي منها، إلى جيل بأكمله (أي بين 25 إلى 30 سنة)، هذا إذا قُدّر لهذه الدول أن تحظى بالاستقرار السياسي وتبقى موحّدة.

و مردّ ذلك إلى اختلال المنظومة القيميّة لديهم، و هو أمرٌ معهودٌ في الأمم عند الأزمات و النوائب، حيث تطغى القوة على الحقّ، و تميل شرائح من أبناء المجتمع إلى القوّة، و ترى فيها وسيلةً لبثّ الخوف والقضاء على الخصوم وإذلال الرجال؛ من أجل ابتزازهم، و تحصيل مكاسب مادية، ترفع من سويتهم الاجتماعية، و تفي بالمتع الدنيويّة التي كانوا محرومين منها.

و غالبًا ما يتلطّى هؤلاء بالشعارات، و يظهرون حرصهم على المبادئ الثورية، التي بات المجتمع يتبنّاها في مواجهة النظام السياسيّ، و هم في أغلب الأحيان من طبقات اجتماعية، تعاني من القهر و الحرمان، و سلب الإرادة و التهميش، و تدنّي في المستويات التعليمية، و  خلل في المنظومة القيميّة.

و قد شاعت تلك المظاهر في المجتمع السوريّ في سنوات الثورة، و كثرت الشكوى منها في عموم المناطق، سواء منها الموالية أو المعارِضة، و وصلت إلى حدود غير متوقّعة؛ لدرجة أنّ الحديث عنها باتَ يأخذ حيّزًا واسعًا من مجالس السوريين.

و قد تمثَّلت في التعدّي على الحرمات و الأموال العامة أولًا؛ بدعوى أنّها من مخلّفات النظام، و ينبغي طمسها و وضع اليد عليها. ثمّ انتقلتْ إلى مدّ اليد على الأملاك الخاصة؛ بدعوى أنّ أصحابها موالون للنظام و شبيحته، و هُمْ و أموالهم و ممتلكاتهم غنيمة للثائرين على النظام الذي يوالونه، و لمّا نفض أولئك الأشخاص أيديهم من هذين الأمرين، طالتْ فعالُهم عموم الشرائح الاجتماعية، فكان الخطف و الابتزاز، و عمليات القتل و النهب؛ الأمرُ الذي جعل الناس في حيرةٍ من أمرها، لإيجاد مبرّراتٍ لما يحصل، و أدّى ذلك إلى المقارنة بين ما آلتْ إليه الأمور و ما كانت عليه، و كان من تداعياتها نجاحُ الثورة المضادّة، و عودةُ النظام إلى عدد من المناطق، فضلًا على تشويه أهداف و شعارات الثورة بشكلٍ غير خافٍ.

لعلّ من أخطر مظاهر هذا الاختلال القيميّ لدى السوريين، انقطاعُ حبل الودّ بينهم في سنوات الثورة، فكثيرٌ من العلاقات الاجتماعية شابها الفتور، و اعتراها الخلل، لدرجة القطيعة أحيانًا، و وصل الأمر في أحيان معينة إلى حدّ العداوة و الخصومة.

Steve Jobs Apple co-founder

و هو أمرٌ وقفَ عنده مراقبون، و علماء اجتماع، فوجدوا أنّه لا يُبقي على حبال الودّ و الوصال إلاّ من حسُنت شمائله، و نما عنده الجانب التربويّ، فضلًا على أصالة معدنه، و كريم خلقه، فللناس طباعٌ وأخلاق خاصة، تختلف من فرد إلى فرد، كما أنّ المعادن لها خصائص أساسية تميّز أحدها عن الآخر، وتسبغ على كلّ منها طابعها الخاص، وتلك هي الطباع والأخلاق الأساسية كالكرم والحلم والصدق، و هي تنشأ مع الفرد منذ نعومة أظفاره، بل قبل ذلك هي من الطبع والفطرة التي تولد مع الفرد، ثمّ تغذّيها قيم العائلة وأعراف المجتمع، والأمرُ أعرقُ في النفس مما يمهد له الدين، وأجدرُ أن يكون من قواعده التي يبنى عليها توجيهاته وتكاليفه.

و هو أمرٌ سأل عنه حتى صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم، ففي الحديث المروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: ” يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا “.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل