حين تشاركنا مع النظام في التسويق لإلغاء الاحتياط

لمَ تصرّ بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الثورة على عدم الاعتراف بالأخطاء؟ ولماذا نحتاج إلى سياسة تحريرية تحترم الجمهور والقضيّة السوريّة؟

الأيام السورية | رزق العبي

ضجّت وسائل الإعلام السوريّة بشقيها الثوري والموالي، وبشقها الثالث الذي يقف على الحياد “ببلاهة” بما وُصف قبل أسابيع بـ”مرسوم عفو” أصدره رأس النظام بشار الأسد، عن جرائم التخلّف عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية. وما قِيل إنه إسقاط الدعوات عن المطلوبين للخدمة الاحتياطية حتّى إشعار آخر (لحين حاجة البلاد لذلك!).

للأسف كانَ تعامل بعض وسائل الإعلام المحسوبة على الثورة مخزياً مع هذا الموضوع، ولم يصل إلّا إلى مرتبة التسويق لسوريا الأسد، والمشاركة مع وسائل إعلام النظام بإيقاع الشباب السوريين في الفخّ الذي نصبه الأسد لهم.

ودارت نقاشات عدّة بيني وبين زملائي في إحدى غرف الأخبار في أثناء تحرير الخبر، وكنتُ مصرّاً على أنّ عبارة (تسقط الدعوة للاحتياط عن جميع المطلوبين، ويحقّ لوزارة الدفاع استدعاء الشباب للخدمة حسب الوضع العسكري في البلاد) الجملة؛ هي الفخّ الذي نصبه التعميم بكلّ وضوح. ولكن لم يقتنع بعض الزملاء وحرّروا الخبر بعمومياته دون الخوض في خبثه، بحجّة (الحيادية) المرفوضة.

اليوم وبعد كمّ من الأخبار التي ترد من مناطق النظام عن وجود أسماء جديدة مطلوبة للاحتياط تُقدّر بالآلاف، أشعر بالإحباط الشديد وأنا أتذكر أنني قلتُ لزميلي ويعتبر مسؤولاً مباشراً عن تحرير الخبر وصاحب قرار في كيفية إنتاجه وعرضه للجمهور: إنّ أي شاب يذهب إلى مناطق النظام سواءً أكان موالياً أو معارضاً له، استناداً لما سنعرضه عن التعميم من طمأنةٍ فمصيره في رقبتنا كأصحاب قضية قبل أن نكون إعلاميين أو نعمل في إنتاج الأخبار وتقديمها للناس.

للأسف بعض الزملاء يفهمون الحيادية في نقل الخبر بطريقة خاطئة، تبدأ من كونهم ينطلقون في ضرب أمثلة عنها ممّا تنتجه وكالة (سبوتنيك) الروسية من أخبار، وهم يعتقدون بأنّها تنشر كلّ شيء سواءً ضدّ روسيا أو معها، دون أن تحيك الوكالة الخبر وفق ما تراه الدولة الروسية وما يناسبها.

وفي إحدى المرات أوضحت لزميل يعمل معي في نفس المؤسسة بأنّ هذا الاعتقاد خاطئ جدّاً، فوكالة سبوتنيك على سبيل المثال تنشر كلّ شيء ولكن بعملية تأطير ذكية تتناسب مع جمهورها. فقبل أيام تعرّض وزير الخارجية الروسية لموقف محرج في سنغافورة في أثناء مراسم استقبال جرت هناك. حيث قيّد القائمون على المراسم حركة بوتين ووزير خارجيته فبدأت الوكالة خبرها بتغريدة لصحافي سنغافوري معارض قال فيها: (بلد صغيرة.. لا تتسع للجميع)، واختارت الوكالة أن تبني الخبر كلّه على تغريدة الصحافي السنغافوري المعارض، وقزّمت بلده، واعتبرت الموقف المحرج عادياً باستخدام كلمة (مربك) بدلاً من محرج في العنوان والتي من شأنها تخفيف حدّة الخبر وجعله ترفيهياً.

كما أنّ مسؤولاً أمريكياُ سابقاً قال: إنّ إسرائيل ستدمّر منظومة (إس 300) لنظام الأسد، فاختارت الوكالة أن تنشر الخبر بالقول (قال المسؤول الأمريكي السابق: أعتقد أنّ إسرائيل ستحاول تدمير منظومة إس 300 في سوريا)، وهنا كان استخدام كلمتي أعتقد وستحاول أسلوباً تحريرياً ذكيّاً يخفف من حدّة التصريح ويجعل مسألة التدمير مجرد اعتقاد ومحاولة ربما تنتهي بالفشل، علماً أنّ الواقع يقول غير ذلك لأن إسرائيل تمتلك قدرة صاروخية تستطيع تدمير أس 300.

إن الأمثلة السابقة تندرج تحت بند تأطير الخبر الذي يحتم على وسائل إعلام الثورة إتقانه قبل إتقان فنون التحرير الصحفي، وعند ذلك يمكن أن تصبح بوصلة للسوريين، وإلّا فستبقى تعمل وفق نظام (الديليفري) لا أكثر. وبنفس الوقت ستبقى وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالعربية من أولى الوسائل متابعةً لدى الجمهور العربي إذا بقي حال وسائل إعلامنا الثورية على ذات العمل.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.